الكاتب : المتوكل طه
*
أحمد قعبور من أسماء المقاومة وفلسطين، بصوته الجامح الحاسم المقتحم الجَمْريّ، الموّار بالصعود والمدّ والثبات. كبرنا على إيقاعاته فكبرت فينا الغابات. وصدحت أغانيه في الساحات وعلى الحواجز وخلف القضبان، فكان النسغ النّاري الذي أحرق العتمة، وأيقظ الخيولَ الوحشيّة في أنهار الروح. وكانت أغانيه طيورا أسطورية تدفّ من الجنوب اللبناني، فتغطّي بأقوادمها التلال والسهول الفلسطينية، وتحطّ عند نقاط الاشتعال وعلى القباب.
أحمد قعبور ومارسيل خليفة والشيخ إمام، وحتى وقت قريب، كانوا تاريخنا المتعالي المتجاوز، الذي فرشَ ومهّد وأصّل المدارك، ودبّ الحرائق في العتمات.. وأعان القلب لأن يحتشد برمّانه الساخن، ويضيء في ليل القتلة قناديلّه العائدة.
*
قبل بضعة أعوام؛ تمّ تسميتي مع أحمد قعبور والروائي مروان عبد العال، لحصولنا على جائزة "الابداع المُقاوم"، فكانت أكثر من جائزة، إذ اقترنت بهذا الصوت المُشْرع كالنخلة السامقة. وعلى إثرها؛ جاءني طفلٌ لبناني أو فلسطيني، في المنام..لا أذكر تماما! لكن له ذات الوجه والملامح، وقال لي: لا تردموا البئر مرة أخرى! أرجوكم! ففي القاع خاتمي، وعلى طبعته نقشٌ يظهر صورتي مع الوَحشيْن.
وفي ذات معتقل؛ قيّدوا يديّ، فتسربت الكهرباء إليّ وهزتني، فصعقت أعصابي وحرقت رسغيّ وشعطت قلبي..ورجّتني حتى تلقلق عظمي بين لحمي، وسكبت ماء النار والفلفل في مفاصلي..ولم أثب إلا على إيقاع صوتك البحريّ الساطع.
..وماذا فعلت؟
كنت أغنّي وأدندن بصوت عالٍ، فساقوني لسرير الكهرباء..غير أن أغنيةً شمالية أنقذتني..وما زالت تملأني بالجلّنار.
اصرخْ يا أخي ب"نحنا الناس"! حتى يتزلزل الكون. ووجّه صراخك للدنيا، فهي كهف الخرافات الذي يمتصّ كلّ الرعود وتأوب إليها كل الأصداء. اصرخ "وأقول أفديكم" حتى يتشقّف صخر الجبال، ويتمزّع وجه الجرود، ويتطاير البحر قطعاً في كل مكان. اصرخ إلى أن تذوي كلّ الأصوات وتنوس ألسنة الخلائق وتخرس نداءات الإنفعال. اصرخ لتنفخت آذان المنصتين المُرجفين، وتنعقد ألسنة الحكّائين. اصرخ حتى يسمع سكان السماوات رجّة الصدى. واصرخ حتى لا يجوح أو يبكي أو ينادي من له فم وأشداق مجّانية. اصرخ فإن هذا العالم لا يرى ولا يتكلم ولا يسمع إلا ما يريد، فليسمع ما نريد.
يا مُغنّي القلعة المحكومة بالصمود والحنان والبساطة المنداحة والأمومة الحارسة للمواقد! نحن لا نتمتع بريحانة الفِراش القابل للتقلّب وتغيير الأثواب والأصوات. لأننا من فلذة الحجر وحمأة المصاطب. ولا أعلم الفرق بين امرأة موجة، وامرأة رملية، بقدر ما أحاول أن أثبت للطفلة أمّها، وللاُمّ طفلتها.
ويا أغنيتكَ السّارحة الجارحة الواضحة الجامحة بالأحلام وآلآم الحمل والولادة..
لن نطيق الشتاء الساخن دون أثافي الأمومة المتحوّلة. ولن يحلو الربيع دون طائرات الورق ومناغاة الحليب والخربشات الغامضة. فافتح جنةّ الدنيا لننسى جهنّم الحرب المجنونة، التي توزّع خرابها وشظاياها وأيتامها في كل الجغرافيات البائسة. وإذا أحسست بأنّ الحياة هي جهنم الدنيا، فاخشع وأنت في تقمّص الشهيد، واستذكار كربلاء الممتدة..وعندها سنفرّ كالحلم الأخير من الليل الباقي في الهزيع والقتاد. وها هي السماوات بغنائها معنا. أفلا تبصرون؟
إن يوما جنوبيا يترسّم أغنيتك كفيلٌ بخلق ألف أغنية عميقة خضراء، تُغطّي الأرض والسماء.
وقريبا، وعند بوابات البحر، سيرى الصدفُ رحيل الغرباء عن كهوفه البريئة، وسنعي دعوته لزيارتك الغائبة الممكنة، ورؤية بيوت الأطفال الرميلة، وزلزلة الموج واندياح جدرانها الرخوة. وربما..ربما، عندئذ، أحاول أن أكون عصرياً يليق بموسيقى تريدها منّي منذ زمن على لحنك البعيد.
أيها المُغنّي! الذي لم تفرش له أُمُّه مزودة العنكبوت، ولم تنصب له خيمة النزوح! بل تركته حتى يصل، دون دليل، إلى اللحن الساهي في الحروف المتّقدة!
ولا حدود للحارة أو الحيّ في بلدتك البسيطة، لكنّ جهاز الاتصال الذي اجتاحها، شوّش النهر، الذي يغذّي الأعذاق، لكنّ أسماكه ظلّت ملّونة، في القاع بين تجاويف الصخور الراسخة.
ولعلك أبصرتَ مشهد اللجوء!
فقراءٌ يَلتْحَفوُنَ الغيومَ، ويلفِعُونَ الأطفال بالضَّفاَئِر ويَحُبوّنَ الحياةَ، فتنشَّقُّ السماءُ وتشهقُ، لتباركَ سواعدهمُ المُطرّزةَ بالأعشاب والندى.
ويتصاعدُ الأرجوانُ يسربلُ اغصانَ البرق ويكسرُ الدُجى الثقيل. فتعشقُ غيمةٌ بكْر غيمةً تُشبهها، ليظلَّ الرعدُ إيقاع القوافل العائدة بالكُحْلِ والخواتم والحداء.
وعندما عاد أبوك مُرهقاً آخر ذلك النهار، وجدك نائماً..فقال: دَعوهُ يَحلم، فإنه سيُحيل السنينَ العجافَ إلى خوابٍ وندى، إتركوهُ في حَمْأة الشَمسِ يُؤَسّسُ نَشيدنَا القزحيَّ، وامشوا على خُطى أنبيائكم أيُّها اللاجئون..ودعوهُ يَحلم!
سيخرجُ من فُصولِ سِنيّكم ومراحل دوائركُم الرماديّةِ، ليمتطيَ صهوةَ الحجارة واللظى..ليرفضَّ من روحِ حلمهِ بركانُ الوضوح، ويغطّي صفيحكم بأرجوان سبحاته ومشاويره الدامية.
و..دعوه يحلم.
وبعد عقود قليلة؛ وجدوا أنفسهم..فَخرجَ الفتيانُ تحت المطر الشرس، يفتحون قمصانَهم، ويرفعون رؤوسَهم، كأنّهم يَعبّون الغيومَ، ويتنفسّون أقواسَ قزح، ويغتسلون بالسحاب، ويعودون، والبخارُ يتفشّى حولهم، وينضحُ من أبدانهم الفتيّة الساخنة. كان ذلك أيام الانطلاقة الفاتحة..كما كان ذلك أيام الانتفاضة العبقرية..
وأغنية أحمد قعبور تؤوّب في صدورهم.
ولهذا سيقولون: الحنّون المُضْمَر في الثوب المُسْدل على أكتاف الشجرة الأُمّ، بات معزوفة سماوية ترحب بالطيور، ويدعوها للحياة.
لقد لَبّت النداء، وامتلأت ب "أناديكم".
بيروت - واثق نيوز- غيب الموت اليوم الخميس، الفنان اللبناني أحمد قعبور عن عمر يناهز الـ70 عاما بعد صراع مع المرض، وهو أحد أبرز الأصوات التي كرست مسيرتها للدفاع عن القضايا الإنسانية والوطنية. فقد شكلت أغانيه أداة تعبير سياسي واجتماعي، وعكست هموم الناس.
وارتبط اسم قعبور بما يُعرف بـ"الأغنية الملتزمة"، حيث قدم أعمالا بارزة، في مقدمتها أغنية "أناديكم" عام 1975، التي تحولت إلى واحدة من أبرز الأناشيد المرتبطة بالقضية الفلسطينية. كما تناولت أعماله قضايا الفقر والعدالة والهوية والحرية.
وإلى جانب "أناديكم"، برزت له أغنيات عدة، منها "جنوبيون" و"نحنا الناس" و"يا رايح صوب بلادي" و"يا ستي".
ولم يقتصر حضوره على الغناء، إذ بدأ مسيرته الفنية ممثلا، وشارك في عدد من المسرحيات خلال السبعينيات والثمانينيات، من بينها مسرحية "شي فاشل" مع زياد الرحباني عام 1983.
كما ظهر في فيلم عن سيرة ناجي العلي إلى جانب نور الشريف عام 1991، وخاض تجربته السينمائية الدولية من خلال أدائه دور وديع حداد في الفيلم التاريخي "كارلوس"، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان كان السينمائي عام 2010.
وُلد أحمد قعبور في بيروت عام 1955، ونشأ في بيئة فنية، فوالده كان من أبرز عازفي الكمان في لبنان. وتخرج في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية عام 1978.
ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، انخرط في العمل الشعبي، وتزوّج من الفنانة التشكيلية إيمان بكداش، وأنجبا سعد ومروان.
ومع انطلاقة تلفزيون المستقبل، التي أسسها رئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري، أسهم في برامج موسيقية، مثل "لعيونك"، و"روح شوف مستقبلك"، بالتعاون مع فرقة "الطرابيش".
وقد أعرب عدد من السياسيين والشخصيات العامة عن حزنهم العميق ونعوه، مشيدين بإسهاماته الوطنية والفنية التي خلدت اسمه في ذاكرة اللبنانيين.
الكاتبة: مريم مشتاوي
في لحظات الخطر، حين يضيق الوقت، وتتسارع الأنفاس، ويصبح القرار أثقل من القدرة على احتماله، يكتشف الإنسان ما هو الأهم، الأهم ليس ما يملكه، إنما ما يحبّه.
في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث جاءت التحذيرات كظل ثقيل يسبق العاصفة، لم يكن المشهد مختلفاً عن مشاهد النزوح التي باتت مألوفة، حقائب تفتح على عجل، أبواب تغلق دون وداع، وذكريات تترك كأنها لم تكن!
غير أن حكاية واحدة، في زاوية من هذا المشهد، خرجت عن المألوف.
امرأة لبنانية عاشت أربعين عاماً في منزل واحد، جمعت فيه تفاصيل عمر كامل، صوت الصباح، رائحة القهوة، وزوايا تحفظها كما تحفظ ملامح وجهها. ومع ذلك، حين جاء وقت الرحيل، لم تأخذ شيئاً من كل ذلك.
لم تحمل أثاثاً، ولا مقتنيات، ولا حتى ما يمكن أن يختصر في حقيبة صغيرة. حملت قططها.
أربعون قطة، وربما أكثر، كانت بالنسبة لها أكثر من مجرد حيوانات أليفة، كانت عائلة. تقول ببساطة تختصر المشهد: هني عيلتي.
ما نتمسك به في لحظات الخطر، ليس بالضرورة ما يراه الآخرون مهماً إنما ما يمنحنا معنى الاستمرار.
يطرح هذا المشهد سؤالًا يتجاوز الحكاية نفسها، ما الذي يدفع إنساناً، في لحظة نجاة، إلى التمسك بما قد يبدو للآخرين عبئاً؟
الجواب، على الأرجح، يكمن في طبيعة الحب ذاته. الحب لا يخضع لحسابات المنطق، ولا يلتزم بما هو عملي أو ضروري، وفق المقاييس التقليدية. حين يكون حقيقياً، يصبح هو الضرورة الوحيدة.
في أزمنة النزوح، لا تختبر القيم بالشعارات، بل بالأفعال. هناك من ينجو بجسده فقط، وهناك من يحاول أن ينقذ ما تبقّى من روحه. وهذه المرأة، في قرارها، اختارت أن تنقذ روحها.
قصتها لا تختصر بحكاية قطط، إنما تمتد إلى معنى أعمق… معنى الانتماء، والعلاقة التي تتجاوز اللغة ولا تحتاج إلى تفسير. لم ترَ فيهم عبئاً.. رأت فيهم امتداداً لذاتها.
في عالم يزداد قسوة وبرودة، تأتي هذه الحكاية كنافذة إنسانية صغيرة، تذكّر بأن الرحمة لا تزال ممكنة، وأن الإنسان، رغم كل الظروف، قادر على أن يختار الحب.
قد تبدو القصة بسيطة، لكنها تحمل سؤالًا جوهرياً.. ماذا نحمل معنا حين نجبر على الرحيل؟ هل نحمل ما نملك، أم نحمل ما نحب؟
في الإجابة، يتحدد الكثير. هذه المرأة لم تحمل أشياءها. لقد حملت قلبها.. ومضت.
حين يعذّب طفل ماذا يبقى من العالم؟
في لحظات نادرة، لا تعود اللغة قادرة على أداء وظيفتها. تتراجع الكلمات، وتتبعثر الجمل، ويقف التعبير عاجزاً أمام مشهد يفوق الاحتمال. ليست كل المآسي قابلة للوصف، وبعضها يخرج من حدود اللغة إلى مساحة أشد قسوة، مساحة الصدمة الصافية.
ما يتداول من مشاهد لطفل رضيع في غزة، يقال إنه تعرّض للتعذيب أثناء التحقيق مع والده، ليس مجرد خبر عابر في شريط الأحداث المتسارعة. هو لحظة فاصلة، تختبر ما تبقّى من قدرة العالم على الإحساس.
الطفل، بطبيعته، خارج كل الحسابات. لا ينتمي إلى طرف، ولا يحمل موقفاً، ولا يفهم معنى الصراع. وجوده في أي سياق عنف، هو في حد ذاته انهيار للإنسانية بكل أشكالها، لكن ما تكشفه مثل هذه المشاهد، يتجاوز الفعل نفسه. إنه يكشف عن تحوّل أعمق، أكثر خطورة، تحوّل في قدرة البشر على الاعتياد!
الاعتياد على الألم، الاعتياد على رؤية الظلم، والمرور عليه، كما لو أنه تفصيل آخر في يوم مزدحم بالأخبار.
في غزة، لا تأتي الحرب كحدث طارئ، إنما كواقع يومي. تتسلل إلى تفاصيل الحياة، إلى البيوت، إلى الأجساد. لكنها حين تمس طفلًا، فإنها تتجاوز كل ما يمكن احتماله أو تفسيره. المشكلة ليست فقط في حجم الألم، إنما في عجز الطفل عن فهمه.
الألم، حين يقع على من لا يملك أدوات تفسيره، يتحول إلى شيء أكثر قسوة. لا يعود مجرد إحساس جسدي، بل صدمة وجودية، تترك أثرها في الذاكرة، حتى قبل أن تتشكل الذاكرة نفسها.
وفي مواجهة هذه الصور، لا يكفي الغضب العابر، ولا الحزن المؤقت. لأن الخطر الحقيقي يكمن في ما يلي ذلك، يكمن في العودة السريعة إلى الحياة اليومية، وكأن شيئاً لم يكن.
هذا الانفصال، بين ما نراه وما نعيشه، هو ما يسمح بتكرار المأساة.
ليست هذه الحادثة رقماً يضاف إلى قائمة طويلة من الانتهاكات، ولا خبراً يستهلك ثم ينسى. إنها اختبار مباشر لفكرة الإنسانية ذاتها. هل لا يزال هناك ما يمكن اعتباره خطاً أحمر؟
هل لا تزال هناك مساحة متفق عليها، يجمع فيها البشر على أن بعض الأفعال لا يمكن تبريرها، مهما كانت الظروف؟
في خضمّ النزاعات، غالباً ما تتداخل الروايات، وتتصارع التفسيرات. لكن هناك نقاطاً يجب أن تبقى خارج هذا الجدل. الطفل، في أي مكان، وتحت أي ظرف، يجب أن يكون خارج دائرة العنف.
حين يمسّ هذا المبدأ، لا يعود الحديث عن طرف أو آخر، إنما عن انهيار معيار أساسي، معيار الحماية.
وإذا سقط هذا المعيار، فإن ما يسقط معه ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل جزء من تعريفنا لأنفسنا كبشر.
قد لا تغيّر الكلمات ما حدث، ولا تستطيع إعادة ما فقد. لكنها تبقى محاولة للتمسّك بما تبقّى من المعنى. محاولة لرفض الاعتياد، وللتأكيد أن هناك ما يجب أن يبقى مرفوضاً، مهما تكرّر.
في النهاية، لا يقاس العالم فقط بما يحققه من تقدّم، إنما بما يحميه من هشاشة.
وحين يفشل في حماية طفل، فإن السؤال لا يكون عمّا حدث فحسب،
بل عمّا تبقّى.
*كاتبة لبنانيّة
القاهرة- واثق نيوز- فيما تعصف الغارات الدامية بغزة، تُثير نسخة درامية من الحرب عُرضت في وقت الذروة على التلفزيون المصري ويستمر عرضها على منصات أخرى، الجدل بشأن مشروعية تحويل المأساة إلى عمل خيالي.
صُوّر مسلسل “صحاب الأرض” الذي لا يزال متاحا على منصات البث، في استوديو صُمم الديكور فيه ليحاكي الوضع في القطاع الفلسطيني المدمر: مبانٍ مُحترقة، وخيام متهالكة، ومستشفيات مكتظة، وسط دويّ الطائرات المسيَّرة الذي لا ينقطع.
تفيد المعلومات أن المسلسل الذي عُرض خلال شهر رمضان، لم تتابعه سوى نسبة ضئيلة من الفلسطينيين المقيمين في مصر.
أما أولئك الذين يعيشون بين الأنقاض داخل القطاع المحاصر، على الجانب الآخر من الحدود، فيرون أن تجسيد المأساة التي يعيشونها على الشاشة له وقع قاسٍ عليهم.
يقول ياسر النجار النازح في مدينة رفح الحدودية إن “مشاهدة ممثل يبكي على جثة بلاستيكية غير حقيقية وأنا دفنتُ أختي قبل فترة (غير بعيدة) أمرٌ لا يُطاق”.
شاهد هذا الشاب الفلسطيني وهو في العشرينات من عمره، حلقة واحدة فقط من أصل خمس عشرة حلقة من المسلسل الذي تدور أحداثه حول طبيبة مصرية تُدعى سارة تؤدي دورها منة شلبي، وأب فلسطيني انفصل عن عائلته يُدعى ناصر يؤدي دوره إياد نصار.
تقول بيسان سيف، البالغة 30 عاما، وهي أمٌّ نزحت أكثر من عشر مرات داخل القطاع الذي مزقته الحرب لأكثر من عامين، “عندما تعيشين تجربة مرعبة كهذه، لن ترغبي في مشاهدتها على التلفزيون حتى لو كان الأمر مجرد تمثيل. مضت سنتان ونحن ما زلنا نحاول أن نلملم ما بقي لنا ونستعيد حياتنا كما كانت من قبل”.
أما حاتم أبو عرمانة، عضو اللجنة الوطنية الفلسطينية لكرة القدم للمصابين ببتر الأطراف، والذي شاهد عدة حلقات مع عائلته، فيقول “هذا المسلسل ليس لنا… صوت الانفجارات ورائحة الحرب محفورةٌ في صدورنا. لكن العالم بحاجةٍ إلى أن يرى ما حل بنا وما مررنا به”.
في غزة، حيث استشهد أكثر من 72 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، وثّق الصحافيون والسكان الحرب مباشرة.
ويقول الممثل الأردني إياد نصار إن المسلسل يهدف إلى إظهار البُعد الإنساني وراء عناوين الأخبار، في حديثه خلال برنامج “إنترتينمنت تونايت” الأمريكي.
“قبل أن تجف الدماء”
المسلسل من إنتاج شركة يونايتد ميديا سيرفيس، وهي مجموعة شركات على صلة بالأمن المصري، ومن إخراج المصري بيتر ميمي مُخرج المواسم الثلاثة من مسلسل “الاختيار” الذي مجّد دور الرئيس عبد الفتاح السيسي في الإطاحة بالنظام الإسلامي عام 2013.
ويبدو أن عمله الأخير مُصمّم لخدمة الأجندة السياسية الرسمية.
وُجهت انتقادات لمصر، أول دولة عربية وقعت اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1979، لتقاعسها عن اتخاذ أي إجراء حيال منع دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة والذي أشعل شرارة احتجاجات عالمية.
لكن مسلسل “صحاب الأرض” يُلقي باللوم كاملا على إسرائيل في إغلاق معبر رفح الحدودي بين مصر وغزة.
وانتقدت إيلا واوية، المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي باللغة العربية، المسلسل الذي قالت إنه “غسيل عقول” و”تزييف للحقائق”.
أما مشهد سائق شاحنة المساعدات المصرية في المسلسل وهو يُوجه إهانات مبطنة للإسرائيليين عبر الضغط على منبه سيارته، فقد فُسِّر على مواقع التواصل الاجتماعي على أنه رمز لعجز التضامن العربي.
يُبث المسلسل على التلفزيون وعبر منصات البث، وسط شعور متزايد بالإحباط في العالم العربي حيث لم يعد التضامن سوى مجرد لفتة رمزية عاجزة عن وقف القتل، على الرغم من عقود من دعم القضية الفلسطينية.
كما أثار الإعلان الترويجي للمسلسل جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، وانتقد أحد المستخدمين على منصة إكس “تحويل إبادة جماعية مستمرة إلى مادة ترفيهية قبل أن تجفّ الدماء”.
وكتب آخر “المعاناة تُعرض على التلفزيون على مدار الساعة، فلا حاجة لمسلسل”.
منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وحتى تشرين الأول/ أكتوبر 2025، استشهد ما لا يقل عن 677 فلسطينيا جراء القصف والغارات الجوية الإسرائيلية، وفق وزارة الصحة في غزة التي تديرها “حماس”، وتعتبر الأمم المتحدة أرقامها موثوقة.
(أ ف ب)
رام الله - واثق نيوز- أطلق الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين، بالشراكة مع التجمّع الدولي لاتحادات الكتّاب، وحركة الشعر العالمية، واتحاد كتّاب عموم أفريقيا، جائزة فلسطين الدولية للشعر، انحيازًا للحقيقة الفلسطينية في مواجهة الرواية الصهيونية المحرّفة، ونفاذًا للحلم الفلسطيني بالاستقلال وإقامة الدولة المستقلة.
وتقرّر أن تكون الجائزة سنوية، على أن تحمل في كل عام اسم شاعر قدّم لفلسطين وشعبها، وسيتم تشكيل مجلس أمناء للجائزة من كبار المبدعين في العالم، ويُعدّ رئيس مجلس الأمناء رئيسًا للجائزة، وسيضمّ المجلس شخصيات مرموقة ووازنة تحظى باحترام وتقدير الأوساط الثقافية. وستنقسم الجائزة إلى ثلاث فئات، يتم الإعلان عنها وتسليمها في فعالية مخصّصة، وفي بلد يحدده مجلس الأمناء.
وتُعدّ جائزة فلسطين الدولية للشعر الجائزة الوحيدة التي تنطلق من فلسطين إلى العالم، كما تُعدّ منبرًا من الأراضي المقدسة لكل شعراء العالم، وتسعى إلى تنشيط الشعراء الكونيين، والعمل على ترجمة الأعمال الفائزة لتحقيق التواصل الإبداعي العالمي مع فلسطين الثقافة.
وتهدف الجائزة إلى تعزيز الحضور الثقافي الفلسطيني في المشهد العالمي، وتعميق عملية التعريف بسؤال الهوية والمصير الفلسطيني، وتحقيق الحوار والتواصل بين شعراء فلسطين والعالم، وإلى تحقيق معادلة تحفيز الشعراء على الكتابة والمثابرة انتصارًا للقضية الفلسطينية، وتظهير القيم الروحية التي شعّت بها فلسطين في العالم، وتشجيع الشعراء، وخاصة الشباب منهم، على مزيد من التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته، وتكريمهم على ما قدّموه من إبداع محوره فلسطين.
وقد أطلق الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين في عام 2026 النسخة الأولى من الجائزة تحت عنوان "شهداء غزة الشعراء"، بعد موجة التضامن العالمي الكاسح مع الدم الفلسطيني في ظل الإبادة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية.
وحسب القائمين على الجائزة، يُشترط أن يكون العمل المقدم غير حاصل على جائزة، وأن يكون منشوراً وصادرًا عن دار نشر مؤهلة خلال السنوات الثلاث الأخيرة (2024. 2025. 2026)، وأن يتعهّد المتقدّم بالعمل بعدم مشاركة عمله في أي جائزة أخرى، وأن يقرّ بمسؤوليته عن وجود أية مخالفات تتعلق بالملكية الفكرية، واحترام قرار لجنة التحكيم للجائزة. كما يجب على المشارك تعبئة استمارة المشاركة عبر الموقع الرسمي للجائزة، مرفقًا سيرته الذاتية مع ثلاث صور شخصية.
وقد أُقرّت القيمة المادية لجائزة فلسطين الدولية للشعر بمبلغ 4000 دولار أميركي، كما أُقرّت جائزة فلسطين الدولية للترجمة، ويُشترط أن تعنى بترجمة الشعر الفلسطيني إلى لغات أخرى، وقيمتها 3000 دولار أميركي، إضافة إلى جائزة فلسطين الدولية لدراسة أو نشر الشعر الفلسطيني، وتُمنح لناقد أو باحث أو ناشر أو مؤسسة، وقيمتها 3000 دولار أميركي.
وقال الأمين العام للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين مراد السوداني: "نشكر الرئيس محمود عباس على دعمه لهذه الجائزة والتي تأتي بالشراكة مع ثلاث مؤسسات دولية كبرى داعمة للقضية الفلسطينية وثقافتها المقاومة، انتصاراً للأدب الفلسطيني والشعرية الفلسطينية وانحيازاً ودعماً لفلسطين وثقافتها التي تتعرض للاستلاب".
بدوره، قال رئيس التجمع الدولي لاتحادات الكتاب، الكاتب الروسي يوري كونوبليانيكوف: "فلسطين اليوم رمز حيّ ودائم للأرض، وهي الرابط الروحي بين شعوب الأرض. ونحن نتضامن معها، ونؤمن بقوة وحق الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل حريته وإقامة دولته كاملة السيادة".
من جهته، قال رئيس حركة الشعر العالمية، مدير مهرجان ميدلين الدولي للشعر، الشاعر الكولومبي فيرناندو ريندون: "إنه لشرف عظيم أن ندعم دون قيد أو شرط الدعوة إلى جائزة الشعر العالمية لفلسطين. نحن ملتزمون بنشرها وتعميم هذا النداء بين شعراء العالم الذين يحملون شعراء في قلوبهم غز وفلسطين، ويتمنون لهذا الشعب الحبيب نور الحرية".
الكاتب : المتوكل طه
أنا من الجيل أو كوكبة المبدعين، الذين ولدوا في فلسطين المحتلة، وتفتّح وعيهم الاجتماعي والسياسي والفكري مع نهايات السبعينيات من القرن الفائت، وشكّلوا ظاهرة مميزة لم يكلّف أحدٌ نفسه بالبحث في نتاجها أو في نبش تضاعيفها، فقد تكونت - لسببٍ ما - رؤية نمطية أو تقييم مسبق عن ذلك الجيل وعن إنتاجه، أقل ما قيل فيه: إنه نتاج خطابي ومباشر ومنبري ومتشنّج وغير فني، وإنه متحامِل ومُنحاز وعاطفي وليس فيه جماليات تدرس أو أساليب تُسْتساغ.
وهكذا شُطبنا، نحن المبدعين من الضفة والقطاع، من قائمة المبدعين الفلسطينيين الذين أضافوا إلى الأدب الفلسطيني شيئاً، وتمّ تجاوزهم تحت مسمّيات عديدة، وبالتالي فقد حُرموا من النشر أو إعادة النشر، وحرموا من الدراسة والنقد، وحرموا من الأضواء، ولم تقترب منهم روافع الأدب أو السياسة أو النجومية، وهكذا كان عليهم أن يناموا في الظلام، وأن يتطوّروا بصمت وعناد، وأن يبنوا أنفسهم بأنفسهم وإيمانهم بقضيتهم الجمالية والموضوعية..حتى نهاية الألفية المنصرمة!
كان على هؤلاء المبدعين أن يكتبوا وهم يعرفون أنهم غير منتشرين، وأنهم وحيدون تماماً، وأن تواصلهم مع غيرهم يكاد يكون مقطوعاً، وأن إنتاجهم يجد طريقه في بعض الأحيان إلى المنابر بسبب الخصوصية الفلسطينية أو بسبب الخصوصية الجغرافية، وكأن نتاجهم لا يتميز بغير ذلك، أو أن هذا النتاج لا يحمل إلا بسبب ذلك.
إن ذلك الصمت والتجاهل دفع بالبعض من هؤلاء المبدعين إلى التواري أو الجفاف أو الموت أو الغياب، سكوتاً أو هجرة أو كسراً للقلم وحرقاً للورق.
إن الاحتلال لا يجفّف الإبداع، ولا يدفع الناس إلى الموت، بل على العكس من ذلك، الاحتلال يدفع إلى التعلّق بالحياة، ويدفع إلى إثبات الذات، ويدفع إلى التحدي، وربما كان هذا هو السرّ وراء الإبداع في الأرض المحتلة، أو أن هذا هو الإكسير السحري الذي كان يدفع المبدعين الفلسطينيين إلى التنظيم والاجتماع وتكوين الفِرق المسرحية أو التشكيلية أو الأدبية، وهذا الذي كان يدفعهم إلى تنظيم المهرجانات واللقاءات في المدن والقرى والمخيمات لقراءة القصص وإلقاء الأشعار .
التعلّق بالحياة وإثبات الذات وروح التحدي هي التي كانت تكمن وراء ذلك الكمّ الكبير من النتاج الأدبي والفني في الضفة والقطاع، كان ذلك أشبه ما يكون بكتابة وضرورة خلق، بمعنى ضرورة الوجود وضرورة الكينونة وضرورة التعريف بالذات وضرورة خلق المسافة التي تجعلنا غير محتلّين.
كتابة الضرورة هي كتابة التقشف والمكاشفة والصراحة والوضوح وربما الصراخ.
كتابة الضرورة هي كتابة الاختزال وعدم الفذلكة وعدم الترف.
كتابة الضرورة هي كتابة الجذور والاحتماء بالمرجعية العليا.
كتابة الضرورة هي الرد على الحصار والانقطاع والتغييب والتقتيل والإلغاء.
ولا يمكن لأحد أن يتجاوز لحظته الزمنية - ونحن هنا لا نتكلم عن عباقرة - نحن نتكلّم عن مبدعين راكموا نتاجاً فنياً في لحظة زمنية معينة، ولهذا؛ فإن سنوات السبعينيات والثمانينيات سنوات عجاف بكل معنى الكلمة، سنوات كان فيها الاحتلال في أوج ذكائه ودهائه وجموحه وقدرته على التعامل مع الجماهير، وكان فيها الاحتلال احتلالاً مراوغاً قادراً على امتصاص الغضب، وقادراً على تقديم الحلول الجزئية التي تبدو من الخارج حلولاً كافية أو مناسبة أو لنقل: إنها كانت تلقى قبولاً ولو سلبياً..إلى أن انفجرت الانتفاضة الأولى بعبقرية لافتة.
ولم يكن الاحتلال وحده هو الذي يلعب في الساحة، كانت هناك قوى عربية وأخرى محلية قادرة على تجميل معادلات الاحتلال وجعلها أكثر من برّاقة. وربما يفسر هذا عدم انفجار الثورات الكبيرة في تلك السنوات، وربما كان ذلك يفسر عدم نجاح ما يسمى في حينه "الحرب الشعبية"، واستطاع الاحتلال لذلك أن يحاصر كلّ شيء، وأول ما حاصر المناضل الثوري، مروراً بحصار الاقتصاد والثقافة وتطور المجتمع الفلسطيني نفسه.
إذن، تحرّك المبدع في تلك السنوات في ظل هامش ضيّق من كلّ شيء، الفقر المعرفي، وغياب المنابر الصحافية أو الحزبية العلنية، وغياب المؤسسات التعليمية، وغياب المجتمع الذي يشجع المبدع عن طريق الجائزة أو التفرغ أو النجومية، وغياب الظرف الدافع المحرض على الاستمرار، فالكتابة في نهاية الأمر مثلها مثل كل عمل تحتاج إلى تغذية راجعة.
كان المبدع في تلك السنوات يمارس إبداعه حتى لا يصاب بالجنون فقط، فالمجتمع حوله لا يكاد ينتبه إليه، وخاصة إذا علمنا أن سنوات السبعينيات والثمانينيات تميزت بتدمير الاقتصاد الفلسطيني وانحسار المساحات الخضراء وتدمير الزراعة وتحول أكثر من (85) في المائة من الشعب الفلسطيني إلى عمال في مصانع "إسرائيل" ومزارعها، وهذا يعني انخفاض الاهتمام بالثقافة بجميع أشكالها، وانخفاض مستوى الاهتمامات الفنية والفكرية.
الفن والاهتمام به تعبير عن رغبة اجتماعية أيضاً، الفن في نهاية الأمر سلوك اجتماعي ناتج أو مؤَسّس على قيمة اجتماعية، والمجتمع العمالي الذي أجبر على أن يتشوّه بهذا الشكل سيكون أقل اهتماماً بنتاج نخبوي مثل الأدب.
ولهذا كان على المبدع أن يكون مباشراً واضحاً لا يستطيع أن يتجمّل ولا يستطيع أن يتأنق، كان عليه أن يتقدم إلى جماهيره بلغة سهلة واضحة يضع فيها كل استخلاصاته وكل هواجسه وكل آماله.
هذا من جهةٍ، ومن جهة أُخرى، كان الاحتلال بالمرصاد، حصاراً للمثقف وحصاراً للكتاب وحصاراً للنشاط الثقافي وحصاراً للمؤسسة الثقافية، وكان الاحتلال برقابته العسكرية والمخابراتية صاحياً ويقظاً لكل ما من شأنه أن ينير أو يحرض أو يكشف سوأته القبيحة.
في مثل تلك الأجواء القاحلة الجديبة، ظهرت كوكبة من الكتاب والشعراء والفنانين الذين حاولوا أن يقولوا في وقت لا يكاد فيه للقول، ولا يكاد فيه للثقافة، ولا يكاد فيه للجدل والنقاش والحوار، ولا يكاد فيه لاصطراع المذاهب والتيارات النقدية والجمالية والأسلوبية أي مكان.
كانت السياسة بمعناها النضالي والفصائلي هي الطاغية، إنْ سرّاً وإنْ علناً، وكانت المنافسات المالية والعشائرية هي الطاغية المسيطرة، ومن المفارقة العجيبة أن تكون سنوات السبعينيات والثمانينيات هي السنوات الأكثر نموّاً وتطوراً ودخْلاً مرتفعاً للمواطن الفلسطيني ضمن سياسة احتلالية تقوم على تحسين الحياة الاقتصادية مقابل الابتعاد عن الاهتمام بالسياسة بشكليها الثقافي والسياسي.
تلك الكوكبة من المبدعين واجهت ذلك كله بنتاج أدبي تراوح بين الغضب والأمل، وبين خيبة الأمل والنضال الأبدي، وكان عليها أن تواجه اليومي المعيش على حرقته وأن تتأمل الإستراتيجي على بعده، وكان عليها أن توازن ما بين اللحظة المعيشة والمستقبل الغائب. ولهذا تراوح النص، أيضاً، ما بين الصراحة الموجعة والمواربة الغامضة، وما بين آهة الألم وحشرجة اليأس.
المراوحة ما بين الاجتماعي والسياسي في أدب تلك السنوات كان يتم بمعزل عمّا يجري في الساحات العربية أو في مدن الثقافة العربية، حيث كان اليسار مسيطراً من جهة واليمين الذي يدعي الإسلام أو المحافظة مسيطراً من جهة أُخرى، أما في الأرض المحتلة، فقد كان الحوار يجري في وادٍ آخر، وله أولويات أُخرى تماماً، حتى الكُتّاب اليساريون كان عليهم أن يستعملوا لغة مختلفة، أو أن يضعوا لأنفسهم أولويات أُخرى حتى ولو كانت تلك على غير ما يحبّون.
كانت مواجهة المجتمع في تلك السنوات صعبة جداً- وربما لنفسها أن تنكشف أو أن تنفضح- ولهذا غابت الأعمال الأدبية التي توجه إصبع الاتهام إلى المجتمع، ومال المبدع إلى تقديس جماعته أو مجتمعه، لأسباب نضالية أو لأسباب اجتماعية. وهكذا غاب العامل الاجتماعي أو تفاصيل الحياة اليومية من النص الأدبي، وصار الهجوم على الاحتلال موحداً وجامعاً وملخصاً لكل الخلافات أو التناقضات. وفي هذا الشأن يمكن أن يقال الكثير، إذ إن المبدع – ولاقتناع ذاتي أكيد – يعتقد أنّ المحتل سبب كل المشاكل، التخلّف والعشائرية والعمالة والخيانة والتبعية. يضاف إلى ذلك أن الهجوم على المحتل لا يُكلّف كما تكلف مواجهة الجماعة، فالسجن أرحم من النبذ، والاعتقال أرحم من الرفض.
ولكن الكتابة ضد الاحتلال كانت ضرورة أيضاً، ففي زمن الحروب والاحتلالات، تكتسب الجماعة ميزات مقدّسة، ويسبغ عليها ما فيها وما ليس فيها، ويتم استنهاض الروح الجماعية والإرث المقدس للجماعة حتى تكون على مستوى التحدي، وتعود العيوب والنواقص فيها إلى نتائج الاحتلال وليس بسبب فطرة أصلية.
ومن هنا، كانت الكتابة ضد الاحتلال أكثر قدسية وأكثر طهارة وأكثر قبولاً وأكثر شرعية من الكتابة عن المجتمع. إن الكاتب الذي ينتقد مجتمعه يتحول إلى "كاشف" لأسرار جماعته زمن الاحتلال. ولكن غياب الاجتماعي في النص وحضور السياسي يجعله أكثر وضوحاً وصراحة ومكاشفة. إن الكتابة عن الاجتماعي سيضطر المبدع إلى أن يكون متردداً غير واثق، يوازن بين وجهات النظر، أكثر عمقاً وأكثر شمولية وإحاطة وأكثر حساسية، لكن هذا لم يوجد في الأدب الفلسطيني في الأرض المحتلة لفترة طويلة.
كان كتاب وشعراء السبعينيات والثمانينيات ومطلع التسعينيات يعيشون عصر الاحتلال الذي بدأ وكأنه لا احتلال، وكان على النص الأدبي أن يصارح الناس بأهوال ورعب المحتل الناعم الذي يقدم رواتب عالية، ويقضم الأرض بوتيرة عالية، أيضاً.
كان هؤلاء الكُتّاب مضطرين إلى الشعارات القريبة والرموز الحيّة والصور التي تحمل شحنة عاطفية عالية.
كان كلامهم يشبه حياتهم، وكانت نصوصهم تشبه مدنهم وقراهم التي تتحول إلى "بركسات" عمال، وحقولهم التي تتحول إلى حقول أشواك، وبيوتهم التي تهدم وتبنى على شكل مربعات دون جماليات ودون تفاصيل، وأيامهم التي تخلو من المسارح والنشاطات الثقافية والفضاء الكافي. كانت نصوصهم فقيرة من المغامرة، ودون مكافآت ودون تشجيع، ودون نقد أو تشريح، كانت تلك النصوص تكتب أشبه بالمنشور السري الذي يريد أن يقول كل شيء بسرعة وبوضوح وبكثير من الصدقية العالية الحارة.
تلك كانت نصوص أُولئك الكوكبة من المبدعين الأوائل الذين راكموا تلك النصوص التي قيل فيها إنها خطابيّة ومتشنّجة وتخلُو من الجماليات. هل نبرر لهم؟ لا، إنّما نحن نقوم بمحاولة أولية لفهم ذلك الأدب الذي شُطب من خارطة الإبداع الفلسطيني بهدف أو دون هدف، بقصد أو دون قصد، ولكن هل هذه هي الصورة كاملة!
أعتقد أننا نظلم هؤلاء بهذا الغرض، فهؤلاء المبدعون لم يكونوا على درجة واحدة من العطاء ومن المستوى، فعلى الرغم من الإهمال الطويل وحتى النسيان الكامل، فقد أصر هؤلاء على التواجد والحياة والاستمرار، وأصروا على أن يكتبوا بمداد الحبر ومداد الدم والعرق. إن معظم هؤلاء دخل السجن الإسرائيلي، ما يدل على أن كتابتهم كانت جزءاً من حياتهم اليومية وسلوكهم المعتاد، ما يعطي تلك النصوص ميزة لا تكاد تكون موجودة عند غيرهم من الكُتاب والشعراء العرب، فقصائدهم "المسطّحة" ورواياتهم "الضعيفة" كانت تصور جزءاً من نشاطاتهم العلنية أو السرية. إن إصرار هؤلاء على التواجد والاستمرار، دفع بمنظمة التحرير الفلسطينية إلى أن تتنبه إلى المضامين الثورية والكفاحية للتنظيمات الاجتماعية والنخب الفكرية، وفي خطوة متأخرة جداً، تم تشكيل اتحاد الكتاب والأدباء، وتم دعم بعض المجلات والصحف لتنطق باسم هؤلاء، وكان أن ولد اتحاد الكتاب الفلسطينيين بعد مخاض عسير ومناقشات كثيرة وخلافات فصائلية ضيقة، وكان أن ولدت مجلة "البيادر الأدبي" و "الفجر الأدبي" والصفحات الثقافية للجرائد، حيث احتضنت الأصوات والتجارب والرؤى، وحيث أصبح من الممكن التأريخ والتوثيق لذلك النتاج الذي يوصف عادة بالتسطيح، وهي تهمة صارت تعني أكثر مما توحي به الكلمة جمالياً أو تذوقياً. فهذا التسطيح كان حفاظاً على الروح المقاتلة، وهذا التسطيح كان ضرورياً لتأكيد الهوية، وهذا التسطيح كان مؤلماً للاحتلال، أيضاً.
ولأننا لا نوافق على هذا التعبير ونعتبر أنه مقصود لشطب مرحلة من مراحل الإبداع في هذه الأرض، فإننا نقول: إن النصوص التي ظهرت في تلك السنوات إنّما كانت نصوصاً مكتملة الشروط في زمانها ومكانها، وكانت ضرورة نضالية وجمالية وحياتية في آن معاً.
بيروت/ القدس - واثق نيوز- حرص الفنان اللبناني الكبير مارسيل خليفة في عيد الأم على نشر فيديو من الوثائقي الصوتي، الذي يناجي فيه والدته بصوته الرقيق المكسور المليء بالإحساس، متحدثاً عن حالة فَقد وحنين عميق هو الذي غنّى «أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي وتكبر فيّ الطفولة على صدر يوم وأعشق عمري لأني إذا متّ أخجل من دمع أمي».
وفيما ورد في الوثائقي الصوتي جاءت كلماته على الشكل الآتي: «ماتِت إمّي وما كنت أعرف إن الإم بتقدر تموت… وتروح وحدها على تراب الورد.. ما كنت صدّق بالبداية إنها مش رح ترجع.. وما كنت سلّم بفكرة إني مش رح شوفها ولا رح اسمع ضحكتها مرة أخرى… كانت تضفي علينا الحماس والفرح والحب، بما لا يتناسب مع آلامها… امرأة ضلّت تضحك وتتبسّم حتى الرمق الأخير». وقد لقي منشور خليفة تفاعلاً كبيراً من قبل المتابعين. وعلّق علي الحموي قائلاً «الأم التي حملت وربّت مارسيل بالحب والابتسامة ودموع العيون، ربّت جيلاً كاملاً يصدح بالحرية والغضب والحنين إلى قهوة أمي وخبز أمي. الله يرحمها ويرحم وينزل السكينة على روح كل أم بيناتنا أو مغمضة عيونها عم تصلي لنكون بخير وسلامة». وأضاف «شكراً من القلب مارسيل ملأت قلبي غبطة وعيوني دموعاً اشتقت إليها».
وكتبت إيلينا إشراق «الأم تغمض عينينا، وقلبها وروحها يعيش داخلنا، رحمة الله على كل أم على قيد حب الامومة».
أما محمود شقير فكتب «الأم لا تموت ما دام أحد أبنائها يتنفس. تختفي لحين، من الألم والمرض، لتسهر على صحة الأبناء. السلام لروح هذه الأم التي قلّ نظيرها وتميزت بأنها كانت الأم التي أنجبت مرسيل خليفة الظاهرة الفنية السياسية، الذي شكّل حالة وطنية بعوده وأغانيه التي حرّكت القلوب والعقول وتسللت إلى عمق المشاعر بمحبة وعنفوان وأعطت الأغنية موقعاً نضالياً متقدماً.
وكان الفنان مارسيل خليفة قال في إحدى مقابلاته الاعلامية «أمي ماتت في عمر 39 سنة ولم تسمع أي مقطوعة أو أي نوتة»،
وأضاف «أنا كنت في البيت صغيراً وألعب على الطاولة بأصابعي ودربك على الطناجر والصحون، أمي اكتشفت وقالت لوالدي هذا الولد موهوب يجب أن نشتري له آلة موسيقية. لو لم تقل ذلك لوالدي ماذا كنت سأفعل؟ يمكن أن أكون مهندساً أو طبيباً. أحضروا لي آلة موسيقية وهي العود لأن ثمنه كان رخيصاً، وفي اليوم التالي أخذتني أمي إلى شخص عندنا في القرية يعرف بعض الأناشيد ويعزف بعض السماعيات واللونجات والبـــــشاري، علّمني ثلاثة أشهر ما يعرفه، ثم استدعى أهلي وقال لهم لم يعد بإمكاني تعليمه وعليه إكمال علمه، فسألته أمي أين؟ فأجاب يجب أن يـــــنزل إلى المعهد الموسيقي في بيروت، وأنا أسكن في عمشيت، وبين عمشيت وبيروت 40 كلم وأصرّت على أن تأخذني إلى بيروت. وكنت أذهب 4 مرات كل أسبوع وتوفيت أمي في عمر 39 سنـــة ولم تسمع أي مقطوعة».
الجمال يُنظر إليه من منظور مادي اجتماعي وليس مجرد شعور شخصي أو تجريدي. بمعنى آخر، الجمال مرتبط بالعلاقات الاجتماعية، والظروف التاريخية، والطبقات الاجتماعية، وليس شيئًا مطلقًا أو منفصلًا عن الواقع المادي. يمكن تلخيصه بالنقاط التالية:
▪︎الجمال كنتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية
وفقًا لماركس واتباعه، الإنتاج الفني والثقافي يتأثر بالبنية الاقتصادية للمجتمع.
ما يعتبر جميلًا في مجتمع معين غالبًا يعكس قيم هذا المجتمع، وأهدافه، وطبقته الحاكمة.
على سبيل المثال، فنون عصر الباروك أو عصر النهضة تعكس مصالح الطبقات المسيطرة، بينما الفنون الشعبية تعبّر عن حياة الطبقات الكادحة.
▪︎الجمال والوعي الطبقي ..
الفن والجمال ليسا مجرد متعة حسية، بل وسيلة لتشكيل وعي الناس:
الجمال يمكن أن يُستخدم لإظهار الظلم الاجتماعي أو تعزيز المثل العليا للطبقة العاملة.
من هنا يرى الماركسيون أن الفن الجيد هو ذلك الذي يربط بين الجمال والرسالة الاجتماعية الثورية.
▪︎الجمال كتعبير عن الممارسة البشرية
الماركسية ترى أن الجمال ليس مجرد تصور ذهني، بل هو نتاج عمل الإنسان في الواقع المادي:
الفن الجمالي يتشكل عبر التفاعل مع الطبيعة والمجتمع، ويعكس جهود الإنسان في تغيير العالم.
بهذا المعنى، الجمال مرتبط بالإبداع العملي والقدرة على تحويل الواقع بما يتوافق مع قيم الإنسان واحتياجاته.
▪︎نقد الجمال البرجوازي
الفلاسفة الماركسيون مثل لوكاش وألتوسر انتقدوا مفهوم الجمال الذي يقدمه الفن البرجوازي:
يرونه مفصولًا عن الواقع الاجتماعي، ويقدّم الجمال كـ"تسلية" أو "ترف" لا يخدم قضايا الطبقة العاملة.
لذلك، الجمال الحقيقي في الماركسية يجب أن يكون ثوريًا ومرتبطًا بالتحرير الاجتماعي.
اخيرا :
الجمال في الفلسفة الماركسية ليس مجرد إحساس أو شكل فني جميل، بل هو انعكاس للعلاقات الاجتماعية، والظروف التاريخية، والجهد البشري لتحويل الواقع. إنه جمال ذو معنى اجتماعي وطبقي، ومرتبط بالإبداع الذي يخدم المجتمع والتقدم البشري.
الكاتبة: د. نورا مرعي
وعيدنا عيدان، يختلطان في قلبِ المدى وجعًا…
فهذا صباح الفطر يفتح باب ضحكتنا، وتغلقه مدافع الحرب
وهذي الأمومة، حين تزرع في العيون حكاية
يأتي الرّصاص ليقتفي أثر الحنان ويكسر نبضها...
نقول: "عيد"، كي نصدّق أنّنا ما زلنا نرتّب للفرح الصّغير بيتًا كي نحيا
ونخبّئ الأطفال في دفء الدّعاء، كأنّنا
نخاف على البراءة من نشيد الخوف، من صمت المدى...
لها الأمّ كلّ العيد، إن ضاقت بنا الدّنيا وإن اتّسعتْ، فحضنها وطن...
وأوّل نجمة نهدي لها
وللفطر تكبيرة تمشي على وتر الدّموع
فتستحيل صلاة قلب، كلّما اشتدّت مآسيها
أمّا الحرب…
فتأتي بلا استئذانِ عيدٍ
تسرق الأعياد من أيدينا
وتكتب فوق جدران البيوت: "هنا مرّت خسارات القلوب، ولم يعد أصحابها"
وأعيادنا تبكي ولكنّا نخبّئ في الدّموع رجاءها
ونقول: على الرّغم من النّار سيكبر في الحقول قمحها
وسيضحك الأطفال يومًا…
حينها تنسى الأرض شكل الموت وتلبس ثوبها الأخضر...
*شاعرة لبنانية
الكاتب : بن معمر الحاج عيسى
في الثالث عشر من آذار من كل عام، يحتفل الفلسطينيون في الوطن والشتات بيوم الثقافة الوطنية الفلسطينية، وهو يوم ميلاد الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش ، ذلك الرجل الذي جعل من القصيدة وطناً حين سُلب منه الوطن. غير أن هذا اليوم ليس احتفالاً بالمعنى الذي تُقيمه الأمم المستقرة في حدودها الآمنة، بل هو تأكيد سنوي على فعل مقاومة صامت وعميق، يجري في الأوردة الثقافية لشعب لا يزال يُحارَب في أرضه وهويته وذاكرته في آنٍ واحد . الثقافة في السياق الفلسطيني ليست ترفاً فكرياً ولا نشاطاً على هامش الحياة السياسية، بل هي الخط الأمامي في معركة الوجود ذاتها.
منذ عقود، أدرك الفلسطينيون ما يفهمه كل شعب مستعمَر في التاريخ: أن المحتل لا يكتفي بمصادرة الأرض، بل يسعى إلى مصادرة الذاكرة أيضاً. يوم الثقافة الوطنية الفلسطينية هو يوم للحفاظ على الهوية الثقافية الفلسطينية، إرث الأجداد الضارب بجذوره عبر التاريخ، وحمايته من محاولات السطو الهادفة إلى سرقته وتهويده.هذه الجملة الرسمية تحمل في طياتها وصف حرب حضارية شاملة، إذ لا يعني الاحتلال مجرد السيطرة العسكرية على قطعة من الجغرافيا، بل يعني أيضاً تفكيك الرواية الوطنية وإحلال رواية بديلة محلها. في هذا السياق تحديداً، يغدو الشعر خندقاً، والرقص الشعبي دليل وجود، والزي الفلسطيني المطرز شهادة لا تحترق.
في يوم الثقافة الوطنية، يُستذكر أعمدة ورواد الثقافة الفلسطينية: محمود درويش وغسان كنفاني وماجد أبو شرار ومعين بسيسو ونوح إبراهيم وتوفيق زياد وسميح القاسم وعبد الكريم الكرمي وعبد الرحيم محمود وفدوى طوقان وغيرهم ممن حملوا راية الدفاع عن الهوية الوطنية. هؤلاء لم يكونوا مجرد أدباء يكتبون في وقت الفراغ؛ كانوا مقاتلين بالكلمة، اختاروا الورقة والقلم أسلحةً في مواجهة الدبابة والسجن. مثقفون عاشوا ظلم وظلام الاحتلال، لامسوا آلام وأوجاع شعبهم فأبدعوا وانتصروا لمعاناته، ولم تثنهم ليالي المنافي وعتمة السجون. غسان كنفاني اغتيل بسيارة مفخخة في بيروت عام 1972، ومحمود درويش اعتُقل مراراً قبل أن يُرغم على المنفى، لكن كلاهما ظل حاضراً في الوجدان الفلسطيني بعد رحيله أكثر مما كان حاضراً في حياته.
اليوم، وفي ظل المشهد الراهن، يكتسب هذا البُعد الثقافي ثقلاً سياسياً مضاعفاً. ما يجري في غزة منذ أكتوبر 2023 ليس حرباً عسكرية فحسب، بل هو كذلك عملية ممنهجة لمحو الذاكرة المادية لشعب بأكمله. المتاحف والمسارح ودور الكتب والأرشيفات والمواقع التراثية والجامعات، كل ذلك طاله الدمار . انطلاقاً من إطار توثيق انتهاكات الاحتلال بحق الموروث الثقافي الفلسطيني، وتأكيداً على ضرورة حماية التراث الإنساني من أعمال التدمير والإبادة التي تستهدف طمس هوية الشعب الفلسطيني وتاريخه العريق ، يصدر الإحصاء الفلسطيني ووزارة الثقافة سنوياً بياناتهما. لكن الأرقام هذه المرة تحمل مرارة بالغة: ما الذي تعنيه إحصاءات المراكز الثقافية حين تُحرق المكتبات فوق رؤوس أصحابها؟
شهدت المؤسسات الثقافية في الضفة الغربية انخفاضاً في عدد الأنشطة من 5788 إلى 4279، مع مشاركة حوالي 251 ألف شخص في الأنشطة الثقافية لعام 2025، فيما سجلت المتاحف انخفاضاً بنسبة 39% في عدد الزوار مقارنة بعام 2024 . هذه الأرقام تُترجم بالضرورة إلى معاناة إنسانية: أسر لا تستطيع اصطحاب أطفالها إلى المتاحف بسبب القيود والحواجز، وفنانون باتوا يعملون في ظروف الطوارئ لا في ظروف الإبداع. ومع ذلك تواصل المؤسسات عملها بإصرار لافت، إذ نفذت وزارة الثقافة في الضفة الغربية 1600 فعالية، وشاركت في معارض دولية، وأطلقت مسابقات وجوائز، بينما دعمت في غزة 37 مشروعاً ثقافياً بقيمة 243 ألف دولار. في ظل الحرب، دعم مشاريع ثقافية في غزة ليس ترفاً، بل هو رسالة سياسية تقول: نحن هنا، ولن نختفي.
الثقافة الفلسطينية بوصفها فعلاً سياسياً لم تبقَ حبيسة الجغرافيا المحاصرة. أحيت سفارة دولة فلسطين لدى إسبانيا بالتعاون مع معهد "ثيربانتيس" يوم الثقافة الفلسطينية، لتسليط الضوء على الثقافة الفلسطينية الغنية كمكون أساس من الهوية الوطنية. وفي بكين، أحيت سفارة دولة فلسطين لدى جمهورية الصين الشعبية يوم الثقافة الفلسطينية بحضور وفد رفيع المستوى من وزارة الخارجية الصينية وعدد كبير من السفراء المعتمدين، وتخلل الفعالية معرض ثقافي تناول تاريخ فلسطين ومدنها ومعالمها وتراثها الوطني. وفي الجزائر الشقيقة التي لا تنسى جراح الاستعمار، أحيت سفارة دولة فلسطين يوم الثقافة الوطنية الفلسطينية بأمسية وعروض ثقافية. هذا الحضور الدبلوماسي الثقافي المتزامن في عواصم العالم يكشف عن استراتيجية واعية: الثقافة أداة للشرعية الدولية قبل أن تكون وسيلة للتعبير الجمالي.
ثمة من يرى في هذا الاهتمام بالشعر والفلكلور والمتاحف في خضم الاحتلال نوعاً من الإفراط في المثالية، أو ربما هروباً من قسوة الواقع السياسي إلى ملجأ الجمال. لكن هذه القراءة تجافي الحقيقة التاريخية. يوم الثقافة مناسبة لبعث روح التثاقف لدى أبناء الشعب الفلسطيني، وخاصة عنصر الشباب، لمواصلة المسيرة نحو تحقيق الحرية والانعتاق من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. الثقافة إذاً ليست نقيض السياسة، بل هي امتدادها بأدوات أخرى. حين يرقص شباب فلسطيني في مخيم اللاجئين على أنغام الدبكة، فهو لا يحتفل فحسب، بل يقول لكل من يريد محو وجوده: أنا موجود، وجسدي يتذكر ما حاولتم أن تُنسيه الكتب المدرسية.
في هذا السياق الوجودي يأخذ الجدل حول من يمثل الثقافة الفلسطينية معنى أعمق. السلطة الفلسطينية ومؤسساتها الرسمية ليست وحدها الحارسة لهذا الإرث؛ المخيمات في لبنان والأردن وسوريا تنتج ثقافتها الخاصة، والشتات في الغرب يخوض معارك الرواية والفيلم والفن التشكيلي بأساليب مختلفة. الثقافة الفلسطينية متعددة المنابع، متشعبة القنوات، لا تنتظر تفويضاً رسمياً لتعلن عن نفسها. وربما في هذا التعدد قوتها الحقيقية: يصعب تدمير ما لا مركز له.
لكن الاحتفاء السنوي بيوم الثقافة لا ينبغي أن يحجب سؤالاً صعباً: كيف نحمي الإنتاج الثقافي الفلسطيني من التحنيط الرسمي الذي يحوّل الإبداع إلى شعارات والقضية إلى أيقونات؟ محمود درويش نفسه كان أكثر الناقدين لتحويل قصيدته إلى بيان سياسي جاهز الاستخدام، وكان يُلح على أن الشعر أكبر من أن يكون أداةً للتعبئة. التوتر الخلاق بين الثقافة بوصفها هوية جماعية وبينها بوصفها حرية فردية، هو توتر لا تحله الاحتفاليات بل تحتاج إلى إدارته بوعي ودقة.
في نهاية المطاف، ما يجعل يوم الثقافة الفلسطينية يوماً ذا معنى ليس الفعاليات التي تُقام ولا البيانات التي تُصدر، بل الحقيقة الصلبة التي يُجسدها: أن شعباً يُحاصَر ويُقصف ويُهجَّر لا يزال يُؤمن بأن اللغة والذاكرة والجمال تستحق أن تُصان. هذا الإيمان ليس وهماً رومانسياً، بل هو ربما أبلغ إجابة سياسية على سؤال البقاء.