رام الله - واثق نيوز- أظهر بيان صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء ووزارة الثقافة، أن انخفاضا طفيفا طرأ في عدد المراكز الثقافية العاملة في الضفة الغربية، حيث بلغ 489 مركزاً عاملاً عام 2025 مقارنة بـ492 مركزاً في عام 2024، فيما انخفض عدد الأنشطة الثقافية المنعقدة في هذه المراكز من 5,788 نشاطاً عام 2024 إلى 4,279 نشاطاً عام 2025، وكانت الدورات التعليمية والورشية الأكثر انتشاراً بنسبة حوالي 69% من الأنشطة.
وجاء هذا البيان الذي استعرض واقع المؤسسات والأنشطة الثقافية في الضفة الغربية خلال عام 2025، لمناسبة يوم الثقافة الوطنية الفلسطينية، الذي يصادف الثالث عشر من آذار من كل عام.
وأشار البيان إلى أن عدد المشاركين في الأنشطة الثقافية بلغ نحو 251 ألف شخص، منهم حوالي 248 ألف شاركوا حضورياً، بنسبة 99%.
وفيما يتعلق بالمتاحف، بلغ عددها 26 متحفاً في الضفة الغربية عام 2025، منها أربعة رفضت الإدلاء بالبيانات، فيما سجلت المتاحف التي أمدت بياناتها حوالي 49 ألف زائر، منهم 88% فلسطينيون و12% جنسيات أخرى، مع تسجيل أعلى عدد للزائرين في شهر نيسان بحوالي 8 آلاف زائر وأدنى عدد في شهر شباط بحوالي ألفي زائر، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 39% مقارنة بعام 2024.
وعلى صعيد المسارح، بلغ عدد المسارح العاملة 15 مسرحاً، عرضت 306 مسرحيات، منها 204 للأطفال و45 للكبار و57 مشتركة، فيما بلغ عدد المشاهدين نحو 33 ألف شخص، وسجل أعلى حضور في كانون الأول بحوالي 6 آلاف مشاهد، وأدنى حضور في كانون ثاني بحوالي 835 مشاهد.
وأوضح البيان أن وزارة الثقافة نفذت خلال عام 2025 نحو 1,600 فعالية في مختلف محافظات الوطن والشتات، وعقدت 9 مؤتمرات ثقافية، أطلقت 7 مسابقات وجوائز، ودعمت 26 معرضاً محلياً في الأدب والفن التشكيلي، وشاركت في 7 معارض دولية للكتاب، وأصدرت 10 إصدارات أدبية، ورعت 7 مهرجانات فنية، كما قامت بتحديث اللائحة الوطنية للتراث الثقافي غير المادي لتضم 89 عنصراً، وتسجيل عناصر مثل الكوفية والنول والدبس الخليلي على لائحة الأيسسكو.
وفي قطاع غزة، نفذت الوزارة 30 فعالية وأنشطة ثقافية، فيما أطلق الصندوق الثقافي الدورة العاشرة لمنح المشاريع الثقافية بدعم 37 مشروعاً بقيمة 243 ألف دولار، إضافة إلى دورة استثنائية للمحافظات الجنوبية بدعم 22 مشروعاً بقيمة 107 آلاف دولار، ودعم تأثيث قصر طوباس الثقافي بقيمة 100 ألف دولار، وتوقيع مذكرة تفاهم مع وزارة المالية بقيمة 700 ألف يورو بدعم من الاتحاد الأوروبي لتعزيز القطاع الثقافي.
الكاتب : المتوكل طه
*
البوقُ على شَفةِ النافخِ، فانتظروا الصَيْحَةَ!
سترَونَ الأهوالَ عَياناً،
حتى أنّ الأعمى سيرى كيف تطيرُ الصُحفُ،
ويلحظُ، بين لهاثِ الظُلْمةِ، أشكالَ البَرْقِ،
وكيفَ أعادوا أصحابَ الأخدودِ إلى الحَرْقِ،
وأنَّ اليومَ الموعودَ سيفتحُ أبوابَ الغيمِ
لكلّ مجرّاتِ الطَرْقِ،
وكيفَ يحطُّ النجمُ الثاقبُ فوقَ الفَوْقِ..
انتظروا ذَبْذَبةَ الرَّجَّةِ، حيثُ الظَهْرُ المكسورُ،
وأشلاءُ البلدِ المَسْجور،
وهبّاتُ الفوّارِ المنذورِ..
سيجأرُ قلبُ السَفْحِ، وينشقُّ الصخرُ،
ويرمي التنّورُ سيولَ الأنهارِ الموّارةِ
بِالوَحْلِ المسعورِ المصهورِ..
انتظروا..فإذا وقعَ المَسرى،
وأُقيمَ الوَهْمُ مقامَ الأرْزِ، فتلك نهاياتُ الدّيجور..
انتظروا..سيجيءُ دخانٌ يُعشي الكوكبَ،
ويسدُّ الآفاقَ، ويشتدُّ البَرْدُ..
العتمةُ سيّدةُ الأرضِ الخائفةِ،
وترجِعُ كلُّ هوامِ الأحجارِ إلى الشَّقِّ الباردِ،
وتكونُ الرّهبةُ قبلَ الصَعْقَةِ،
بين تضاعيفِ التلّاتِ المفزوعةِ..
أمّا الهَدَّةُ؛ فَخرابُ السَّدِّ الأعظمِ،
وغريقُ الأنهارِ الجامحِ،
حيثُ الينبوعُ الملهوفُ يحلُّ على الموجِ المدحورِ..
وجاءَ الزّبدُ الصُلْبُ لينطحَ آخرَ واحاتِ النَّخْلِ،
ولا مَن يجلسُ تحت الأعذاقِ،
فَقد سبَّخَتِ الأملاحُ الجَذْرَ المحرورَ..
ويبقى المشهدُ حيثُ الظمآنُ،
على الرَّمْلِ المذرورِ..
ولن يبقى شيءٌ من هذا الفعلِ "الماضي"،
شيءٌ سيحيلُ الدولَ إلى غبشٍ،
لن يذرَ ولن يُبقي زهراً أو غصناً،
سيفرّ الآباءُ من الأبناءِ،
وتنكركَ العمّاتُ، وتهجركَ الخالاتُ،
سيفرمكَ الجوعُ، ويحرقك الثلجُ،
ولن يبقى لضلوعِكَ بيتٌ مَستورٌ..
واختلطَ الحابلُ بالنّابلِ،
فالفتنةُ حطّت أرجلَها التسعين،
وتخبطُ كلَّ جدارٍ،
وتعفّر أحلامَ الرّائين..
انتظروا حتى ينشقَّ الليلُ عن الخيطِ..
فقد يظهرُ بعد ثلاثٍ، من هَلَعٍ أو جوعٍ أو وجعٍ،
أو نبدأُ بالعدِّ الثاني..
كي نسمعَ مَن عادَ يقرّعُ أصحابَ المدنِ الخطّائين،
يُحذّرُ مسّادةَ ممّا اقترفت،
وبأنّ التتبيرَ سيبدأ..
فانتظروا، وأعدّوا الزادَ لأيامٍ لن ترحمَ أحداً..
فلقد تمّ الحارقُ،
وانتصبَ القِدْرُ على الموقدِ،
والأُثْفِيَّةُ تتميّزُ بالغيظِ..
فهل مِن رجلٍ يوقفُ حطّابَ الكونِ الوثنيِّ؟
لقد حطَّ الباشقُ غيمتَه الحمراءَ على الأعشاشِ،
فلا أشجارَ، بتلك الصحراءِ، سيبقى، أو أعراشَ،
سترتبكُ الأفهامُ، وتختلّ البوصلةُ،
فلا يعرف مَن صلّى أين القِبْلةُ أو أين الأوثانُ!
الفتنةُ أحلكُ من ثوبِ اليائسِ،
والغاسقُ أقوى من فَلَقِ الصُبْحِ..
ولا مَن يملكُ آياتِ الفرقان!
فَعضّوا الجَذْعَ اليابسَ، حتى يورقَ،
أو تنغقَ في الريحِ الغربان.
انتظروا..ما زلنا في الدركاتِ الأولى،
سنؤوِّبُ في النارِ، ولن نصعدَ..
حتى نتطهّرَ من أدرانِ الشيطانِ..
انتظروا..
بعد قليلٍ؛ سيعودُ الموتى!
مَن حملوه إلى الدَمْعِ، نراهُ أمامَ الشاشاتِ،
سيضحكُ، بعد رحيلِ اثنينِ،
ويأتي أربعةٌ من خلفِ الأكفانِ..
وهذا مدعاةٌ للرقصِ الدمويِّ،
وأنَّ الجَدَّةَ لن تبكيَ فرحاً،
لن ترقصَ حول الطَبَقِ النبويِّ،
فقد مَلَّت من زَخِّ الشريانِ،
ويكفي ما كانَ..
أرى الأرضَ ستلبس ثوبَاً آخرَ..
وتلك فصولٌ أخرى ومواسمُ لم نَعْهَدْها،
ستغيبُ طبولُ البأسِ، لتبدأَ أعراسُ الحاراتِ،
انتظروا..سوف نصيخُ السَّمْعَ لِرَجْعِ الرَّعْدِ الشامخِ،
ونرى كيف سحابُ الشمسِ السابحِ
يملأُ ساحاتِ البلدِ الراسخِ..
سنرى ما يفتحُ هذا البرَّ لِعَرْشِ الغاباتِ الباذخِ..
وانتظروا..فالأرضُ ستبلعُ أمواجَ الخسْفِ،
وتقلعُ كلُّ سماواتِ القصفِ،
ويُقضى الأمرُ..
ونخرجُ مِن فوقِ الألواحِ إلى الشُطآن.
انتظروا.
لا يأسَ، وإن حلّ الطوفان..
الكاتب : المتوكل طه
*
تنفتح الحربُ على كلِّ جهاتِ الرّيحِ،
فتأخذُ عيلامَ،
وتأخذُ معها الأرْزةَ والفيحاءَ وأرضَ الزوراءَ،
وكثبانَ التيجانِ..إلى قزوين.
النَطْحةُ جاءت! وهي الثانيةُ الماحقةُ،
تجرّ توابيتَ القتلِ، وتهوي بالمعدنِ في قاعِ البحرِ،
وتنعفُ مدنَ الليلِ، كحفنةِ جَمْرٍ،
وتغيب الشمسُ، وتنصهرُ الأفواهُ الظمأى،
تترمّدُ مدنٌ صاخبةٌ، وتُهاجرُ أخرى،
ويكون البلّورُ بقلبِ المرجلِ..
لن ينجو أحدٌ..حتى يهلكَ مَن بالرَّحْمِ،
ويفنى الأمهقُ، وعباءاتُ الرملِ، وربُّ التّيهِ..
الداخلُ فيها لن يخرجَ منها،
الجوعُ يمدُّ خوانَ القبرِ،
من الساطورِ إلى السِّكّين.
وتلك الشافيةُ؛ الزلزالُ االرجراجُ العاتي،
مَن سيعيدُ الماءَ إلى الصحراء،
وإن هدموا الميناءَ الأكبرَ،
سنرى المشهدَ مكتملاً بالقمرِ الهجريّ،
وقد يشرقُ شجرٌ، بعد فناءِ الغاباتِ الحجريةِ..
هذا ما يبدو..
حتى لو هجسَ به الجَفْرُ وحبقوقُ ودنيالُ وأسفارُ التكوين.
ونسألُ؛ مَن صاحبُ هذي الحرب؟
التبس الأمرُ على الناسِ..
فمن صدّقَ راحَ، ومَن كذّبَ غابَ،
فتلك نهاياتُ الدنيا، وبداياتُ الفَزعِ،
فقد ذابت أحداقُ الموتى، من هَولِ الغيمِ النوويّ،
وقال الرّائي بانت أعمدةُ اللهبِ، وأشداقُ التنّين..
فهذا يومُ الواقعةِ الكبرى!
لا تسأل مَن صاحبُ هذا القتل..
ستُهزمُ بابلُ، وتحطّ عليها غربانُ الطارقِ،
وتغيبُ الأوثانُ..
ومهما جمحوا..سيميلُ التمثالُ، فلا أصنامَ ولا أزلامَ..
فهذا يومُ الدّين.
وأما الملحمةُ فلن تتوقّفَ حتى تُمحى القبّةُ،
ويجفّ النهرُ، وتسقط ألسنةُ التدوين..
يبابٌ يمتدّ إلى آخرِ ما رسموا،
إذ تتغيّرُ خارطةُ الدولِ المحروقةِ،
وسيأتي عَرْشٌ يتزيّا بالعَدْلِ،
ولا عدْلَ سوى ما ينبتُ من أعشابٍ،
بعد الحَمْلِ الكاذبِ، في الشامِ الكبرى!
هل كانت حقاً؟
وأكادُ أشكُّ..
فقد عفت النارُ تجاعيدَ الأرصفةِ وأبوابَ الناطحةِ،
ولم يتبقَ إلا الصورة..كانت واحترقت!
عادت عادٌ وثمودٌ والأيكةُ،
والريحُ الصَرْصرُ، وانخسف الكونُ..
وتلك الساحاتُ المسلوقةُ تتهيّأ للثلجِ الآتي
مع درّاعةِ شيخٍ، في الكعبةِ،
وسيمشي حتى يبلغ بابَ اللّدِ،
لتبدأ بسْملةُ فلسطين.
لهذا؛ لن أبرحَ أرضيَ، سأظلّ هنا،
في قلبِ الجَنّةِ، أعني علّيين،
ومَن قالوا عنها أرضَ الجبّارين.
فلا تسأل مَن صاحبُ هذي الحرب؟
البادئُ أوّلُ مَن سيكون وقودَ الويلِ،
قبيل الراياتِ العصماءِ.
ومهما انقلبوا..خسروا..
إذ دقّت ساعاتُ الآتين.
الكاتبة: مريم مشتاوي
لم تبدأ الحروب يوماً من قلب طفل، الأطفال لا يفتحون الجبهات، ولا يطلقون الصواريخ، ولا يجلسون حول الطاولات ليقرروا مصير المدن. لكنهم دائماً أول من يدفع الثمن. في لبنان، البلد الصغير، الذي تعب من تكرار المآسي، عاد له صوت الحرب مرة أخرى. عاد كما يعود شبح قديم يعرف الطرق إلى البيوت جيداً. في لحظة واحدة، صار الجنوب وبيروت والبقاع تحت النار!
لم يكن لأمهات الجنوب رأي في الصواريخ، التي عبرت السماء، ولم يكن لآباء القرى الذين يستيقظون فجراً لقطف الزيتون أي كلمة في الحرب، التي فتحت فجأة.
القرار لم يكن هنا. لم يكن بين هذه الحقول ولا بين هذه البيوت التي تشبه أصحابها. لكن النار وصلت.
هكذا ضربت إسرائيل بضعة صواريخ تشبه الألعاب النارية. تشيد السماد فقط وتسقط خجولة. أما الرد فجاء حرباً كاملة. وهكذا، كعادته دائماً، صار لبنان مرة أخرى ساحة لحروب الآخرين.
في الجنوب، لم يعد هناك جنوب، القرى التي كانت تتنفس بين التلال احترقت بالكامل، البيوت التي كانت تحفظ دفء العائلات صارت جدراناً مفتوحة على الريح.
خرج الناس من بيوتهم على عجل. بلا حقائب، بلا وقت حتى ليقولوا وداعاً للأماكن التي عاشوا فيها عمراً كاملاً، الأمهات يحملن أطفالهن، والأطفال يحملون خوفهم.
في الطرقات الممتدة من الجنوب نحو بيروت والبقاع، تشكلت قوافل بشرية طويلة. سيارات صغيرة مكتظة بالعائلات، ووجوه متعبة تبحث عن مكان آمن في بلد لم يعد يعرف معنى الأمان.
بات الجنوب شبه فارغ. هرب الناس من النار، تركوا البيوت، والحقول، والذكريات، وكل ما صنع حياتهم هناك.
وبين ليلة وضحاها، صار كثيرون بلا مأوى. نامت العائلات في المدارس، وافترش البعض الأرصفة، وبحث آخرون عن زاوية دافئة في مدينة لم تكن مستعدة لاستقبال موجة نزوح جديدة.
في عز البرد، وفي أيام الصيام، مسن يبكي بحرقة على الرصيف. أطفال يرتجفون من البرد. أمهات يحاولن إخفاء خوفهن بابتسامات مكسورة. وآباء يقفون بصمت ثقيل لأنهم لا يعرفون ماذا يقولون لأطفالهم.
كيف تشرح لطفل أن الحرب ليست خطأه؟
كيف تشرح له أن وطنه مرة أخرى صار ساحة لحرب لا علاقة له بها؟
ها هو لبنان، مرة أخرى، يقف على حافة ذاكرته المثقلة بالحروب.
بلد صغير يعيش دائماً على خط النار. كلما اشتعلت المنطقة، امتدت الشرارة إليه.
في الصراعات الكبرى، لا يسأل أحد عن قدرة لبنان على الاحتمال.
ولا عن شعب يعيش أصلاً واحدة من أقسى الأزمات الاقتصادية في تاريخه.
لكن حين تبدأ الصواريخ بالسقوط، لا تعود السياسة مهمة. تصير الحياة نفسها هي القضية.
في الطرقات، التي امتلأت بالنازحين، لم يكن الناس يتحدثون عن توازنات القوى ولا عن خرائط النفوذ في المنطقة. كان السؤال أبسط بكثير، وأكثر إيلاماً.
لماذا يدفع اللبنانيون دائماً ثمن قرارات لم يتخذوها؟
كيف يتحول وطن كامل إلى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين؟
في الحروب، يفرض الأقوى معادلته. لكن في لبنان، يبقى السؤال الأصعب دائماً:
من يحمي الناس؟ من يحمي الأطفال الذين ناموا تلك الليلة على الأرض الباردة؟
من يحمي المدن الصغيرة التي تحولت فجأة إلى محطات نزوح؟
في الطرقات الممتدة من الجنوب إلى بيروت، يمشي الناس وهم يحملون ما تبقى من حياتهم في حقائب صغيرة.
خلفهم بيوت تركوها تحت القصف، وأمامهم مستقبل غامض.
لكنهم يمشون رغم كل شيء، لأن الإنسان، حتى في أقسى اللحظات، يتمسك دائماً بشيء صغير اسمه الأمل. غير أن السؤال الذي يبقى معلقاً فوق هذا البلد الصغير هو سؤال يعرفه اللبنانيون جيداً… ويخشون الإجابة عنه: هل كتب على لبنان أن يبقى دائماً ساحة لحروب الآخرين، لا وطناً لأطفاله؟!
تحت ظل نظام الكفالة
هناك تمشي امرأة إفريقية، وهي تحمل حياتها على كتفيها، كما لو كانت حقيبة ثقيلة لا تستطيع أن تضعها أرضاً. خطواتها سيرة تعب طويلة، 11ساعة مشي كاملة، كما قالت ببساطة، وكأن التعب صار تفصيلاً عادياً.
تقول: «كانت معنا غراض كثير، وكان معنا أولاد وهيدي مش أول مرة».
تقولها بلا شكوى كبيرة، وكأنها تعتذر عن تعبها. وكأن العالم علّمها أن الألم يليق بها.
في لبنان، تحت ظل نظام الكفالة، يعيش كثير من العاملات والعمال المهاجرين حياة تشبه السير على حافة ضيقة بين الحاجة والخوف.
يأتون من بلدان بعيدة، يحملون أحلاماً صغيرة: راتب يرسلونه إلى عائلة تنتظر، أو حياة أقل قسوة من تلك التي تركوها خلفهم. لكن الطريق إلى هذه الأحلام غالباً ما يكون أطول مما تخيّلوا.
في الأزقة الخلفية للمدن، وفي مواقف السيارات، وفي الزوايا التي لا تصل إليها الكاميرات كثيراً، تتشكل حياة أخرى موازية للحياة اللبنانية التي نعرفها.
حياة بلا حماية قانونية واضحة، ولا شبكة أمان اجتماعي، ولا حتى يقين بأن الغد سيكون أقل قسوة من اليوم.
هناك، يجلس أطفال على الأرض قرب أمهاتهم. يلعبون بأشياء صغيرة وجدوها في الطريق. لا يعرفون شيئاً عن القوانين التي تنظّم حياة أمهاتهم، ولا عن نظام اسمه الكفالة يحدد مصير أسر كاملة.
هم فقط يعرفون أنهم هنا، في بلد ليس بلدهم، وفي حياة لم يختاروها.
تعمل الجمعيات الأهلية، كما يقول العاملون فيها، على سد هذه الفجوة الإنسانية، ولكن الحرب تنهكها.
تحاول توزيع الطعام، وتأمين بعض الحاجات الأساسية، كما تحاول أن تمنح هؤلاء الناس شيئاً من الكرامة التي سقطت في الطريق بين الحدود والقوانين.
لكن العمل الإنساني، مهما كان صادقاً، يبقى محاولة لترميم ما لا يجب أن يكون مكسوراً أصلاً.
في لبنان، حيث تختلط الأزمات الاقتصادية بالحروب والهشاشة السياسية، يصبح الضعفاء أكثر هشاشة. والمهاجرون، الذين جاءوا بحثاً عن حياة أفضل، يجدون أنفسهم في مواجهة واقع أكثر تعقيداً مما توقعوا.
ومع ذلك، تمشي تلك المرأة ساعات طويلة… تمشي لأن الحياة لا تنتظر. ولأن طفلها يحتاج إلى شيء يأكله في نهاية الطريق.
ربما لا يعرف كثيرون اسمها. لكن خطواتها في شوارع المدينة تكتب حكاية كاملة عن عالم ما زال يبحث عن معنى بسيط للعدالة!
*كاتبة لبنانية
الكاتب : عيسى قراقع
في روايتها الجريئة بعنوان "تنهيدة حرية" والتي فازت بجائزة كتارا للرواية العربية المنشورة لعام 2025 خلعت الكاتبة د. رولا غانم الحجاب عن أنثى الرواية وأضاءت فضاءات ومناطق ظلت مغيبة طوال الفترة التي استفرد فيها الرجل بكتابة النصوص الإبداعية، وقد قادتنا الكاتبة إلى منطقة الحريم وأعادت تعريف القهر من الداخل، لتطلق تنهيدة الحرية في وجه الخراب.
تنهيدة حرية هي الرواية الثانية لكاتبة فلسطينية فازت بجائزة كتارا، حيث سبقتها. رواية "جنة لم تسقط تفاحتها" للكاتبة ثورة حوامدة عام 2018، مما يجعلنا نقف أمام الأدب النسوي الاجتماعي المقاوم والذي قادته العديد من الأديبات الفلسطينيات منذ النكبة حتى الآن، وقد ساهم أدب المرأة بجدارة في إعادة صياغة الهوية الوطنية الفلسطينية وتسليط الضوء على قضايا العدالة والمساواة والمشاركة، وعلى دور المرأة في النضال الوطني ومعاناتها تحت الاحتلال، والتحديات التي تواجهها في مجتمع محافظ لا صوت فيه إلا للرجال.
الرواية تعيد كتابة فلسطين من زاوية الأنثى التي لا تقصى، بل تصنع لغتها وسرديتها بوعي سياسي واجتماعي وجمالي، تتقاطع فيه مساحات المنفى والاحتلال والقهر المجتمعي والمقاومة الثقافية، تكسر الصورة النمطية عن المرأة بصفتها ضعيفة وضحية، وتقدمها مقاتلة وقوية وكأنها تعيد تعريف البطولة من موقعها الإنساني الأنثوي.
رواية أبطالها من النساء اللواتي عصفت بهن الأقدار والظروف القاسية وعلى امتداد ثلاثة أجيال يدور الصراع بين المفاهيم التقليدية التي تدفن المرأة خلف حجاب وبين قيود الاحتلال، وهنا استطاعت الكاتبة أن تحرر المرأة من الهامش إلى المركز، ومن الخفاء إلى الضوء، ولتخلع ذلك الحجاب الذي يصور المرأة مجرد تابعة اوجارية، أو مجرد شهوة وأداة فتنة وإغواء، وقد ربطت الكاتبة ببراعة بين القهر الوطني و القهر الذكوري في نظامنا الاجتماعي.
أنثى الرواية خلعت الحجاب، وفككت العديد من القيود التي حاصرت المرأة وعرضتها للعنف والتسلط والاحتقار والحرمان من الحب والرحمة، ووضعت شعارات إنصاف المرأة أمام المحك والاسئلة النقدية، وهي تتناول قضايا الهيمنة الذكورية على المرأة والتعامل معها بدونية، مثل إنجابها للبنات وليس الذكور، والعيب من الزواج من المطلقات، وزواج القاصرات، وتعدد الزوجات، والطلاق الذي أصبح أحد أشكال اضطهاد النساء، وتناولت التمييز في القضاء والقوانين النافذة وما يسمى العذر المحلل للرجال الذين يرتكبون جرائم بحق النساء، وقد انتزعت الكاتبة في روايتها حق المرأة في الكلام لفضح التسلط الذكوري الأبوي والمؤسساتي، ولأجل بلورة وعي يوجه نضال المرأة ويوسع نطاق قضيتها وحقوقها لتأخذ مكانتها اللائقة.
أنثى الرواية في تنهيدة حرية خلعت الحجاب كرمز لا كقطعة قماش، الحجاب المحمل بطبقات ثقافية: سلطة المجتمع، سلطة العائلة، سلطة التأويل الديني، سلطة الخوف من العار، وعندما انتصرت الحرية في الرواية أصبحت المرأة فاعلة ومرئية، خرجت من سجنها ومن خوف الآخرين وأثبتت ذاتها وفتحت محاكمة للجميع في صراع المرأة مع المجتمع داخل بنية وطنية مضغوطة.
تحرر حمزة من السجن الذي قاوم الاحتلال بالسلاح، وتحررت حبيبته بتول من الظلم الاجتماعي، وهنا برز هذا التلاقح بين البعدين الإنساني والوطني في الرواية.
حرية المرأة ليست خصومة مع القماش،
أو مع عطرها وصوتها،
بل خصومة مع القيد،
مع فكرة أن جسدها ساحة معركة،
وان شرف القبيلة يعلق في خصلات شعرها،
حين تخلع الحجاب،
ليست ضلعا أعوج،
أو عقلا ناقصا،
ليست ظلا أو صدى،
لا تطلب تصفيقا،
ولا تستأذن أحدا
إنما تدخل امتحان الضوء
وترتدي مسؤوليتها،
الوطن لا يبنى بنصف حرية،
ولا ينهض بامراة خائفة،
الوطن الذي يقاوم الاحتلال
ولا يقاوم احتلال المرأة،
هو وطن ناقص السيادة.
المرأة ليست حوضا أو إناء،
الحب والأرض والسماء،
كل الانبياء ولدوا في أحضان النساء،
ليندا تافاكولي شاعرة إيرلندية نشرت العديد من الكتب في الشعر والقصة القصيرة، وحصلت على جوائز أدبية مرموقة. تشرف على تقديم ورشات الكتابة الإبداعية للكبار، وتعمل بدعم من مؤسسة جائزة شيموس هيني، على الإحاطة بمواهب كتابة الشعر في المدارس.
كتبت ليندا تافاكولي العديد من القصائد عن غزة ونشرتها في كتاب إلكتروني عن دار مجلة Live Encounters. تحاول الشاعرة في هذه النصوص أن تكون شاهدة على الإبادة، ولكنها لا تتوانى عن تذكيرنا بأنها تكتب من مسافة بعيدة، حيث تعيش في إيرلندا الشمالية، لذلك تحضر في هذه القصائد الكثير من المفردات المتعلقة بالأخبار والراديو والتلفزيون والصور الفوتوغرافية. الكتابة عن غزة بالنسبة إلى ليندا تافاكولي، التي عانت بلادها من عنف الاحتلال البريطاني وتجويعه (مجاعة سنة 1845- 1852)، هي وسيلة لتدين اللامبالاة والتواطؤ والنسيان ولتكون شاهدة، ولو من مسافة آلاف الأميال، على الإبادة.
ليندا تافاكولي / ترجمة: ميلاد فايزة
طفل مجروح دون ناجين من عائلته
عيونهم مفتوحة
كعيون البوم التي تحدّق في الليل
تبتلع الظلام
بألْسنة جافّة
هوياتهم موشومة
على جلودهم
مثل تواقيع للأجيال القادمة
نور
خالد
ليلى
ناصر
نائمون على أيادي
الأمهات الميتات
يتذكرون الما قبل
عندما كانت اللمسة مهدا
للانتماء
وكان الما بعد إزهارا
للنجوم في النعيم
عزيزة
أمل
فرح
أسد
صمتهم يحميهم
فَمَنْ يستطيع أن يستوعب
جروح أطرافهم الممزّقة
المنبعثة من الشاشة
أو نشيج اللحم المتقشر
مما تبقى من بقاياهم
ناصر
صفية
داحر
بشير
أجساد لم يطالب بها أحد
أطفال الأشباح هؤلاء ينبشون الظلام
بحثا عما ضاع منهم
أشباح الأطفال هؤلاء
لا شيء يملكونه الآن
غير إنسانيتنا
حبيبة
إيمان
حميد
زهرة
لينا
رداء الموت
ها أنت هناك
ملفوف داخل حدود الحرب
لا شيء يدلّ على عمرك سوى قامتك الصغيرة
وها هي أمّك تنتظر هناك
سُكون الحزن قبل الانهيار
لا عَلَمَ ليحدّثنا عن قصّتك
سوى امتزاج الأبيض بالأحمر
بينما تُنْزع الضمّادات
واحدة إثر أخرى
ومن خلال فتحة بالكاد تكفي لتضع عليها أمٌّ قبلة
تتجلّى هويّتك بشكل خاطف
ها أنت هناك إذن
ملفوف في أغلال الحرب
والآن تختفي وراء نشرات الأخبار التلفزيونية
أشياء لا تستطيع أن تمحوها من الذاكرة
وأنت تفكّ الأغلال
أشياء يجب ألاّ تراها أبدا.
طفل يسأل متى ستنمو ذراعي؟
أيها الطفل الغضّ
اُنظر إلى تلك السنديانة العظيمة
تبْكي في عواصف الشتاء
أطرافها المقطوعة
شظايا من مروج
الغياب تحت الأقدام.
ولكن اُنظر مرة أخرى
إلى ذلك الجذع النازف
لتعرف أنه حتى في جفافه
تبقى هناك حياة مستدامة
ومتأثرّة إلى الأبد
ليس فقط بما هو مسروق
ولكن بما يبقى على قيد الحياة
شهادةً صلبة لا تلين
على قسوة الفقدان.
مجهول رقم 99
في المستشفى رضيع
يحمل شارة مكتوب عليها:
مجهول الهوية رقم 99
كما لو كان هدية غريبة وغير مهمة
أُسقطت من قائمة الهدايا القيّمة
لتستقر في قائمة من دون اسم
ولكني سأسمّيكَ
المعجزة الصغيرة
وسأتجرّأّ على التفكير
في مستقبلك الزاهر
عندما يأخذك الوقت
إلى مكان ما
حيث يحنو النور عليك كالمهد
وتستعيد الأسماء المعروضة
هويتها
حيث يستطيع القمر أن يلاحق النجوم
في سماء صافية
ويتخلّى الصمت
عن حنينه للنوم
مثل ثلج ذائب.
أراك هناك
يا معجزة الحرب، يا صغيري
بطنك ممتلئة مرة أخرى
وقلبك هو الحضور النابض
لأمّة في حالة حِداد
دمار شامل
انظروا
عندما تقولون إنكم لا تستطيعون أن تنظروا
واشطفوا عيونكم
بقلوب
تسقط وتصعد وتسقط
حتى يقبل الله أخيرا
سكينة أجسادهم شهادة.
انظروا
وتأملوا كيف تفشل المعاناة
في اختراق وعي العالم، حيث تقطع حبال السرة
بالحجارة
وتقطع الأطراف بمنشار جيلي السلكي.
انظروا
وتذكروا أن حقول الأعشاب الطفيلية
لن تطعم الجائعين أبدا
وأن بدلة الوقاية الكاملة لن تزيل
صرير أسنان الأطفال البائسين
وأن كل الطرق تؤدي إلى الموت
انظروا
وفكروا كيف أنّ ما يكفي
لا يبدو أبدا أنه كافٍ
وعندما ننظر تجاه الجهة الأخرى
فإننا نصبح متواطئين
بسبب امتناعنا عن فعل أي شيء.
حق العودة
في راحة يده المغبرّة مفتاحٌ
يعرف بَرْدَ لهيبه اللافح على جلده
أثرهُ المعدنيّ المخيّط
مثل وشم على قماش أحلامه،
بينما الفم المتيبس عطشا للقفل
يصرخ على باب
في مكان ما مِن الماضي
منتظرا العودة
منتظرا معجزة
غير مكسور
(لأجل غزة)
لعلكم تظنون أنكم قد أسكتّمونا
ولكن أصوات أسلافنا
ما تزال تغنّي في الشوارع التي خرّبتها
آلاتُ دماركم
لعلكم تظنّون أنكم قد يتّمتمونا
ولكن كل روح تملك جنتها
وكل فقيد لا يزال يتنفس
في هؤلاء الذين تركهم وراءه.
لعلكم تظنون أنكم قد جوّعتمونا
ولكن عظامنا العارية
ستخترق التربة يوما ما لتغذي
وعد البدايات الجديدة.
لعلكم تظنون أنكم قد دمّرتمونا
ولكن حتى حطام ما سيتبقى
يمكن أن يتعلم كيف يكون أساسا مرة أخرى
وبلادا تولد من جديد.
لعلكم تظنون أنكم قد دَفنتمونا
ولكننا سنكون أشباحا تقضّ مضاجعكم
في الهزيع الثاني من ليل نومكم
وتملأ كل خيالاتكم رعبا
قد تظنون أنكم قد كسرتمونا
ولكننا أقوى مما تظنون
أقوى بسببكم
أقوى رغما عنكم.
فكرة خطرت على بالي بشكل متأخر
قل للمهجّرين إنهم سيجدون بيتا،
إذا لم يموتوا وهم يمشون
قل للذين بترت أعضاؤهم أنهم سيتعلّمون
الحبْوَ مرة أخرى خلال خمس سنوات
قل للمدفونين إنهم سيعيشون
داخل القلوب النابضة لأولئك الذي بقوا أحياء.
قل لليتامى إنّ تعاطف الآخرين
لن يداوي وحدتهم أبدا.
قل لمن تركوا لمصيرهم إنهم سيُذكرون يوما ما
لجَلَدِهم.
قل للجوعى إن عبارة «جلد على عظم»
اسم على مسمّى
قل للمفقودين إنهم قد أصبحوا مجرّد أرقام الآن
وضاعوا في أثير الإحصائيات والإهمال.
قل للأطفال أنكم لم تنسوهم
عندما توقفت صورهم عن احتلال شاشات تلفزيوناتنا.
قل لكل من يريد أن يسمع إنّ العالم قد ضاع بالتأكيد
إذا أصبح الموتى مجرد فكرة تخطر على البال.
رغبة
هدوء الطائرات المسيرة يجد العزاء
في سماء فارغة
وفي الأسفل
رجاء.
هايبون لأجل غزة
هل ثمة أهمية لما قلتُ لك؟ إذا قلت لك إن خدّ أختي الدافئ يضغط على خدّي مثل قبلة، ويتسرّب الدم من جراحها إلى فمي حارا مثل نهر من نار؟ أو كيف أشعر وقد عرفت أنّ وزنها الخفيف هو الذي حَماني من الموت؟ أو إذا كان هناك في مكان ما أبعد من هذا الظلام الخانق صوت أبينا يرتدّ من خلال الأنقاض وهو يبحث عن أنفاسنا الجماعية؟ هل سيكون لذلك أي أهمية حقا؟ أنادي، بابا، بابا، في المساحة المتورّمة من فمي، ولكن الصوت يتسرّب في نفسه، ويتلاشى في وعيي وفي المرض الجلدي المتنامي لأختي. ورغم ذلك أعتقد أني في مكان آمن، أكثر أمنا من المكان العلوي الذي يعتبر أخطر مكان على الأرض يمكن أن يوجد فيه طفل، وحيث يطحن أبونا أصابعه لتتحول إلى غبار. إذن، حتى في هذا الجحيم حيث وجدتْ أختي نعيمها، فإني أشعر بالامتنان. والله رحيم. لقد نزع من أذني أزيز طائرات الدرون والخطر الذي مثلته كل هذه الساعات في كل هذه النهارات منذ البداية. ثمة إحساس بالراحة في هذا الهدوء غير المألوف لذلك أغلق عينيّ وأرحب بنهايته الحاسمة، ولكني أدرك أيضا، العذاب الذي سيسببّه موتي. لهذا، أتنفس وأصلّي، تتلامس أطراف أصابعي مكوّنة جسرا من الصلوات في هذا المسجد الصغير من الهواء حيث أنتظر الآن، فقط ليتمّ نبشي من بين الأنقاض.
ذرة من الضوء
في غبار يأسنا
تضيء الظلام
الكاتب : د. هشام غصيب
في النصف الثاني من القرن العشرين، خيضت معركة أيديولوجية وفكرية حادة داخل الماركسية وخارجها، تمحورت حول التفريق بين ما سُمّي بـ “ماركس الشاب” و”ماركس الناضج”، وبخاصة حول كتاب «رأس المال».
وقد جاءت هذه المعركة في سياق تاريخي محدد، أعقب تراجع الستالينية في منتصف خمسينيات القرن العشرين، لا سيما بعد انقلاب خروتشوف، الذي فضح ممارسات ستالين، وجرائمه، واستبداده، وتعظيمه لشخصه فيما عُرف بـ عبادة الفرد cult of personality.
في هذا السياق، برزت تيارات داخل الماركسية، وأخرى في الفكر البرجوازي، حاولت أن تعيد قراءة ماركس بطريقة جديدة، لكنها في الواقع وقعت في مأزق قرائي مزدوج.
فهذه التيارات قرأت ماركس قراءة وضعية، ميكانيكية، علموية جافة، واعتبرت كتاب «رأس المال» مجرد كتاب اقتصادي تقني يخلو من الروح الإنسانية. والغريب أن هذا الكتاب، لمن يقرأه فعلياً، يجده نابضاً بالأدب، والروحانية، والخيال، والدهشة الفنية، وليس كتاباً اقتصادياً جافاً بالمطلق.
كثيرون قرأوا «رأس المال» دون أن يقرأوه فعلاً، أو قرأوا عنه لا فيه، فشعروا أنه يخنقهم، ويحرمهم من البعد الإنساني، واعتقدوا -خطأً- أن هذا البعد غائب عن كتابات ماركس المتأخرة. ومن هنا نشأت رغبة في التحرر من ثقل هذه النسخة من ماركس العلمي، الذي جرى تصويره بوصفه ميكانيكياً، وضعياً، ولا إنسانياً.
في المقابل، وجد هؤلاء في كتابات ماركس المبكرة، ولا سيما مخطوطات باريس الاقتصادية والفلسفية لعام 1844، متنفساً إنسانياً يحررهم من هذا الثقل. فرأوا في تلك النصوص تمجيداً للفرد، وتعظيماً للذات الإنسانية، وقيمة مطلقة للفرد، وهي قيم لم يروها -حسب فهمهم – في كتابات ماركس الناضجة.
لكن المشكلة هنا أن هؤلاء قرأوا الكتابات المبكرة قراءة مثالية، وجودية، وقرأوا الكتابات الناضجة قراءة ميكانيكية لا جدلية. لقد تأثروا بوضوح بالمدرسة الوجودية، وتعاملوا مع مخطوطات باريس بوصفها نصوصاً وجودية لا نصوصاً مادية نقدية. وهكذا سادت النزعة الإنسانوية داخل الماركسية، خصوصاً بعد اهتزاز أركان الستالينية، وكانت هذه الإنسانوية في جوهرها موجهة ضد الستالينية، لا ضد ماركس نفسه.
وبمعنى أدق، جرى تقديم ماركس “الإنساني” أو “الوجودي” بوصفه ماركس الحقيقي، في مقابل ماركس “العلمي” الذي رُبط بالمدرسة الستالينية. وكانت هذه الصراعات مرتبطة بالحركة الشيوعية ذاتها، وبمحاولة إعادة تعريف الماركسية بعد الأزمة التاريخية التي عاشتها.
على الجانب الآخر، ظهر تيار مضاد قاده لويس ألتوسير، منذ أواخر الخمسينيات والستينيات، شعر بخطورة هذه النزعة الإنسانوية.
وأنا هنا أرى أن ألتوسير من حيث يدري أو لا أدري، يتفق في نقده مع هذه التيارات الإنسانوية، لكنه أختلف معهم جذرياً في الطريقة التي عالج بها المسألة.
في رأيي، كان ينبغي على ألتوسير أن يقول لهؤلاء: أنتم قرأتم ماركس المبكر قراءة خاطئة، وقرأتم ماركس الناضج قراءة خاطئة أيضاً. لكنه لم يفعل ذلك، بل قبل بفرضيتهم الأساسية، وانطلق منها، وذهب إلى القول بوجود قطيعة إبستمولوجية حدثت سنة 1845، قفز فيها ماركس من خطاب أيديولوجي هيغلي–فيورباخي إلى خطاب علمي خالص.
اعتبر ألتوسير أن إشكالية ماركس الشاب لم تكن علمية ولا مادية ولا جدلية، بل كانت إشكالية هيغلية، وأن ماديته في تلك المرحلة -المتأثرة بفيورباخ- ليست مادية بالمعنى الصحيح، بل ضرباً من المثالية المقنعة. وعلى هذا الأساس، رفض اعتبار تلك المرحلة جزءاً من الماركسية، وهاجم الإنسانوية الماركسية، كما فعل في كتابه «من أجل ماركس»، مخصصاً فصلاً كاملاً لهذه المسألة.
لكن السؤال الجوهري هنا: هل يمكن اختزال كل العملية النقدية العميقة التي قام بها ماركس في نقد فلسفة الحق لهيغل، وفي المسألة اليهودية، وفي مخطوطات باريس، باعتبارها مجرد ممارسة مثالية؟ أليست هذه العملية النقدية نفسها هي التي مهدت للوصول إلى المادية الجدلية والمادية التاريخية؟ وما هو هذا القطع الإبستمولوجي؟ هل هو مفهوم علمي فعلاً؟ هل تتطور المعرفة البشرية عبر قفزات فجائية، أم عبر تحولات جدلية تربط الجديد بالقديم؟
حتى في فلسفة العلم، سواء عند غاستون باشلار أو توماس كون، نجد هذا التصور عن القطع، بوصفه محواً تاماً لما سبق. قفزة كما القفزة الايمانية على طريقة كيركجور؟ أم أن هناك، على الدوام، علاقة جدلية تربط الجديد بما سبقه، بحيث لا يولد إلا من داخله ومن خلال تحّلله؟
ألتوسير رأى أن الماركسية الناضجة لا تتضح إلا في «رأس المال»، وقدم قراءة بنيوية لهذا الكتاب في «قراءة رأس المال»، قراءة تختلف جذرياً عن القراءة البرجوازية. لكن أحياناً، عندما نقرأ ماركس ونقرأ ألتوسير، نتساءل: هل يتحدثان عن الكتاب نفسه، أم عن كتابين مختلفين تماماً؟
لقد وقعنا في فخ مزدوج وخطير في آنٍ واحد؛ فخ القراءة الخاطئة لماركس الشاب، وفخ القراءة الخاطئة لماركس الناضج. من جهة أولى، جرى تضخيم البعد الإنساني في كتابات ماركس المبكرة وتحويله إلى إنسانوية مثالية، تُقرأ خارج سياقها المادي والتاريخي. ومن جهة ثانية، جرى التعامل مع كتابات ماركس الناضجة، ولا سيما «رأس المال»، بمنظور بنيوي ميكانيكي، جاف، منزوع الجدل، وكأنها نصوص تقنية مغلقة تخلو من الروح النقدية.
لكن الحقيقة أن هذا التقابل الحاد بين ماركس الشاب وماركس الناضج هو تقابل مصطنع. فلا وجود لقطيعة معرفية تفصل بين مرحلتين منفصلتين، بل هناك مسار واحد يتطور عبر تحول جدلي، تتحول فيه المفاهيم وتتعمق، دون أن تُمحى أو تُلغى جذورها الأولى. ماركس لم يبدأ من فراغ، ولم يقفز قفزة إيمانية خارج الفكر الذي سبقه، بل انطلق من داخل الفكر البرجوازي الثوري نفسه، ومن نقده الجذري. نقد هيغل، ونقد فيورباخ، لا بوصفهما محطات يتجاوزها بالإلغاء، بل بوصفهما لحظات ضرورية في تشكل مشروعه الفكري. لقد استخدم ماركس أدوات هيغل وفويرباخ، لكنه لم يتبنَّها كما هي، بل قلبها رأساً على عقب. نقد هيغل نقداً مادياً، فأنزل الجدل من سمائه المثالية إلى أرض الواقع الاجتماعي والتاريخي. وفي الوقت نفسه، نقد فيورباخ نقداً جدلياً، كاشفاً حدود ماديته الساكنة والتأملية، ودافعاً بها نحو مادية فاعلة وتاريخية. ومن خلال هذا التوتر الخلاق بين النقدين، ومن داخل هذه الحركة الجدلية نفسها، تبلورت المادية الجدلية بوصفها تجاوزاً حافظاً، لا قطيعة إقصائية.
هكذا تشكل مشروع ماركس؛ لا بقطع مع الماضي، بل بتحويله، ولا بإلغاء الجدل، بل بتجسيده في الواقع المادي والتاريخي. استخدم ماركس مفاهيم مثل الاغتراب، لكنها لم تعد هيغلية ولا فيورباخية، بل أصبحت أدوات مادية لنقد الرأسمالية. بدأ بمادية منقوصة، ساذجة نسبياً، لكنه طورها عبر النقد إلى مادية تاريخية وجدلية.
لذلك، فإن فكرة القطيعة الإبستمولوجية تُدخل الجدل نفسه في مأزق. فالجدل المادي لا يولد من الفراغ، ولا يمكن اجتثاث هيغل من الماركسية دون إفراغها من قوتها النقدية. ماركس نفسه قال إن الجدل الهيغلي، بعد قلبه على قدميه، أرعب البرجوازية والطبقات الحاكمة.
أما ألتوسير، فاستبدل الجدل بمفاهيم مثل “التحديد الفائق”، وقدم بنيوية تبتعد عن الجدل الحقيقي. لم يكن مشروع ألتوسير مجرد تطوير للماركسية، بل كان -في جوهره- محاولة لتغيير بنيتها العميقة، وربما تجاوزها.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال ألتوسير في هذا الطرح وحده؛ فقد كان عبقرياً فلسفياً، صحيح أنه تحول لاحقاً نحو مادية أبيقورية تحمل عناصر لا عقلانية، لكن في النهاية، فإن النقاش حول ماركس الشاب وماركس الناضج هو في جوهره نقاش حول: “كيف انبثقت الماركسية من قلب الفكر البرجوازي الثوري؟ وكيف تحول القديم إلى جديد؟
وهنا، يكون مفهوم التحول الجدلي هو المفتاح، لا مفهوم القطيعة. فالديالكتيك هو علم التحول، لا علم القفزات الإيمانية.
الكاتب: سمير الجندي
يشكل مسلسل باب العمود من إنتاج مسرح الرواة تجربة درامية تتجاوز حدود المتعة البصرية إلى مساحة الفعل الثقافي المقاوم، حيث تتحول الشاشة إلى منبر دفاع عن الذاكرة والبيت والهوية في القدس، وتحديدا في قلبها النابض: البلدة القديمة.
بعد النجاح الذي حققه العمل في موسميه السابقين، يأتي الموسم الثالث ليطرح قضية شديدة الحساسية تمس صميم الوجود المقدسي، وهي ما يعرف بـ"قانون أملاك الغائبين". هذا القانون، الذي يستند إليه الاحتلال لتجريد المقدسي من بيته إذا ثبت أن جزءا من الملكية يعود لشخص خارج البلاد، لا يقدم في المسلسل بوصفه مادة قانونية جافة، بل باعتباره سيفا مسلطا على رقاب البيوت العتيقة، وتهديدا مباشرا للنسيج الاجتماعي والتاريخي للمدينة.
الدراما كأداة وعي
العمل لا يكتفي بعرض المأساة، بل يسعى إلى خلق وعي جمعي، خاصة لدى المالكين المقيمين خارج المدينة، بخطورة ترك الملكيات دون متابعة قانونية وإدارية دقيقة. هنا تتجلى وظيفة الدراما بوصفها أداة تحذير وتنبيه، لا مجرد وسيلة تسلية. فالقضية تطرح بأسلوب إنساني، من خلال قصص عائلات تواجه خطر الفقد، ليشعر المشاهد أن البيت ليس حجارة فحسب، بل تاريخ وهوية وامتداد وجود.
أداء تمثيلي يليق بالقضية
يبرز في العمل أداء الممثل القدير إسماعيل الدباغ، الذي يجيد تقمص أدواره بعمق لافت، متنقلا بين الانفعال الصامت والانفجار العاطفي بسلاسة تحسب له. حضوره يمنح الشخصية أبعادا نفسية مركبة، فيجعل المشاهد يتماهى مع صراعها الداخلي والخارجي.
كما تؤدي مايا أبو الحيات دورها بحضور متكامل ومقنع، فتملأ المساحة الدرامية بحساسية عالية وقدرة على تجسيد التوتر الإنساني بين الخوف والتمسك بالأمل. ويأتي أداء عدنان أبو أسنينة وبقية الطاقم ليؤكد أن الممثل الفلسطيني، رغم تواضع الإمكانات الإنتاجية، يمتلك أدوات احترافية قادرة على حمل أعمال ذات ثقل فكري ووطني.
المكان بوصفه بطلا
لا يمكن قراءة المسلسل دون التوقف عند المكان، الذي يتحول من خلفية صامتة إلى بطل حقيقي. أزقة البلدة القديمة، ولا سيما أزقة حارة السعدية، ومخبزها العتيق، ليست مجرد مواقع تصوير، بل فضاءات ذاكرة حية. الكاميرا تعانق الجدران الحجرية كما لو أنها تحفظ وصايا الأجداد، وتلتقط تفاصيل الحياة اليومية التي تجسد قيم التعاون والإيثار والانتماء والأخوّة.
المكان هنا ليس ديكورًا؛ إنه شهادة تاريخية. فكل حجر يروي حكاية صمود، وكل باب خشبي عتيق يحمل آثار أيد تعاقبت عليه عبر الأجيال. وبهذا المعنى، يصبح الدفاع عن البيت دفاعا عن المدينة بأسرها.
بين تواضع الإمكانات وثراء الرسالة
رغم محدودية الموارد الإنتاجية، ينجح "باب العمود" في إثبات أن القيمة الحقيقية للعمل الفني لا تقاس بحجم الميزانية، بل بصدق الرسالة وعمق المعالجة. إنه نموذج لدراما ملتزمة، تنطلق من وجع الناس الحقيقي، وتحاول أن تعيد تشكيله في صورة فنية قادرة على التأثير.
في المحصلة، لا يقدم الموسم الثالث من "باب العمود" مجرد قصة جديدة، بل يضع المشاهد أمام سؤال وجودي: ماذا يعني أن تفقد بيتك في مدينة تنتزع من أصحابها بالتدرج؟ وهل يمكن للوعي أن يكون خط الدفاع الأول قبل أن يغلق الباب الأخير؟
إنه عمل يذكرنا بأن معركة القدس ليست فقط في الشارع أو في أروقة المحاكم، بل أيضا في الكلمة والصورة والوعي الجمعي.
المتوكل طه
*
ما زلتُ في مقعدِ الطفلِ.
تشربُ من شَفتيَّ الفراشاتُ،
والغيمُ يمشي على نبضِ قلبي،
وإنّ النيازكَ نائمةٌ في دمي.
وإنّي أراني هنا أو هناك،
وجَمْعُ الرجال يحيطونَ بالكوكبِ المستديرِ،
أعني البُحيرةَ في القلبِ، من جلسةِ الساهرين،
أو كأسَ ماءٍ يَشبّ بِبَلُّورِهِ لِفَمي.
وفي الصَّدْر يملأُ شيخُ المكانِ الظلالَ،
الشبابيكَ، نارَ الوجاقِ، الأباريقَ،
حتى يفيضَ الكلامُ ويطفوَ كالماءِ،
على السُّلَّمِ المُعتِمِ..
فَيَأْسرُنا حيث شاء، ويُطْلِقنا إنْ أضاء،
ويسحبنا خلفَ ذاك الرداء،
ويهمسُ حتى يكون الخفاء،
وأحسبُ أنَّ أصابعَه قَبَضَتْ مِعصمي.
وما زلتُ أسمع كلَّ رواياته، مرّةً إثر أخرى..
وفي كل ليلٍ أرى القشعريرةَ قد وصلت أنجُمي.
.. وقال لنا في الليالي الحكايا؛
عن الزيرِ والملكِ السيفِ،
والذاتِ في حُسْنِها، والصعاليكِ،
عن تُبَّعٍ في الأنام،
وتغريبةٍ لا تنام،
وعن أشْوَسٍ لا يُضام،
وقِصَّةِ مملوكةٍ في الخيام،
وعاشقةٍ مثل بَدْرِ التّمام،
وقصَّةِ ذاك الإمام،
الذي قطعوا رأسَهُ إنّما ظَلَّ يمشي
على هَدْي شريانهِ في الظّلام،
وعن شهريارَ
وسَفْحِ القطوفِ وَحَدِّ الزؤام..
وعن راهبٍ في البعيدِ، أذابَ أناجيلَهُ لليمام،
وعن حامل الماءِ حين هوى في مناديل شُبّاكِها،
والغلامُ ذوى حسْرَةً..
يا غيومَ الشجون اذكري جُثةً في الغمام!
وقال لنا الحكواتي صحائِفَهُ كُلَّها،
مثلما شاءَ لها أن تكونَ؛
بالشِّعْرِ والقصِّ والجرْس والمدِّ والشَدِّ والوَقفِ والسَرْدِ..
أو مثلما عاشَ مع أهلِها..
ثمَ غاب.
إلى أينَ، يا أيُّها الحكواتي! الذي عَبَّأ الناسَ بالنار؟
جئتَ لنا بالرجال الرجال،
والحقِّ والعدلِ، والعشقِ والشهواتِ الثقالِ،
بالجانِ والسِّحرِ، والموتِ والبحرِ والخيلِ والبدرِ،
والماءِ والجمرِ، والرّجْفةِ الخوفِ والرُّمحِ والصَدْر،
وارتِعاشاتِ أشجار مَن ذهبوا في السؤال..
إلى أينَ يا أيها الحكواتي تروحُ، وتترُكُ مَقعَدك المُتعال؟
تعالَ!
فمن يجمعُ الأهلَ بعدَ التراويحِ،
منْ يصهرُ الثلجَ في مرجلِ الشمسِ،
إنْ رَهَجَتْ في الليالي الطوال؟
ومَنْ يجمعُ الطيرَ ثانيةً للنبيّ،
ويُطلِقهُ في نداءِ الجبال؟
ومَنْ يغسل القلبَ من طينه،
إنْ أتى ناعياً نبضَهُ في الرمال؟
ومَنْ يستعيد الموازين للناسِ،
إنْ ظَلمت كفُّ مَن فصلوا في المقال؟
ومَنْ ينشرُ السّلْمَ في كلّ بيتٍ،
ويفردُ في الأرضِ بردَ الظلال؟
تعالَ! فقد هَرقوا ما بهم،
واستعانوا بمَنْ سرقَ الحقلَ،
والحيُّ منشغلٌ بالقتال!
تعالَ، فمنْ يُشْعِلُ الحَربَ، بعد العشاء،
ويخْمِدُها كي تنامَ رماداً،
إذا جاء وقتُ السحور،
لكي لا يفورَ الحضورُ،
وتبقى عَجَاجَتها في الديار.
تعالَ، لتجلوَ هذي المرايا،
وتنعفَ في مَسْكبِ السامعينَ النَثار،
وتبقى المداركُ كارهةً للضلالاتِ،
والروحُ على عرشِها في الحصار.
تعالَ!
فلا طعمَ للسّحْلبِ الشّهدِ في جَمْعَةٍ السامر الدافئ المُستكين
بلا قِصَّةٍ تأخدُ الشمْسَ للدار، لا لونَ للسُّوس والتمْر والشاي
والزنجيل، بلا ساقِ تلكَ المليكةِ إنْ كَشَفتْ بَرْقها للنهار، ولا
ريحَ فوقَ شَهْدِ الخوان المُرَصّع بالعسل المُسْتطاب،
إذا انكسرَ اللحنُ في فضّةِ الانتظار.
إلى أينَ تمْضي، وتترُك هذا الزمانَ بلا قِصَّةٍ أو غِناء؟
لا بُدّ من حكواتيٍّ يجيءُ ليملأ هذا الفضاءَ،
ويَقسِمنا، إنْ أضاءت تفاصيلُهُ وجهَ مَن قتلوا بَعْضَهُم في العراءِ،
فتلقى وجُوهاً تناصِر "جَسّاسَ" في حَرْبهِ ضِدَّ من أثخَنَ القطعَ في الحَبْلِ..
أو تجدوا مَنْ يُظاهرُ "الزيرَ" في أخْذِ ثأر الأخوّةِ
- قد خاتلوا القائدَ الفذّ –
لا بُدَّ مِنْ دَمِهم، فإذا ما أُبيدوا وقد رَنَخَ الطينُ،
فالصُّلحُ رايتُنا نرْفعُها للسماء.
ولا بُدَّ من حكواتيٍّ يُعَلّمُنا الحُبَّ،
يَجمَعُنا بالوحوش الأليفةِ،
حتى يَظلَّ بنا الطفلُ طِفلاً،
وقد شَفَّ فينا الرُخامُ المُخَبَّأ،
أو نعتلي شَهْقة النَّحْلِ،
إنْ سالَ تِرياقُ تيجانِها في الرضابِ.
ولا بُدَّ من حكواتيٍّ يُعيد لنا كَرْمَنَا،
يستردّ الدوالي الثيابَ،
ويُرْجِعُ للرُمحِ لمْعَتَه في الضبابِ..
ويا أيُها الحكواتيّ!
إلى أيْنَ تمضي وتترُك هذا الزمانَ بلا صَفحَةٍ أو كِتاب؟
لماذا تقومُ، وتَترُكنا هكذا..في حضور الغياب؟!