رئيس التحرير

"البلد ضاعت" !!

5 مشاهدة
"البلد ضاعت" !!

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير 

يقال إن الأوطان لا تضيع في يومٍ واحد، بل تضيع حين يعتاد الناس الصمت على الخطأ، وحين يصبح الفساد أمرًا مألوفًا، وحين تتراجع القيم أمام المصالح الضيقة. وعندما يردد الناس عبارة "البلد ضاعت"، فهم لا يقصدون اختفاء الأرض أو زوال الحدود، بل يعبرون عن شعور عميق بالإحباط من تراجع العدالة، وضعف الخدمات، وغياب الأمل في مستقبل أفضل.

إن ضياع الوطن يبدأ عندما يشعر المواطن بأن صوته لا قيمة له، وأن جهده لا يُكافأ، وأن القانون لا يُطبق على الجميع بالعدل. كما يتجلى في هجرة العقول والكفاءات، وانتشار البطالة، وتراجع التعليم، وضعف الثقة بين أفراد المجتمع ومؤسساته. هذه المشكلات لا تنشأ من سبب واحد، بل هي نتيجة تراكمات طويلة تتطلب مواجهة جادة وإصلاحًا حقيقيًا.

لكن، ورغم قسوة هذا الشعور، فإن القول بأن "البلد ضاعت" لا ينبغي أن يكون نهاية القصة. فالتاريخ مليء بأمم مرت بأزمات أشد، ثم استطاعت أن تنهض من جديد بفضل إرادة شعوبها، وصدق قياداتها، وإيمان الجميع بأن الإصلاح ممكن. فالوطن لا يُبنى بالشعارات وحدها، بل بالعمل، واحترام القانون، وتعزيز التعليم، ومكافحة الفساد، وترسيخ قيم المسؤولية والمواطنة.

لقد وجد الشعب الفلسطيني نفسه أمام ضغوط متراكمة تأتي من جهات متعددة، فإلى جانب استمرار الاحتلال وما يرتبط به من قيود على الحياة اليومية، ومواجهات متكررة، وتحديات اقتصادية واجتماعية، برزت أيضًا مشكلات داخلية أثقلت كاهل المواطنين، من بينها الفساد وسوء الإدارة والانقسام السياسي، وهي عوامل أسهمت في إضعاف قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات وتعزيز صموده.

وفي الوقت نفسه، يشعر كثير من الفلسطينيين بأن مستوى الدعم العربي والإسلامي والدولي لم يعد يواكب حجم التحديات التي يواجهونها. فبينما تتغير أولويات الدول، وتفرض المصالح الإقليمية والدولية حساباتها، تتراجع في نظرهم مكانة القضية الفلسطينية على أجندات العديد من الأطراف، الأمر الذي يترك انطباعًا بأن الفلسطينيين يواجهون مصيرهم بقدرات محدودة وفي ظروف بالغة الصعوبة.

ورغم هذا الواقع، يواصل الشعب الفلسطيني التمسك بأرضه وهويته الوطنية، ويواصل مقاومة مختلف أشكال التحديات وفق ما يراه حقًا في الدفاع عن وجوده ومستقبله. وقد أصبح الصمود بالنسبة لكثير من الفلسطينيين أسلوب حياة، يتجسد في البقاء على الأرض، والحفاظ على الهوية، ومواصلة التعليم والعمل، وتحمل الأعباء اليومية رغم قسوة الظروف.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي قضية عادلة ليس فقط قوة التحديات الخارجية، بل أيضًا تآكل الوحدة الداخلية، وغياب الرؤية المشتركة، وتراجع الإحساس بالمسؤولية الوطنية. لذلك فإن تجاوز هذه المرحلة يتطلب تعزيز التماسك المجتمعي، وترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية، والعمل على توحيد الجهود بما يخدم مصلحة الوطن ويحافظ على حقوق الشعب الفلسطيني وتطلعاته.

إن مسؤولية الحفاظ على الوطن لا تقع على عاتق الحكومات وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين كل أفراد المجتمع. فكل مواطن يلتزم بالأمانة، ويحترم النظام، ويؤدي عمله بإخلاص، ويسهم في نشر الوعي، يشارك في حماية وطنه وإعادة بنائه.

قد تعكس عبارة "البلد ضاعت" وهي عناون المقال ،حالة من الألم واليأس، لكنها يجب أن تكون دافعًا للمراجعة والعمل، لا للاستسلام . فالأوطان التي يمتلك أبناؤها الإرادة والوعي قادرة على تجاوز الأزمات وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا وازدهارًا . ولنا في التاريخ عبرة وفي تجارب الشعوب موعظة . وشدي حيلك يا بلد .