غزة-أحمد صقر-يجبر بعض المواطنين الفلسطينيين من جرحى قطاع غزة على التعايش مع ألم دائم جراء اختراق رصاصات إسرائيلية أجسادهم واستقرارها، وذلك في ظل ضعف أو غياب الأجهزة والإمكانيات الطبية للتعامل المناسب مع تلك الأجسام الغريبة.
رصاصة في الكتف ..
خلال نومها في خيمتها مع عائلتها النازحة قرب شاطئ البحر بمدينة خان يونس جنوب القطاع، استيقظت الشابة الفلسطينية سهير صقر (27 عاماً) مفزوعة، وهي تتألم بشكل كبير جراء اختراق رصاصة إسرائيلية لرقبتها واستقرارها في كتفها الأيسر.
وذكرت صقر أنها توجهت فوراً إلى مستشفى جمعية الصليب الأحمر القريب لتلقي العلاج، لكن الأطباء الذين قرروا إخضاعها لعملية جراحية على الفور، وأكثر من مرة، أوضحوا لها أن "إزالة الرصاصة تمثل خطراً على حياتها لأنها كبيرة وقريبة جداً من الأعصاب، ومن المرجح أن تسبب إزالتها في الوقت الحالي مشكلة في الأعصاب، وقد يؤدي ذلك إلى شلل، ونصحوني بالتعايش مع الرصاصة".
وأضافت : "الرصاصة تتسبب لي بألم شديد مستمر، وأحياناً لا أستطيع تحريك يدي، ويحدث انتفاخ كبير في منطقة الإصابة، مما يضغط على الأعصاب، وأشعر حينها بوجع وثقل في رأسي ودوران، ولا أستطيع فعل أي شيء سوى أخذ مسكن للألم".
وأعربت الشابة عن أملها الكبير في أن تتمكن من تلقي العلاج المناسب في غزة أو السفر إلى الخارج من أجل إزالة هذه الرصاصة التي تعكر حياتها باستمرار، منوهةً بأنها التقت بشابة أخرى "أصيبت برصاصة، وأدى إخضاعها لعملية جراحية وإزالة الرصاصة من جسدها إلى إصابتها بالشلل".
أما الأم مروة شراب (أم محمد)، التي استشهدت ابنتها الحافظة للقرآن الكريم دعاء جراء شظية كبيرة أصابتها في رأسها بعد قصف جيش الاحتلال لمنزل أحد المواطنين بوسط خان يونس، فقد أُصيبت الأم أيضاً بعدد من الشظايا في جسدها قبل نحو سنة، وخضعت على إثرها لعملية جراحية استخرج الأطباء بعضها، لكنهم عجزوا عن التعامل مع شظايا أخرى اخترقت جسدها، وما زالت تبكي فراق ابنتها.
شظايا وألم مستمر ..
لم يتوقف ألم ومعاناة شراب عند فقدان من تحب، بل تواصل بسبب شظايا صاروخ إسرائيلي استقرت في المنطقة أسفل ظهرها. وأوضحت أن الأطباء في مستشفى غزة الأوروبي (قبل اقتحامه وتدميره من قبل جيش الاحتلال) "رفضوا استخراج الشظية المتبقية، وذكروا لنا أن الجسم قد يعمل على طرد هذا الجسم الغريب أو يتعايش معه، وتتكون حوله ألياف، ويبقى داخل الجسم".
وأضافت: "في بعض الأحيان يصيبني ألم شديد وتشنج، ولا أستطيع تحريك ظهري، ولا أدري هل هذا ناجم عن تلك الشظية أو شظايا أخرى لم تُكتشف بعد"، منوهةً بأنها تحاول التعايش معها ونسيانها، وتساءلت: "ماذا يمكن لي أن أفعل غير ذلك؟".
ونتيجة الألم والتشنج الذي يصيبها، ذهبت مجدداً أم محمد إلى مستشفى الكويت الذي يعمل بمنطقة مواصي خان يونس من أجل العلاج، وبعد معرفة الأطباء بحالتها، أكدوا لها أنهم لا يستطيعون فعل أي شيء إلا في حال تحركت الشظية إلى الخارج وظهرت.
ونبّهت شراب إلى أن زوجها، الذي أصيب في ذات القصف، استخرج منه الأطباء العديد من الشظايا، وعقب انتهاء فترة العلاج وخلال النزوح الأخير، شعر أثناء نومه بألم شديد في رأسه، فذهبت به إلى نقطة طبية قريبة، وبعد الفحص تبين أن هناك شظية في رأسه لم يكتشفها الأطباء سابقاً، وتمكن جسمه من طردها، ونجح الأطباء في استخراجها.
بدوره، أوضح الجراح عماد عابد أن "بعض الشظايا نقوم بإزالتها، وخاصة تلك التي تتواجد قرب شريان رئيس أو التي تتسبب بتهيج في العصب، والبعض نتركها، وذلك حسب المكان الذي تتواجد فيه ومدى خطورتها على المصاب".
ونوّه بأن "الجسم يقوم بالتكيف مع الشظايا التي تُترك في جسد المريض"، مبيناً أن "بعض الرصاصات التي تستقر في العضلات يمكن تركها، أما إذا كانت داخل المفصل فيجب إزالتها، وبالتالي فإن ترك أو إزالة الجسم الغريب يتم حسب مكان وجوده في جسم المريض" ، لافتا إلى أن "الرصاص أو الشظايا التي تخترق جسم الإنسان، إذا كان الضرر من إزالتها أكبر من بقائها، فلا يتم إزالتها".
وشرعت دولة الاحتلال الإسرائيلي في حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأسفرت الإبادة عن تدمير كامل للعديد من مدن القطاع. وركز جيش الاحتلال على استهداف القطاعات الحيوية، ومنها القطاع الصحي والبيئي والبنية التحتية الأساسية، وآبار وشبكات المياه المختلفة وشبكات الطرق، إضافة إلى تدمير القطاعين الاقتصادي والزراعي، والتدمير المتكرر لمنازل المواطنين. كما ساهم حصار القطاع الخانق في تدهور كافة مناحي الحياة وخروج العديد من القطاعات الحيوية عن الخدمة، ما تسبب بأزمات إنسانية حادة.
وخلال هذه الحرب ارتكب جيش الاحتلال آلاف المجازر بحق المواطنين، وارتفع عدد الشهداء إلى أكثر من 72,267، ونحو 171,976 مصاباً بجروح مختلفة، بحسب إحصائية صادرة عن وزارة الصحة، إضافة إلى وجود آلاف المفقودين تحت ركام المنازل المدمرة وفي سجون الاحتلال.
وبعد نحو عامين، تمكن الوسطاء من التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة والاحتلال، ودخل حيز التنفيذ بتاريخ 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، لكن الاحتلال ينتهك الاتفاق يومياً ويستهدف المواطنين في مختلف مناطق القطاع.