الكاتب: محمد زهدي شاهين
ليست المشكلة في الحالة الفلسطينية مجرّد خلافٍ على المصطلحات، بل هي خلافٌ على زاوية النظر إلى واقعٍ مركّبٍ ومعقّد. فالتوصيف ليس حيادياً بالكامل؛ إذ يحمل في طيّاته دلالاتٍ سياسية وتاريخية تؤثّر في فهم الحدث، وربما في كيفية التعامل معه. من هنا يبرز السؤال: هل ما جرى هو “انقسام فلسطيني” أم “انقلاب”؟
من حيث اللغة السياسية، يشير مصطلح “الانقلاب” إلى فعلٍ حاسم ومحدّد زمنياً، تقوم به جهة للسيطرة على السلطة، وغالباً ما يفترض هذا المفهوم استقراراً لاحقاً للجهة التي قامت بالفعل. أما “الانقسام”، فهو توصيفٌ لحالةٍ مستمرة، تعكس وجود سلطتين أو مرجعيتين أو مسارين سياسيين متوازيين داخل الكيان الواحد، دون حسمٍ نهائي لصالح أحدهما.
عند إسقاط هذين المفهومين على الحالة الفلسطينية، نجد أن توصيف “الانقسام” يبدو أكثر قدرةً على احتواء الواقع كما هو، لا كما يُفترض أن يكون. فالمشهد القائم منذ سنوات يعكس وجود نظامين إداريين منفصلين نوعاً ما، إذ ما زالت السلطة الفلسطينية ملتزمةً بواجباتها تجاه أهلنا في القطاع، كما يوجد نظامان سياسيان: أحدهما في الضفة الغربية، والآخر في قطاع غزة، لكلٍّ منهما أدواته ومؤسساته وخياراته. هذه الحالة لم تكن لحظةً عابرة، بل تحوّلت إلى واقعٍ مستمر، ما يجعل “الانقسام” توصيفاً لحالة قائمة أكثر من كونه حكماً على حدثٍ ماضٍ.
في المقابل، يركّز استخدام مصطلح “الانقلاب” على لحظة التأسيس الأولى للأزمة، أي على الحدث الذي أدّى إلى هذا الواقع. وهو توصيف قد يكون مفهوماً في سياقه الزمني، لكنه لا يقدّم وحده تفسيراً كاملاً لاستمرارية الحالة وتعقيداتها. فحتى لو اعتُبر ما جرى “انقلاباً” في لحظةٍ معينة، وهو كذلك، فإن النتيجة التي استقرّت لاحقاً هي حالة انقسام فعلي، بكل ما تحمله من أبعاد سياسية ومجتمعية.
من هنا يمكن القول إن التوصيفين لا يتناقضان بالضرورة، بل ينتميان إلى مستويين مختلفين من التحليل: “الانقلاب” كتوصيفٍ لحدث، و“الانقسام” كتوصيفٍ لحالة. غير أن الإشكالية تظهر حين يتم الاكتفاء بأحدهما وإقصاء الآخر، لأن ذلك قد يختزل المشهد ويحدّ من فهمه الشامل.
إن التركيز على توصيف “الانقسام” لا يعني إنكار جذور الأزمة، بل يعكس إدراكاً بأن الواقع الحالي هو ما يجب التعامل معه، خاصةً في ظل استمرار تعدّد المرجعيات وتباين المسارات. كما أن هذا التوصيف يفتح المجال أمام البحث في سبل المعالجة، لأنه ينطلق من توصيف حالة قائمة تحتاج إلى إنهاء، لا مجرد حدثٍ مضى.
في المحصلة، قد يكون الأدقّ هو الجمع بين البعدين: الاعتراف بأن ما حدث في بداياته كان لحظة صدامٍ حادّ، مع الإقرار في الوقت ذاته بأن النتيجة التي تشكّلت واستمرّت هي حالة انقسام فلسطيني عميق. وبهذا الفهم، يصبح النقاش أكثر توازناً، وينتقل من جدل المصطلحات إلى البحث الجاد عن مخرجٍ وطني يعيد توحيد البوصلة والمؤسسات.



