الكاتب: سمير الجندي
على حدود المطارات، حيث تمر الجنسيات كنسيم عابر، يقف الفلسطيني كأنه سؤال لا يريد العالم أن يجيب عنه.
يمد وثيقة سفره، لا كمن يقدم جوازا، بل كمن يقدم حكاية عمر كامل.
يتناولها الشرطي بنظرة حذرة، يقلبها بين أصابعه كأنه يفتش في الورق عن سر خفي، ثم يرفع رأسه بالسؤال الذي صار مألوفاً حد الوجع:
هل أنت فلسطيني؟
فيجيء الجواب هادئا، بسيطا، لكنه محمل بتاريخ من الصبر:
نعم… والحمد لله.
لحظة صمت قصيرة تمر بين السؤال والجواب، كأنها المسافة بين وطن ضائع وكرامة باقية.
ثم يتدارك الموظف عبارته الرسمية:
"أهلا وسهلا بك في بلدك الثاني."
أي بلد ثان هذا الذي يبدأ بالانتظار؟
وأي ترحيب هذا الذي يقود صاحبه إلى كرسي في زاوية باردة من صالة العبور؟
يجلس الفلسطيني هناك، كأنه ظل لا يراه أحد.
تمر أمامه الجوازات بألوانها المختلفة، كأسراب طيور تعرف طريقها إلى الأعشاش.
يأتي فوج… فيعبر.
ويأتي فوج آخر… فيبتسم له الموظف ويختم جوازه بيسر وود.
أما هو، فيظل جالسا،
بين ساعة وساعة،
بين نظرة وأخرى،
كأن الزمن قرر أن يتوقف عند اسمه.
تمر الساعات بطيئة كسلحفاة هندية تسير امتار قليلة في ساعة.
وكلما سأل، جاءه الجواب نفسه، باردا كالمعدن:
لم يأت الرد بعد.
أي رد هذا الذي يحتاج كل هذا الوقت؟
أهو رد على جواز سفر، أم على وجود إنسان؟
هناك، على ذلك الكرسي الصغير، يكتشف الفلسطيني شيئا يعرفه منذ زمن:
أن اسمه في المطارات ليس اسما فقط،
بل قضية.
وأن هويته ليست وثيقة،
بل اختبار صبر.
وحين يطول الانتظار حتى يثقل القلب، يقف بهدوء،
يتقدم نحو الشباك،
لا غضب في صوته، ولا رجاء، بل تعب عميق يشبه الحكمة.
يقول لهم:
إن لم تكن لديكم رغبة في دخولي بلادكم،
فهذا حقكم… فهي بلادكم.
لكن أعيدوا إلي جواز سفري،
فلم يعد لدي رغبة بالدخول.
لقد عافتها نفسي.
وحين يلتفت ليغادر، لا يغادر المطار فقط،
بل يغادر وهما قديما كان يراوده:
أن الطريق في هذا العالم مفتوحة للجميع.
فالفلسطيني،
حتى وهو يحمل جواز سفر،
يبقى في عيون كثيرة…
رجلا يحمل وطنا بلا حدود،
لكن بلا بوابات أيضا.
وكأن قدره أن يبقى دائما
واقفا بين أرضين،
لا يرفضه الطريق تماما،
ولا يرحب به الوصول.



