الكاتب : محمد نائل ربيع
القدس - فلسطين
لم يكن التاريخ يوماً مجرد سردٍ تتابعي للأحداث، بل هو محكمة عليا تصدر أحكامها ببطء، وبحتمية لا تقبل الاستئناف. وفي سياق القراءة المعمقة للظواهر السياسية المعاصرة، نجد أنفسنا اليوم أمام مشهد درامي يتجاوز العوارض المؤقتة، ليشتبك مع "الفكر الترامبي" بوصفه نموذجاً جلياً للسقوط الحتمي للمشاريع القائمة على الزيف الممنهج وتزييف الوعي الجمعي.
إن هذا الفكر لم يمثل يوماً استجابة لضرورة تاريخية تمليها مصالح الشعوب، بل كان استثماراً انتهازياً محضاً في لحظات القلق الإنساني العابرة؛ حيث تم اختطاف هواجس المجتمعات وتطويعها لخدمة نرجسية فردية تحاول بعبثية مفرطة، وقف عجلة الزمن أو لي عنق الحقائق بقوة الضجيج، والصدام المستمر مع السنن الوجودية التي لا ترحم المتجاوزين.
وتتجلى التراجيديا الحقيقية في الترامبية عبر ذلك الانفصال السريالي عن الواقع، والذي كشفته أنماط من التناقض البنيوي والهذيان السياسي الذي وسم خطابها بوضوح؛ وهي اللحظة ذاتها التي بدأ فيها هذا الفكر بفقدان بوصلة "الممكن"، ليدخل في تيه "المستحيل" الذي يسبق الانهيار الوجودي الكبير. إن جوهر هذا الفكر يقوم في أساسه على كسر القواعد لا من أجل البناء، بل لغرض إثبات الذات فحسب، مما جعله يصطدم حتماً بصخرة النواميس التاريخية الراسخة، ويرتطم بالثوابت التي تحكم موازين القوى وصيرورة الأمم.
هذا الانفصال، واكبه ارتهان مطلق لأجندات وقوى تتجاوز الحدود والمبادئ، مما عرّى الهوة السحيقة بين شعارات السيادة الرنانة وبين الممارسات التي اختزلت الإرادة السيادية في أدوارٍ وظيفية، مسخرةً إياها لخدمة توازناتٍ نفعية صِيغت لصالح "كيانٍ اصطناعي" يفتقر لعمق التاريخ ويستقوي باللحظة العابرة. إن الترامبية، بهذا التوصيف، لم تكن يوماً تحالفاً استراتيجياً متزناً، بل كانت "ارتهاناً للموقف" في سوق المقايضات، حيث قُدّمت الثوابت كقرابين لتثبيت نفوذ هذا الغريب الطارئ على حساب الحقوق التاريخية الراسخة والاستقرار بعيد المدى؛ ما جعل من هذا الفكر عبئاً أخلاقياً وسياسياً ثقيلاً، ليس فقط على بلده، بل على النظام العالمي بأسره، الذي وجد نفسه مضطراً لمواجهة نموذج يحاول استبدال العقلانية الرصينة بنزوات الانفعال الفردي المسكونة بهواجس خدمة الآخر على حساب الذات.
بالنظر إلى الأفق الاستشرافي، نجد أن الترامبية كمنهج ستتحلل ذاتياً؛ ليس بفعل الخصوم والمنافسين فحسب، بل لأنها استنفذت صلاحيتها التاريخية وقدرتها على الخداع، لتتحول إلى "ندبة" في الوعي البشري الذي بدأ يطور مضادات فكرية صلبة ضد هذه الحالات الانفعالية والصادمة. إن التاريخ يخبرنا بوضوح أن "الظواهر الصوتية" التي تقتات على الانقسام والارتهان هي ظواهر قصيرة العمر بامتياز، لافتقارها إلى الجوهر القيمي الذي يمنح الاستدامة. إن سقوط الصنم الفكري هنا ليس احتمالاً، بل هو الحقيقة الثابتة؛ فالفكرة التي تقتات على أزمات الإنسان وتتلاعب بمصير الشعوب، هي فكرة محكوم عليها بالاندثار التاريخي مهما طال الأمد.
وسيذكر التاريخ أن محاولات تحويل العالم إلى ساحة للمصالح الشخصية الضيقة تنتهي دائماً بوقوف أصحابها وجهاً لوجه أمام الحقيقة المجردة. هناك، حيث تنطفئ نيران الصخب وتخمد أصوات الضجيج، ستبقى القوانين التاريخية الثابتة هي الحكم الوحيد والنهائي؛ مؤكدة أن الزيف مهما بلغت سطوته، يظل أوهن من بيت العنكبوت أمام حتمية الزمن وجلال التاريخ.



