الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
لم تعد الحرب التي تشنها دولة الاحتلال على الشعب الفلسطيني مجرد صراع على الأرض أو الحدود أو الموارد، بل باتت تحمل في عمقها أبعادا عقائدية وفكرية تتجاوز السياسة التقليدية نحو ما يمكن وصفه بـ"الكوكتيل القاتل" الذي يمزج بين عقيدة الانتظار الديني اليهودي وبين المشروع الصهيوني المسيحاني الاستيطاني. هذا المزيج الخطير أنتج حالة من التطرف غير المسبوق، جعلت من القتل والتدمير والتهجير أدوات مقدسة في نظر تيارات واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة لدى اليمين الديني والقومي المتطرف.
في الفكر الديني اليهودي التقليدي، ارتبط مفهوم "الانتظار" بقدوم "المسيح المخلص" الذي سيعيد بناء الهيكل ويجمع اليهود في "أرض الميعاد". وعلى مدى قرون طويلة بقي هذا المفهوم دينيا روحيا مؤجلا، يرتبط بالخلاص الإلهي أكثر مما يرتبط بالفعل السياسي المباشر. غير أن الحركة الصهيونية الحديثة، وخاصة في نسختها الدينية، قامت بتحويل هذا الانتظار من حالة غيبية إلى مشروع استعماري عملي، معتبرة أن إقامة إسرائيل والتوسع الاستيطاني والحروب المستمرة ليست سوى خطوات تمهد للخلاص الموعود.
هنا تحديدا يتشكل "الكوكتيل القاتل". فحين تتحول العقيدة الدينية إلى برنامج سياسي عسكري، يصبح الخصم البشري مجرد عقبة أمام "الإرادة الإلهية". وبهذا المنطق جرى تصوير الفلسطيني ليس كشعب له حقوق وطنية وتاريخية، بل كجسم غريب يجب اقتلاعه أو إخضاعه أو دفعه إلى الرحيل. لذلك لم يكن غريبا أن تصعد داخل إسرائيل تيارات تتحدث علنا عن "الحسم"، و"التطهير"، و"إعادة الاستيطان"، و"إعادة بناء الهيكل"، واعتبار الحرب الحالية جزءا من "معركة توراتية".
إن أخطر ما في الصهيونية المسيحانية أنها لا ترى في السلام خيارا حقيقيا، لأن السلام بالنسبة لها يعني تعطيل المشروع العقائدي. فهذه التيارات لا تؤمن أساسا بوجود شعب فلسطيني صاحب حق، بل تنظر إلى الضفة الغربية باعتبارها "يهودا والسامرة"، أي جزءا مقدسا من الرواية التوراتية التي لا يجوز التنازل عنها. ومن هنا نفهم لماذا يترافق التوسع الاستيطاني مع تصاعد العنف ضد الفلسطينيين، ولماذا تتحول القدس والمسجد الأقصى إلى مركز دائم للتفجير السياسي والديني.
لقد أنتج هذا الفكر حالة من العسكرة الدينية داخل المجتمع الإسرائيلي، بحيث أصبح الجندي والمستوطن والحاخام جزءا من منظومة واحدة. فالمستوطن الذي يحرق المنازل أو يقتلع الأشجار أو يهاجم القرى الفلسطينية لا يتحرك فقط بدافع قومي، بل يشعر أحيانا أنه ينفذ "وصية دينية". وهذا ما يفسر تنامي ظاهرة الإرهاب الاستيطاني في الضفة الغربية، تحت حماية المؤسسة العسكرية والسياسية.
والأخطر أن هذه العقيدة لا تكتفي بالسيطرة على الأرض، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والوعي أيضا. فالحرب على غزة، والتهجير في الضفة، وتدمير المخيمات في جنين وطولكرم ونور شمس، والسياسات الممنهجة في القدس، ليست أحداثا منفصلة، بل حلقات في مشروع يريد كسر الهوية الوطنية الفلسطينية وتحويل الفلسطيني إلى إنسان بلا أرض ولا ذاكرة ولا أفق سياسي.
إن ما يجري اليوم يكشف أن إسرائيل تنتقل بصورة متسارعة من نموذج "الدولة الاستعمارية" إلى نموذج "الدولة العقائدية". وهذه النقلة تحمل خطرا هائلا ليس فقط على الفلسطينيين، بل على المنطقة بأكملها. فحين تمتزج القوة العسكرية الحديثة بعقيدة دينية تعتبر نفسها فوق التاريخ والقانون والإنسان، يصبح العنف مفتوحا بلا حدود، وتتحول الحرب إلى فعل خلاص مقدس.
ورغم كل ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن المشاريع القائمة على الإقصاء المطلق لا تستطيع صناعة استقرار دائم. فالشعب الفلسطيني الذي واجه الاستعمار والاقتلاع منذ أكثر من قرن، ما زال قادرا على إنتاج أشكال جديدة من الصمود والمقاومة والبقاء. كما أن صورة إسرائيل التي حاولت طويلا تقديم نفسها باعتبارها "واحة ديمقراطية" تتكسر اليوم أمام العالم، مع تصاعد مشاهد القتل الجماعي والتجويع والتدمير والحصار.
إن مواجهة هذا "الكوكتيل القاتل" لا تكون فقط بالمقاومة الميدانية، بل أيضا بتفكيك بنيته الفكرية والسياسية، وكشف الطابع العنصري والإقصائي للصهيونية المسيحانية أمام الرأي العام العالمي. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الرواية أيضا: رواية شعب يريد الحرية والحياة، في مواجهة مشروع يرى في الهيمنة والتطهير طريقا لتحقيق نبوءاته الدينية والسياسية.
وفي السياق، فقد تناول كارل ماركس الحالة اليهودية في كتابه "المسألة اليهودية"، ليس من زاوية دينية ضيقة، بل من زاوية نقد العلاقة بين الدين والدولة والاغتراب الإنساني. فقد رأى ماركس أن تحرر الإنسان الحقيقي لا يتحقق بمجرد منح الحقوق الشكلية داخل الدولة، وإنما بتحرير المجتمع من البنى التي تنتج الاستغلال والانقسام والتفوق القائم على المال والسلطة والامتيازات.
ورغم أن نص ماركس تعرض عبر الزمن لتفسيرات متناقضة، فإن جوهر تحليله كان موجها ضد تحويل الهوية الدينية أو القومية إلى أداة للهيمنة السياسية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق يمكن فهم التناقض العميق بين الفكر الإنساني التحرري لدى ماركس وبين المشروع الصهيوني المسيحاني المعاصر، الذي يقوم على فكرة "الاصطفاء" وامتلاك الحقيقة المطلقة واحتكار الأرض باسم الوعد الديني.
لقد حذر ماركس بصورة مبكرة من خطورة تديين السياسة، لأن الدولة التي تستند إلى هوية دينية مغلقة تتحول تدريجيا إلى أداة إقصاء وقمع للآخرين. وهذا ما يظهر بوضوح في التجربة الإسرائيلية الراهنة، حيث بات الخطاب الديني التوراتي يغذي السياسات العسكرية والاستيطانية، ويمنحها غطاء أيديولوجيا يبرر الحرب المفتوحة ضد الشعب الفلسطيني.
ومن المفارقات التاريخية أن الصهيونية التي قدمت نفسها في بداياتها كحركة قومية علمانية، انتهت اليوم إلى الارتماء الكامل في أحضان التيارات المسيحانية المتطرفة. وهكذا التقت النزعة الاستعمارية الحديثة مع عقيدة الانتظار الديني لتنتج ما يمكن وصفه بالفعل بـ"الكوكتيل القاتل": مزيج من القوة العسكرية، والتفوق القومي، والتبرير اللاهوتي، وهي تركيبة تجعل من الإبادة والتهجير أفعالا قابلة للتبرير داخل الوعي الصهيوني المتطرف.
وفي النهاية، تبقى فلسطين اختبارا أخلاقيا للعالم كله. فإما أن ينتصر منطق العدالة وحق الشعوب في الحرية، وإما أن يفتح الباب أمام عصر جديد من الحروب العقائدية التي تبرر الإبادة باسم السماء.



