الكاتب : المتوكل طه
*
الحَربُ هي الحَربُ! وأكْرَهُ مَن سَوَّغها..
الحربُ؛ رمادٌ يحتلُّ الأنهارْ.
الحربُ نهاياتٌ لا شمسَ لها،
مخْمَصةٌ ستبيعُ الحُرّةُ فيها ثديَيْها،
والحامِلُ طِفليْها،
وتبيعُ الزرقاءُ، إذا لمحتْ أشجاراً تمشي، عينَيْها..
ستبيعُ الحربُ خواتمَ جَدَّتِها، ويدَيْهَا،
وتُعرّي فَخْذَيْها.
الحربُ مجنزرةٌ تَسْحقُ سربَ حمامٍ يهدلُ في الإنجيلِ،
وتهْرسُ هالاتِ العذراء..
الحربُ فظاعاتٌ تحتلّ الفردوسَ، ولا تخلعُ نَعلَيْها.
الحربُ معاركُ تأخذُكَ الشَفرةُ، فيها، مِن حَدَّيْها.
ويصيرُ الكونُ..بلا أقمارْ.
الحربُ بداياتُ الأشرارِ،
الحربُ نهاياتُ الأقدارِ.
الحربُ دكاكينُ الشُطّارِ،
ولعبةُ قيصرَ حين يشاءُ،
ورقعةُ كسرى في الأَمْصارِ.
الحربُ مُقامرةٌ وغباءْ.
الحربُ مدائنُ تُمحى..
وقضاةُ المحكمةِ، شُهودُ الزّورِ،
بقاعاتِ الميزانِ يصبُّون الويلَ،
لنكبرَ في قاعاتِ الصمتِ..
ولا مَن ينطقُ..
والحربُ المقلاةُ على لهبٍ، يغلي فيها الزيتُ،
فينصهرُ الناسُ، تسوحُ الأعضاءُ وتطفو..
يا ربَّ الحربِ! تعالَ اشربْ بشراً ذابوا.
يا ربَّ الخوفِ! لقد بلغَ الأطفالُ الهَرمَ..وشَابوا.
يا ربَّ الهَدْمِ! هنا كان المبنى والأهلُ..فَغابوا.
ياربَّ الجوعِ! لقد حلموا بالخبزِ، ولابوا.
ياربَّ الأمْنِ! البلدةُ كانت آمنةً تسرحُ طيّبةً
في البحرِ، وطابوا.
ما ذَنْبُ القريةِ؟ هل تحرقُها إنْ صدَّت عنها الطاعونَ،
وألقتْ بقيودِ النّخّاسين..فَخابوا؟
الحربُ حناجرُنا المشروخةُ،
لكنّ الشاشاتِ ضبابْ!
الحربُ سرابْ.
الحربُ شياطينُ الأَنواءِ.
الحربُ نزوحٌ إنْ ظلّوا أحياءً..
وهزيعٌ لا يتلوهُ نَهارْ.
الحربُ تعاويذُ الحرباء، ومَأتمُ فاطمة الزهراء.
الحربُ أكاذيبٌ كبرى، وجنائزُ تترى دون عَزاءْ.
الحربُ الخيبةُ، لا رابحَ فيها..
بل أقبحُ ما اقترفَ التُجّار.
الحربُ مُرافَعةُ الفُجّار.
الحربُ الأحلامُ المقتولةُ بالسَهمِ الوثنيِّ،
وتُظْهِرُ أسوأَ ما في الخَلْقِ،
وتَحْرقُ ألبانَ الأثداء.
الحربُ تفاصيلٌ خَرقاء.
الحربُ صليبٌ لنبيٍّ أُجْهِضَ قبلَ الوَضعِ،
عبيدٌ وإماءٌ، في سوقِ المُتعةِ واللّعْنةِ،
مطحنةٌ للرّوحِ، وشبّاكٌ مهتوكٌ للرّيحِ..
الحربُ سكاكينُ التأويلِ، وآيُ الكارهِ للأَغيار.
الحربُ بلاءُ الخاسرِ، وثراءُ الفاجرِ، وسِفاحُ القاصرِ،
ونشيدُ الثائرِ؛ مَن يدفعُ أثمانَ الصفقةِ، وهو بريءٌ!
والحربُ العَارُ الأُمَميّ،
وعَجزُ الكاهنِ والحُوذيّ،
الحربُ الوَهْمُ الكاملُ، وندوبٌ لا تبرأُ..
والحربُ، وما أدراكَ! تدابيرٌ للوَرْشةِ
وهي تهدّمُ آخرَ ما اجترحَ التاريخُ..
وما مِن شَفَةٍ ستحيطُ بأَهوالِ الصُورةِ،
فهي خرابٌ مكتملُ الأصْفار.
الحربُ دمار.
*
ومَن قالَ بأنّي اخترتُ الموتَ وفاجعةَ الأقدار؟
أتيتُ لأحيا، لا لأموت.
جئتُ لأغرسَ قلبيَ حَنُّوناً لربيعِ الساحلِ،
لا أنْ يحملَه التابوت.
ولدتُ لأبقى إنساناً حُرّاً،
لا أن أُصبحَ ملهاةً لقنابلَ، تَسَّاقطُ..
فَتَنوءُ مدارسُ وبيوت.
أتيتُ ولا أبغي أن أُصبحَ بطلاً وقتيلاً،
وجريحاً يَدْفُقُ بالياقوت.
أريدُ لأنْ أَصعدَ سُنبلةً للمَلَكوتِ،
وأكبرَ في أعشاشِ الطيرِ العائدِ في الأسحارِ،
وأشربَ عُنقودَ الناسوتِ،
وأرقصَ في أفراحِ الغارِ،
وأبكيَ في أثوابِ التوتِ،
وأنثرَ ماساً للتيّارِ،
وسِحراً في شَفةِ الماروت..
أُريدُ حياةً تشبهُ أُغنيةَ البحّارِ،
فلا أكفانَ ولا سجّانَ ولا طاغوتَ ولا رَهبوت..
ولم أذهبْ للحربِ، ولكنّ الغيلانَ أرادت روحي،
فنهضتُ لأحميَ قلبيَ والأسوار.
أنا الجذرُ الصاعدُ في نَسغِ الأوجاعِ،
وريحُ حنينِ النّايِ الخافِقِ في الأضلاعِ،
أنا عَرْشُ البحرِ، وبستانُ الميلادِ،
ومَهدُ القبْلةِ، وسلامُ النّخلةِ والنوّار..
أنا مَن يحلمُ بالوردةِ، وهي تدور على الأبوابِ،
ليبدأَ ميقاتُ الأشجار.
الكاتب : الشاعر المغتال/ راشد حسين
انا الارض ....... لا تحرميني المطر
انا كل ما ظل منها اذا
ما زرعت جبيني شجر
وحولت شعري كروما
وقمحا
ووردا
لكي تعرفيني
فجودي مطر
انا يا سحابة عمري جبال الجليل
انا صدر حيفا
وجبهة يافا
فلا تهمسي : مستحيل
الا تسمعين خطى طفلي القادمه
على عتبات فؤادك
الاتبصرين عروق جبيني
تحاول لثم شفاهك
انا في الانتظار اصبح شعري ترابا
وصار حقولا
واصبح قمحا
واضحى شجر
انا كل ما ظل من ارضنا
انا كل ما ظل مما عشقت
فجودي .........وجودي مطر
الكاتب : المتوكل طه
*
الأرضُ دماءُ موسيقى النّارِ، وينبوعُ النزيف تحتَ القصفِ والخَسف. والأرضُ، في بلادنا، منذ عقود، نشيدٌ فوق الرَّدْمِ، الذي ستتنادى حجارتُه لتصطفّ ثانيةً في جدارٍ متين، وطفلٌ يهتف بفي الآفاقِ. والأرضُ لهيبٌ من أطيارِ البَرقِ، خيامٌ تمشي نحو الصُّبْحِ، وتشربُ من نَّصْلِ السكّين، وأُمٌّ تهتف فوق الجَمْر. الأرض القاموسُ الأجمل، بكلّ مفرداته ومواسمه. ولا مِن شَعبٍ تغنّى بأرضه كما فعلنا! شهادةً واحتضانا وغرْسَا وحراسة، إذ تنام بين الجَفنين، وتغفو على نبض الوجيب، وتكوّن أحلام النائمين، وناي المغنّين، ونداء اللاجئين، وهتاف الأسرى، وأصوات المذبوحين.
وكلّ يوم في فلسطين هو يومٌ لها، تضحيةً وندوبا وسَهرا وحِبْرا وزفّات، تمتدّ من السامر، مرورا بالحِجَج، وصولا إلى ساحات الاشتباك الناعفة بالنجيع والدخان والصليات والهدير الرّاعد.
وهذا هو شهر الأرض الفلسطينيّ الدافئ المفاجئ، المندفع الماحق الحالق، النابت الفوّار الموّار، الذي أعاد توحيد المدائن والعباد، ووضعهم على خطٍّ واحدٍ مبهجٍ ومضيء، أمام الغول.
ويأتي يومُ الأرض، الآن، تحت أقواس النيازك، وهي تدفُّ بسحائب اللهب العلويّ، رجراجاً كأفواه الغرقى بالصراخ، أو كقلب جرفته الزغاريد.
شهرٌ يبدو كباقي شهورنا، منذ النكبة إلى المذبحة المكرورة، وينوء بالدم والياسمين والركام والأغاني المذبوحة، لكنه يمتدّ فينا كمِزَق الزعتر والدحنون والحنّون، ويفجّرنا مثل حبّ الزيتونِ تحت بَدّ الأيام، ويصعد فينا كورق الطيّون في الجبل!
شهرٌ لن تنساه الشواطئ والأُمّهات والبيوت، ولن يغفر لصفحاتٍ مزورّة استهانت بالتلاميذ والصنوبر، وسرقت زهر الشباب، حين كان العُرْسُ على شفة النَهر المقدّس.
شهر يبتدئ بالبراعم لتتشح النساءُ بالشقائق، وتستعيد رمالُ الساحل شهوتها الواضحة، ويتّحد حليب الوالدات بالأحزمة، ويتتوّج بشهداء اللوز، وحنّاء الميجانا، وبياض الحجارة الداكنة.
شهرٌ نسيّه العالَمُ لكنه طازج في ذاكرة نشيدنا، كالطفولة والأرض والقمح البلدي.. يضمّخ أزقتنا بعسل الصهيل، وجمر المصاطب، وحنين غابات الأرز إلى ربّة المطر .
ويتسع حُلم الميلاد لأننا منتصرون منذ أول مذبحة، وقبل غبش المغرب على عتبات دير ياسين، أو غموض الجماجم في الدوايمة، حتى استعار الخناجر في صبرا الثانية، وصولا إلى المجزرة المدوّية في غزّة، من تاريخ الدم المحروق..
فيا أيّها القتلة! نحن لا نخسر بل أنتم الخاسرون. أوَ لّمْ تروا تعلّق الحجارة في الأكفّ الصغيرة، أوَ لَمْ تدركوا، بعد، أن شرياناً واحداً خلف ليالي القضبان يتّسع لكلّ كواكب السماء ونجومها، وبحار الأرض ومحيطاتها، أوَلم تدركوا أن الرجال خلف أكوام الهَدْمِ، المتربّصين بالقتلة المرعوبين، قد أسّسوا لتقويمٍ علّم الخلائقَ كيف تنتصر لكرامتها!
ومنذ أن حطّوا ثيابهم الحديدية على أرضنا، وهم يستَنْطِقونَ حجارةَ الشّيطانِ لعلّها تقدّم لهم وثيقة أرخيولوجيا تمدّهم بشرعيّة، لن يجدوها، لأنهم لم يكونوا يوما هنا.
فكلّ ما في الأمرِ؛ أن البيضَ الوحوشِ، المسلّحين بالمسدس اللامع السريع، الملغومين بالعنصرية المقيتة، وبالأوهام التلمودية، وبالفوبيا من الأغيار..حاولوا، دون جدوى، أن يجلوا التصاويرَ والنّقوش الصخرية، فلم يجدوا إلا راقات زمنِ أهل البلاد، الموثَّق الطاهر الظاهر! ومع هذا اخترعوا بديلا..وجعلوا للخرافة قواماً لتأخُذَ الأرضَ البريئةَ، استنادا على ديماغوجيا مُلفّقة، لتبرير رجوعهم إلى الوطنِ المُقدَّس وأرض الرّبّ! وألحفوا، عبر الإعلام والصورة والخَبَر، على تهويد المعرفة في العالَم..ومع هذا؛ خسروا المرافعة، وخرجوا من إطارٍ احتكر صورةَ الضحية عقودا ثقيلة.
سيَخرجونَ من البئرِ المظلمة، بفعل النار المطهّرة، وستبقى أرواحُهم في عتمة الرّطوبةِ الدموية اللزجة..ولن يجدوا غير التّيه سبيلاً للنجاة، فربّما استيقظت جِيناتُهم الأولى، وسيكفرون، ثانيةً، بالنبيّ، وسيعبدون العِجل، وينكرون المَنّ والسلوى..وربما لن يلقوا غير حطب بعيد، لن يُغني ولن يُسمن من جوع.
أما أصحاب التراب، الذين تخلَّقوا من طينه، فليس لهم غير أنْ يَشربُوا النّاي في ضوءِ أعراسِهم القادمة، لأنهم أهلُ الماءِ والنّارِ والريح، وهم، وحدهم، مَن أيقظ العشب في شهقات الربيع، وطرّزوا السهول بأثوابها الباذخة.
وربّما يبقى الجرْحُ على دَمِهِ، ولن يتخثّر قريباً، لكننا نأخذ نعمانه، لنرسمَ به خارطةَ الغدِ، ليتوهّج، ويدلّ السائرين، ليعودوا إلى أرضهم الأولى، غير منقوصين.
ويسالني صديقي: ما هي أسماء الأخوة والرفاق الذين كنت معهم في الغرفه المغلقه بالقضبان الغليظه؟
انا أعرف أن لهم اسماً واحداً هو المذبحة، والآخرون يسمّونهم الشهداء مع وقف التنفيذ! أما أنا فأعتقد أن الأرض لها مائة اسم هي أسماؤهم.
وسأل: هل ستبقى البلاد، والطرقات موحشة، وخطوات الغرباء ثقيلة، والحصار على أشدّه، والزمن اثنان؛ زمننا البطيء المقيّد..وزمنهم المفتوح الحداثيّ كالمقصلة؟ نعم. الطرقات موحشة، ويسيطرون عليها بالسواطير والحرائق والرصاص والجنون! لكنّ أشجارنا وفيّة وتعرف كيف تبقى على عَرْشِها الأبديّ أمام البيوت، لتحميَ الربيع، وحتى لا يأخذه الجنود معهم إلى الموت.
قال: وثمة عويل طويل يقطّع الليل ويذبح الأوردة؟
نعم .إنه رذاذ التراجيديا المصوّحة، ودموع المظلمة الباهظة ودماء صغارها، وثمّة فتى يكتب بفرشاة الألوان على الحيطان، ما يشقّق الوحشة، ويشقّ الباب، ليدخل النور، ويبدأ النداء.
وقد يبدو أنّ درس العودة، اليوم، في الطين الموحل، والصنوبر الجاف يضخّ هواءً قديماً، وأُمّ الشهيد لا تجد رغيفا أو يدا على كتفها، لكنّها تعي جيّدا أن لحم التفاحة يغري الكسالى، الذين ينامون حتى القلق، والبندق المشعّ في عينيّ الذئبة لا يجد أرضاً ينبت عليها، وأنّ السبحة الحجرية تصطك مثل أسنان المذعور في يد الخائن، الذي لايدري كيف يخطب..أمام الناس.
لعل هذه السنة للظمأ والجحيم، الذي يخنق الكوخ ويشويه، لكنّ مياها كثيرة ستدفق في الحقول، حتى تستعيد الحياة، من جديد.
بيومِ الأرض؛ سنَتلوَ فاتحةَ الأحياء.
بيوم الأرضِ؛ تعودُ الأرضُ لتعلنَ خاتمةَ الأشياء.
الكاتب : المتوكل طه
*
أحمد قعبور من أسماء المقاومة وفلسطين، بصوته الجامح الحاسم المقتحم الجَمْريّ، الموّار بالصعود والمدّ والثبات. كبرنا على إيقاعاته فكبرت فينا الغابات. وصدحت أغانيه في الساحات وعلى الحواجز وخلف القضبان، فكان النسغ النّاري الذي أحرق العتمة، وأيقظ الخيولَ الوحشيّة في أنهار الروح. وكانت أغانيه طيورا أسطورية تدفّ من الجنوب اللبناني، فتغطّي بأقوادمها التلال والسهول الفلسطينية، وتحطّ عند نقاط الاشتعال وعلى القباب.
أحمد قعبور ومارسيل خليفة والشيخ إمام، وحتى وقت قريب، كانوا تاريخنا المتعالي المتجاوز، الذي فرشَ ومهّد وأصّل المدارك، ودبّ الحرائق في العتمات.. وأعان القلب لأن يحتشد برمّانه الساخن، ويضيء في ليل القتلة قناديلّه العائدة.
*
قبل بضعة أعوام؛ تمّ تسميتي مع أحمد قعبور والروائي مروان عبد العال، لحصولنا على جائزة "الابداع المُقاوم"، فكانت أكثر من جائزة، إذ اقترنت بهذا الصوت المُشْرع كالنخلة السامقة. وعلى إثرها؛ جاءني طفلٌ لبناني أو فلسطيني، في المنام..لا أذكر تماما! لكن له ذات الوجه والملامح، وقال لي: لا تردموا البئر مرة أخرى! أرجوكم! ففي القاع خاتمي، وعلى طبعته نقشٌ يظهر صورتي مع الوَحشيْن.
وفي ذات معتقل؛ قيّدوا يديّ، فتسربت الكهرباء إليّ وهزتني، فصعقت أعصابي وحرقت رسغيّ وشعطت قلبي..ورجّتني حتى تلقلق عظمي بين لحمي، وسكبت ماء النار والفلفل في مفاصلي..ولم أثب إلا على إيقاع صوتك البحريّ الساطع.
..وماذا فعلت؟
كنت أغنّي وأدندن بصوت عالٍ، فساقوني لسرير الكهرباء..غير أن أغنيةً شمالية أنقذتني..وما زالت تملأني بالجلّنار.
اصرخْ يا أخي ب"نحنا الناس"! حتى يتزلزل الكون. ووجّه صراخك للدنيا، فهي كهف الخرافات الذي يمتصّ كلّ الرعود وتأوب إليها كل الأصداء. اصرخ "وأقول أفديكم" حتى يتشقّف صخر الجبال، ويتمزّع وجه الجرود، ويتطاير البحر قطعاً في كل مكان. اصرخ إلى أن تذوي كلّ الأصوات وتنوس ألسنة الخلائق وتخرس نداءات الإنفعال. اصرخ لتنفخت آذان المنصتين المُرجفين، وتنعقد ألسنة الحكّائين. اصرخ حتى يسمع سكان السماوات رجّة الصدى. واصرخ حتى لا يجوح أو يبكي أو ينادي من له فم وأشداق مجّانية. اصرخ فإن هذا العالم لا يرى ولا يتكلم ولا يسمع إلا ما يريد، فليسمع ما نريد.
يا مُغنّي القلعة المحكومة بالصمود والحنان والبساطة المنداحة والأمومة الحارسة للمواقد! نحن لا نتمتع بريحانة الفِراش القابل للتقلّب وتغيير الأثواب والأصوات. لأننا من فلذة الحجر وحمأة المصاطب. ولا أعلم الفرق بين امرأة موجة، وامرأة رملية، بقدر ما أحاول أن أثبت للطفلة أمّها، وللاُمّ طفلتها.
ويا أغنيتكَ السّارحة الجارحة الواضحة الجامحة بالأحلام وآلآم الحمل والولادة..
لن نطيق الشتاء الساخن دون أثافي الأمومة المتحوّلة. ولن يحلو الربيع دون طائرات الورق ومناغاة الحليب والخربشات الغامضة. فافتح جنةّ الدنيا لننسى جهنّم الحرب المجنونة، التي توزّع خرابها وشظاياها وأيتامها في كل الجغرافيات البائسة. وإذا أحسست بأنّ الحياة هي جهنم الدنيا، فاخشع وأنت في تقمّص الشهيد، واستذكار كربلاء الممتدة..وعندها سنفرّ كالحلم الأخير من الليل الباقي في الهزيع والقتاد. وها هي السماوات بغنائها معنا. أفلا تبصرون؟
إن يوما جنوبيا يترسّم أغنيتك كفيلٌ بخلق ألف أغنية عميقة خضراء، تُغطّي الأرض والسماء.
وقريبا، وعند بوابات البحر، سيرى الصدفُ رحيل الغرباء عن كهوفه البريئة، وسنعي دعوته لزيارتك الغائبة الممكنة، ورؤية بيوت الأطفال الرميلة، وزلزلة الموج واندياح جدرانها الرخوة. وربما..ربما، عندئذ، أحاول أن أكون عصرياً يليق بموسيقى تريدها منّي منذ زمن على لحنك البعيد.
أيها المُغنّي! الذي لم تفرش له أُمُّه مزودة العنكبوت، ولم تنصب له خيمة النزوح! بل تركته حتى يصل، دون دليل، إلى اللحن الساهي في الحروف المتّقدة!
ولا حدود للحارة أو الحيّ في بلدتك البسيطة، لكنّ جهاز الاتصال الذي اجتاحها، شوّش النهر، الذي يغذّي الأعذاق، لكنّ أسماكه ظلّت ملّونة، في القاع بين تجاويف الصخور الراسخة.
ولعلك أبصرتَ مشهد اللجوء!
فقراءٌ يَلتْحَفوُنَ الغيومَ، ويلفِعُونَ الأطفال بالضَّفاَئِر ويَحُبوّنَ الحياةَ، فتنشَّقُّ السماءُ وتشهقُ، لتباركَ سواعدهمُ المُطرّزةَ بالأعشاب والندى.
ويتصاعدُ الأرجوانُ يسربلُ اغصانَ البرق ويكسرُ الدُجى الثقيل. فتعشقُ غيمةٌ بكْر غيمةً تُشبهها، ليظلَّ الرعدُ إيقاع القوافل العائدة بالكُحْلِ والخواتم والحداء.
وعندما عاد أبوك مُرهقاً آخر ذلك النهار، وجدك نائماً..فقال: دَعوهُ يَحلم، فإنه سيُحيل السنينَ العجافَ إلى خوابٍ وندى، إتركوهُ في حَمْأة الشَمسِ يُؤَسّسُ نَشيدنَا القزحيَّ، وامشوا على خُطى أنبيائكم أيُّها اللاجئون..ودعوهُ يَحلم!
سيخرجُ من فُصولِ سِنيّكم ومراحل دوائركُم الرماديّةِ، ليمتطيَ صهوةَ الحجارة واللظى..ليرفضَّ من روحِ حلمهِ بركانُ الوضوح، ويغطّي صفيحكم بأرجوان سبحاته ومشاويره الدامية.
و..دعوه يحلم.
وبعد عقود قليلة؛ وجدوا أنفسهم..فَخرجَ الفتيانُ تحت المطر الشرس، يفتحون قمصانَهم، ويرفعون رؤوسَهم، كأنّهم يَعبّون الغيومَ، ويتنفسّون أقواسَ قزح، ويغتسلون بالسحاب، ويعودون، والبخارُ يتفشّى حولهم، وينضحُ من أبدانهم الفتيّة الساخنة. كان ذلك أيام الانطلاقة الفاتحة..كما كان ذلك أيام الانتفاضة العبقرية..
وأغنية أحمد قعبور تؤوّب في صدورهم.
ولهذا سيقولون: الحنّون المُضْمَر في الثوب المُسْدل على أكتاف الشجرة الأُمّ، بات معزوفة سماوية ترحب بالطيور، ويدعوها للحياة.
لقد لَبّت النداء، وامتلأت ب "أناديكم".
بيروت - واثق نيوز- غيب الموت اليوم الخميس، الفنان اللبناني أحمد قعبور عن عمر يناهز الـ70 عاما بعد صراع مع المرض، وهو أحد أبرز الأصوات التي كرست مسيرتها للدفاع عن القضايا الإنسانية والوطنية. فقد شكلت أغانيه أداة تعبير سياسي واجتماعي، وعكست هموم الناس.
وارتبط اسم قعبور بما يُعرف بـ"الأغنية الملتزمة"، حيث قدم أعمالا بارزة، في مقدمتها أغنية "أناديكم" عام 1975، التي تحولت إلى واحدة من أبرز الأناشيد المرتبطة بالقضية الفلسطينية. كما تناولت أعماله قضايا الفقر والعدالة والهوية والحرية.
وإلى جانب "أناديكم"، برزت له أغنيات عدة، منها "جنوبيون" و"نحنا الناس" و"يا رايح صوب بلادي" و"يا ستي".
ولم يقتصر حضوره على الغناء، إذ بدأ مسيرته الفنية ممثلا، وشارك في عدد من المسرحيات خلال السبعينيات والثمانينيات، من بينها مسرحية "شي فاشل" مع زياد الرحباني عام 1983.
كما ظهر في فيلم عن سيرة ناجي العلي إلى جانب نور الشريف عام 1991، وخاض تجربته السينمائية الدولية من خلال أدائه دور وديع حداد في الفيلم التاريخي "كارلوس"، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان كان السينمائي عام 2010.
وُلد أحمد قعبور في بيروت عام 1955، ونشأ في بيئة فنية، فوالده كان من أبرز عازفي الكمان في لبنان. وتخرج في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية عام 1978.
ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، انخرط في العمل الشعبي، وتزوّج من الفنانة التشكيلية إيمان بكداش، وأنجبا سعد ومروان.
ومع انطلاقة تلفزيون المستقبل، التي أسسها رئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري، أسهم في برامج موسيقية، مثل "لعيونك"، و"روح شوف مستقبلك"، بالتعاون مع فرقة "الطرابيش".
وقد أعرب عدد من السياسيين والشخصيات العامة عن حزنهم العميق ونعوه، مشيدين بإسهاماته الوطنية والفنية التي خلدت اسمه في ذاكرة اللبنانيين.
الكاتبة: مريم مشتاوي
في لحظات الخطر، حين يضيق الوقت، وتتسارع الأنفاس، ويصبح القرار أثقل من القدرة على احتماله، يكتشف الإنسان ما هو الأهم، الأهم ليس ما يملكه، إنما ما يحبّه.
في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث جاءت التحذيرات كظل ثقيل يسبق العاصفة، لم يكن المشهد مختلفاً عن مشاهد النزوح التي باتت مألوفة، حقائب تفتح على عجل، أبواب تغلق دون وداع، وذكريات تترك كأنها لم تكن!
غير أن حكاية واحدة، في زاوية من هذا المشهد، خرجت عن المألوف.
امرأة لبنانية عاشت أربعين عاماً في منزل واحد، جمعت فيه تفاصيل عمر كامل، صوت الصباح، رائحة القهوة، وزوايا تحفظها كما تحفظ ملامح وجهها. ومع ذلك، حين جاء وقت الرحيل، لم تأخذ شيئاً من كل ذلك.
لم تحمل أثاثاً، ولا مقتنيات، ولا حتى ما يمكن أن يختصر في حقيبة صغيرة. حملت قططها.
أربعون قطة، وربما أكثر، كانت بالنسبة لها أكثر من مجرد حيوانات أليفة، كانت عائلة. تقول ببساطة تختصر المشهد: هني عيلتي.
ما نتمسك به في لحظات الخطر، ليس بالضرورة ما يراه الآخرون مهماً إنما ما يمنحنا معنى الاستمرار.
يطرح هذا المشهد سؤالًا يتجاوز الحكاية نفسها، ما الذي يدفع إنساناً، في لحظة نجاة، إلى التمسك بما قد يبدو للآخرين عبئاً؟
الجواب، على الأرجح، يكمن في طبيعة الحب ذاته. الحب لا يخضع لحسابات المنطق، ولا يلتزم بما هو عملي أو ضروري، وفق المقاييس التقليدية. حين يكون حقيقياً، يصبح هو الضرورة الوحيدة.
في أزمنة النزوح، لا تختبر القيم بالشعارات، بل بالأفعال. هناك من ينجو بجسده فقط، وهناك من يحاول أن ينقذ ما تبقّى من روحه. وهذه المرأة، في قرارها، اختارت أن تنقذ روحها.
قصتها لا تختصر بحكاية قطط، إنما تمتد إلى معنى أعمق… معنى الانتماء، والعلاقة التي تتجاوز اللغة ولا تحتاج إلى تفسير. لم ترَ فيهم عبئاً.. رأت فيهم امتداداً لذاتها.
في عالم يزداد قسوة وبرودة، تأتي هذه الحكاية كنافذة إنسانية صغيرة، تذكّر بأن الرحمة لا تزال ممكنة، وأن الإنسان، رغم كل الظروف، قادر على أن يختار الحب.
قد تبدو القصة بسيطة، لكنها تحمل سؤالًا جوهرياً.. ماذا نحمل معنا حين نجبر على الرحيل؟ هل نحمل ما نملك، أم نحمل ما نحب؟
في الإجابة، يتحدد الكثير. هذه المرأة لم تحمل أشياءها. لقد حملت قلبها.. ومضت.
حين يعذّب طفل ماذا يبقى من العالم؟
في لحظات نادرة، لا تعود اللغة قادرة على أداء وظيفتها. تتراجع الكلمات، وتتبعثر الجمل، ويقف التعبير عاجزاً أمام مشهد يفوق الاحتمال. ليست كل المآسي قابلة للوصف، وبعضها يخرج من حدود اللغة إلى مساحة أشد قسوة، مساحة الصدمة الصافية.
ما يتداول من مشاهد لطفل رضيع في غزة، يقال إنه تعرّض للتعذيب أثناء التحقيق مع والده، ليس مجرد خبر عابر في شريط الأحداث المتسارعة. هو لحظة فاصلة، تختبر ما تبقّى من قدرة العالم على الإحساس.
الطفل، بطبيعته، خارج كل الحسابات. لا ينتمي إلى طرف، ولا يحمل موقفاً، ولا يفهم معنى الصراع. وجوده في أي سياق عنف، هو في حد ذاته انهيار للإنسانية بكل أشكالها، لكن ما تكشفه مثل هذه المشاهد، يتجاوز الفعل نفسه. إنه يكشف عن تحوّل أعمق، أكثر خطورة، تحوّل في قدرة البشر على الاعتياد!
الاعتياد على الألم، الاعتياد على رؤية الظلم، والمرور عليه، كما لو أنه تفصيل آخر في يوم مزدحم بالأخبار.
في غزة، لا تأتي الحرب كحدث طارئ، إنما كواقع يومي. تتسلل إلى تفاصيل الحياة، إلى البيوت، إلى الأجساد. لكنها حين تمس طفلًا، فإنها تتجاوز كل ما يمكن احتماله أو تفسيره. المشكلة ليست فقط في حجم الألم، إنما في عجز الطفل عن فهمه.
الألم، حين يقع على من لا يملك أدوات تفسيره، يتحول إلى شيء أكثر قسوة. لا يعود مجرد إحساس جسدي، بل صدمة وجودية، تترك أثرها في الذاكرة، حتى قبل أن تتشكل الذاكرة نفسها.
وفي مواجهة هذه الصور، لا يكفي الغضب العابر، ولا الحزن المؤقت. لأن الخطر الحقيقي يكمن في ما يلي ذلك، يكمن في العودة السريعة إلى الحياة اليومية، وكأن شيئاً لم يكن.
هذا الانفصال، بين ما نراه وما نعيشه، هو ما يسمح بتكرار المأساة.
ليست هذه الحادثة رقماً يضاف إلى قائمة طويلة من الانتهاكات، ولا خبراً يستهلك ثم ينسى. إنها اختبار مباشر لفكرة الإنسانية ذاتها. هل لا يزال هناك ما يمكن اعتباره خطاً أحمر؟
هل لا تزال هناك مساحة متفق عليها، يجمع فيها البشر على أن بعض الأفعال لا يمكن تبريرها، مهما كانت الظروف؟
في خضمّ النزاعات، غالباً ما تتداخل الروايات، وتتصارع التفسيرات. لكن هناك نقاطاً يجب أن تبقى خارج هذا الجدل. الطفل، في أي مكان، وتحت أي ظرف، يجب أن يكون خارج دائرة العنف.
حين يمسّ هذا المبدأ، لا يعود الحديث عن طرف أو آخر، إنما عن انهيار معيار أساسي، معيار الحماية.
وإذا سقط هذا المعيار، فإن ما يسقط معه ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل جزء من تعريفنا لأنفسنا كبشر.
قد لا تغيّر الكلمات ما حدث، ولا تستطيع إعادة ما فقد. لكنها تبقى محاولة للتمسّك بما تبقّى من المعنى. محاولة لرفض الاعتياد، وللتأكيد أن هناك ما يجب أن يبقى مرفوضاً، مهما تكرّر.
في النهاية، لا يقاس العالم فقط بما يحققه من تقدّم، إنما بما يحميه من هشاشة.
وحين يفشل في حماية طفل، فإن السؤال لا يكون عمّا حدث فحسب،
بل عمّا تبقّى.
*كاتبة لبنانيّة
القاهرة- واثق نيوز- فيما تعصف الغارات الدامية بغزة، تُثير نسخة درامية من الحرب عُرضت في وقت الذروة على التلفزيون المصري ويستمر عرضها على منصات أخرى، الجدل بشأن مشروعية تحويل المأساة إلى عمل خيالي.
صُوّر مسلسل “صحاب الأرض” الذي لا يزال متاحا على منصات البث، في استوديو صُمم الديكور فيه ليحاكي الوضع في القطاع الفلسطيني المدمر: مبانٍ مُحترقة، وخيام متهالكة، ومستشفيات مكتظة، وسط دويّ الطائرات المسيَّرة الذي لا ينقطع.
تفيد المعلومات أن المسلسل الذي عُرض خلال شهر رمضان، لم تتابعه سوى نسبة ضئيلة من الفلسطينيين المقيمين في مصر.
أما أولئك الذين يعيشون بين الأنقاض داخل القطاع المحاصر، على الجانب الآخر من الحدود، فيرون أن تجسيد المأساة التي يعيشونها على الشاشة له وقع قاسٍ عليهم.
يقول ياسر النجار النازح في مدينة رفح الحدودية إن “مشاهدة ممثل يبكي على جثة بلاستيكية غير حقيقية وأنا دفنتُ أختي قبل فترة (غير بعيدة) أمرٌ لا يُطاق”.
شاهد هذا الشاب الفلسطيني وهو في العشرينات من عمره، حلقة واحدة فقط من أصل خمس عشرة حلقة من المسلسل الذي تدور أحداثه حول طبيبة مصرية تُدعى سارة تؤدي دورها منة شلبي، وأب فلسطيني انفصل عن عائلته يُدعى ناصر يؤدي دوره إياد نصار.
تقول بيسان سيف، البالغة 30 عاما، وهي أمٌّ نزحت أكثر من عشر مرات داخل القطاع الذي مزقته الحرب لأكثر من عامين، “عندما تعيشين تجربة مرعبة كهذه، لن ترغبي في مشاهدتها على التلفزيون حتى لو كان الأمر مجرد تمثيل. مضت سنتان ونحن ما زلنا نحاول أن نلملم ما بقي لنا ونستعيد حياتنا كما كانت من قبل”.
أما حاتم أبو عرمانة، عضو اللجنة الوطنية الفلسطينية لكرة القدم للمصابين ببتر الأطراف، والذي شاهد عدة حلقات مع عائلته، فيقول “هذا المسلسل ليس لنا… صوت الانفجارات ورائحة الحرب محفورةٌ في صدورنا. لكن العالم بحاجةٍ إلى أن يرى ما حل بنا وما مررنا به”.
في غزة، حيث استشهد أكثر من 72 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، وثّق الصحافيون والسكان الحرب مباشرة.
ويقول الممثل الأردني إياد نصار إن المسلسل يهدف إلى إظهار البُعد الإنساني وراء عناوين الأخبار، في حديثه خلال برنامج “إنترتينمنت تونايت” الأمريكي.
“قبل أن تجف الدماء”
المسلسل من إنتاج شركة يونايتد ميديا سيرفيس، وهي مجموعة شركات على صلة بالأمن المصري، ومن إخراج المصري بيتر ميمي مُخرج المواسم الثلاثة من مسلسل “الاختيار” الذي مجّد دور الرئيس عبد الفتاح السيسي في الإطاحة بالنظام الإسلامي عام 2013.
ويبدو أن عمله الأخير مُصمّم لخدمة الأجندة السياسية الرسمية.
وُجهت انتقادات لمصر، أول دولة عربية وقعت اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1979، لتقاعسها عن اتخاذ أي إجراء حيال منع دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة والذي أشعل شرارة احتجاجات عالمية.
لكن مسلسل “صحاب الأرض” يُلقي باللوم كاملا على إسرائيل في إغلاق معبر رفح الحدودي بين مصر وغزة.
وانتقدت إيلا واوية، المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي باللغة العربية، المسلسل الذي قالت إنه “غسيل عقول” و”تزييف للحقائق”.
أما مشهد سائق شاحنة المساعدات المصرية في المسلسل وهو يُوجه إهانات مبطنة للإسرائيليين عبر الضغط على منبه سيارته، فقد فُسِّر على مواقع التواصل الاجتماعي على أنه رمز لعجز التضامن العربي.
يُبث المسلسل على التلفزيون وعبر منصات البث، وسط شعور متزايد بالإحباط في العالم العربي حيث لم يعد التضامن سوى مجرد لفتة رمزية عاجزة عن وقف القتل، على الرغم من عقود من دعم القضية الفلسطينية.
كما أثار الإعلان الترويجي للمسلسل جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، وانتقد أحد المستخدمين على منصة إكس “تحويل إبادة جماعية مستمرة إلى مادة ترفيهية قبل أن تجفّ الدماء”.
وكتب آخر “المعاناة تُعرض على التلفزيون على مدار الساعة، فلا حاجة لمسلسل”.
منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وحتى تشرين الأول/ أكتوبر 2025، استشهد ما لا يقل عن 677 فلسطينيا جراء القصف والغارات الجوية الإسرائيلية، وفق وزارة الصحة في غزة التي تديرها “حماس”، وتعتبر الأمم المتحدة أرقامها موثوقة.
(أ ف ب)
رام الله - واثق نيوز- أطلق الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين، بالشراكة مع التجمّع الدولي لاتحادات الكتّاب، وحركة الشعر العالمية، واتحاد كتّاب عموم أفريقيا، جائزة فلسطين الدولية للشعر، انحيازًا للحقيقة الفلسطينية في مواجهة الرواية الصهيونية المحرّفة، ونفاذًا للحلم الفلسطيني بالاستقلال وإقامة الدولة المستقلة.
وتقرّر أن تكون الجائزة سنوية، على أن تحمل في كل عام اسم شاعر قدّم لفلسطين وشعبها، وسيتم تشكيل مجلس أمناء للجائزة من كبار المبدعين في العالم، ويُعدّ رئيس مجلس الأمناء رئيسًا للجائزة، وسيضمّ المجلس شخصيات مرموقة ووازنة تحظى باحترام وتقدير الأوساط الثقافية. وستنقسم الجائزة إلى ثلاث فئات، يتم الإعلان عنها وتسليمها في فعالية مخصّصة، وفي بلد يحدده مجلس الأمناء.
وتُعدّ جائزة فلسطين الدولية للشعر الجائزة الوحيدة التي تنطلق من فلسطين إلى العالم، كما تُعدّ منبرًا من الأراضي المقدسة لكل شعراء العالم، وتسعى إلى تنشيط الشعراء الكونيين، والعمل على ترجمة الأعمال الفائزة لتحقيق التواصل الإبداعي العالمي مع فلسطين الثقافة.
وتهدف الجائزة إلى تعزيز الحضور الثقافي الفلسطيني في المشهد العالمي، وتعميق عملية التعريف بسؤال الهوية والمصير الفلسطيني، وتحقيق الحوار والتواصل بين شعراء فلسطين والعالم، وإلى تحقيق معادلة تحفيز الشعراء على الكتابة والمثابرة انتصارًا للقضية الفلسطينية، وتظهير القيم الروحية التي شعّت بها فلسطين في العالم، وتشجيع الشعراء، وخاصة الشباب منهم، على مزيد من التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته، وتكريمهم على ما قدّموه من إبداع محوره فلسطين.
وقد أطلق الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين في عام 2026 النسخة الأولى من الجائزة تحت عنوان "شهداء غزة الشعراء"، بعد موجة التضامن العالمي الكاسح مع الدم الفلسطيني في ظل الإبادة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية.
وحسب القائمين على الجائزة، يُشترط أن يكون العمل المقدم غير حاصل على جائزة، وأن يكون منشوراً وصادرًا عن دار نشر مؤهلة خلال السنوات الثلاث الأخيرة (2024. 2025. 2026)، وأن يتعهّد المتقدّم بالعمل بعدم مشاركة عمله في أي جائزة أخرى، وأن يقرّ بمسؤوليته عن وجود أية مخالفات تتعلق بالملكية الفكرية، واحترام قرار لجنة التحكيم للجائزة. كما يجب على المشارك تعبئة استمارة المشاركة عبر الموقع الرسمي للجائزة، مرفقًا سيرته الذاتية مع ثلاث صور شخصية.
وقد أُقرّت القيمة المادية لجائزة فلسطين الدولية للشعر بمبلغ 4000 دولار أميركي، كما أُقرّت جائزة فلسطين الدولية للترجمة، ويُشترط أن تعنى بترجمة الشعر الفلسطيني إلى لغات أخرى، وقيمتها 3000 دولار أميركي، إضافة إلى جائزة فلسطين الدولية لدراسة أو نشر الشعر الفلسطيني، وتُمنح لناقد أو باحث أو ناشر أو مؤسسة، وقيمتها 3000 دولار أميركي.
وقال الأمين العام للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين مراد السوداني: "نشكر الرئيس محمود عباس على دعمه لهذه الجائزة والتي تأتي بالشراكة مع ثلاث مؤسسات دولية كبرى داعمة للقضية الفلسطينية وثقافتها المقاومة، انتصاراً للأدب الفلسطيني والشعرية الفلسطينية وانحيازاً ودعماً لفلسطين وثقافتها التي تتعرض للاستلاب".
بدوره، قال رئيس التجمع الدولي لاتحادات الكتاب، الكاتب الروسي يوري كونوبليانيكوف: "فلسطين اليوم رمز حيّ ودائم للأرض، وهي الرابط الروحي بين شعوب الأرض. ونحن نتضامن معها، ونؤمن بقوة وحق الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل حريته وإقامة دولته كاملة السيادة".
من جهته، قال رئيس حركة الشعر العالمية، مدير مهرجان ميدلين الدولي للشعر، الشاعر الكولومبي فيرناندو ريندون: "إنه لشرف عظيم أن ندعم دون قيد أو شرط الدعوة إلى جائزة الشعر العالمية لفلسطين. نحن ملتزمون بنشرها وتعميم هذا النداء بين شعراء العالم الذين يحملون شعراء في قلوبهم غز وفلسطين، ويتمنون لهذا الشعب الحبيب نور الحرية".