عين الدّلب - خاص ب "واثق نيوز"- قالت الشاعرة والروائية اللبنانية الدكتورة نورا مرعي إن روايتها "حين بكت الجدران" محطّة نضج في مسارها الكتابيّ، وتغييرًا نوعيًّا في أسلوبها، لأنّها الأكثر التصاقًا بالذّاكرة الجماعية، والأكثر مواجهة مع الجرح من دون مواربة. هي خلاصة تجربة كتابيّة موجعة، حاولت فيها أن تكتب الإنسان في هشاشته، والمرأة في أسئلتها، والوطن في جروحه المفتوحة.
وأضافت: "هنا، لم أكتب لأروي وحسب، بل لأشهد على الإنسان حين يُجرَّد من الأمان، ويبقى متمسّكًا بما تبقّى من كرامته وحلمه بالحياة، ولأشهد على الجدران حين تتحوّل إلى ذاكرة، وعلى البيوت حين تفقد صمتها وتفصح عمّا رأت. ولأشهد على جرحٍ شخصيّ يشبه جراح كثيرين، وعلى ذاكرة جماعية نخشى أن تُمحى إن لم نكتبها". وفيما يلي نص الحوار:
لماذا اخترتِ عنوان "حين بكت الجدران" للرواية؟
لأنّني كنت أبحث عن عنوان لا يسمّي الحدث، بل أثره. في زمن الحرب، لا تبقى الجدران عناصر معمارية صامتة، بل تتحوّل إلى ذاكرة موازية للإنسان. هي الّتي سمعت الصّرخات، واحتضنت الخوف، وتشرّبت الغياب. حين يعجز البشر عن البكاء من فرط الصّدمة، تبكي الأمكنة عنهم.
اخترتُ هذا العنوان لأنّني أردت أن أقول إنّ الخراب لا يصيب الأجساد وحدها، بل يتسلّل إلى الحجر، إلى البيوت، إلى كلّ ما كنّا نعتقد أنّه ثابت وآمن. بكاء الجدران هو بكاء التّاريخ الصّغير، اليومي الّذي لا تكتبه الكتب، بل تحفظه الشّقوق والنّدوب.
نلحظ حضورًا قويًا للمكان في الرواية، كيف تعاملتِ معه؟
لم أتعامل مع المكان بوصفه خلفية للأحداث، بل بوصفه بطلًا صامتًا في الرّواية. المكان عندي ليس محايدًا؛ هو كائن حيّ يتفاعل مع العنف، يتغيّر. في "حين بكت الجدران" المكان حامل للذّاكرة، ومخزن للخوف، ومرآة للتحوّلات النّفسيّة. البيوت، الأزقّة، والغرف الضيّقة ليست مجرد فضاءات، بل حالات شعورية. أردت أن أكتب المكان كما يُعاش لا كما يُوصَف، لأنّ الحرب تغيّر علاقتنا بالأمكنة، فتصير مألوفة ومخيفة في آنٍ واحد.
لماذا هذا التركيز على الحرب في الرواية، وكأن حياتنا معلّقة بين موتين؟
لأنّ الحرب، في تجربتنا، لم تكن حدثًا استثنائيًّا ينتهي، بل واقعًا يتكرّر ويتحوّل إلى نمط حياة. نحن جيل عاش دائمًا على حافة الاحتمال الأسوأ، كأنّ الحياة مؤجّلة، وكأنّ المستقبل وعد هشّ.
الرّواية لا تسعى إلى تمجيد الحرب أو إعادة إنتاج مشاهدها، بل إلى تفكيك أثرها النّفسيّ والوجوديّ. أردت أن أكتب عن الإنسان الّذي يعيش بين موتٍ مضى ولم يُدفن بعد، وموتٍ آتٍ لا نعرف متى يحلّ. هذا التّعليق القاسي للزّمن هو ما يجعل الشّخصيات قلقة، هشة، ومعلّقة مثلنا.
اللغة في الرواية وصفية وشاعرية رغم قسوة الأحداث، لماذا هذا الاختيار؟
اللّغة كانت ملاذي الوحيد من العنف. القسوة إذا كُتبت بحدّتها العارية قد تتحوّل إلى مشهد صادم يفقد إنسانيّته. اخترت اللّغة الشّاعرية لا للتّخفيف من الألم، بل لإعادة المعنى إليه. الشّعرية هنا ليست ترفًا أسلوبيًّا، بل هو موقف أخلاقيّ وجمالي. هي محاولة لإنقاذ الإنسان داخل الحدث، ولحماية الذّاكرة من التّحوّل إلى أرقام وصور عابرة. بالكلمة، نحاول أن نُبقي للوجع اسمه، وللخسارة وجهها، وننقل التّأثير إلى الآخرين الّذين لم يعيشوا الصّدمة الّتي نقلتها عبر المجازر العديدة الّتي عشتها وفقدت بسببها رفاق حياة وعمر.
كيف ترين موقع "حين بكت الجدران" ضمن تجربتك الأدبية، وهل هي الرواية الأولى؟
"حين بكت الجدران" ليست الرّواية الأولى، بل هي الرّواية الخامسة في مساري السّردي. سبقتها روايات عديدة بعنوان: "هذا هو قدري، ستحبّينني يومًا، لا أخشى النّسيان، ولستُ رقمًا إنّني الزّوجة الأولى"، إضافة إلى دواوين شعرية ومجموعات قصصية.
أرى هذه الرّواية محطّة نضج في مساري الكتابيّ، وتغييرًا نوعيًّا في أسلوبي، لأنّها الأكثر التصاقًا بالذّاكرة الجماعية، والأكثر مواجهة مع الجرح من دون مواربة. هي خلاصة تجربة كتابيّة موجعة، حاولت فيها أن أكتب الإنسان في هشاشته، والمرأة في أسئلتها، والوطن في جروحه المفتوحة. هنا، لم أكتب لأروي وحسب، بل لأشهد على الإنسان حين يُجرَّد من الأمان، ويبقى متمسّكًا بما تبقّى من كرامته وحلمه بالحياة، ولأشهد على الجدران حين تتحوّل إلى ذاكرة، وعلى البيوت حين تفقد صمتها وتفصح عمّا رأت. ولأشهد على جرحٍ شخصيّ يشبه جراح كثيرين، وعلى ذاكرة جماعية نخشى أن تُمحى إن لم نكتبها.



