الكاتب: سمير الجندي
في كل طريق أمشيه بعيدا،
تنهض من تحت جلدي مدينة لا تغادرني.
تمشي معي،
كأن شوارعها خيوط من نور مشدودة إلى القلب.
أحمل أزقتها في دمي،
وحجارة بيوتها في نبضي،
فإذا تعبت من الطرقات الغريبة
جلست على حافة ذكرى
وأصغيت إلى وقع خطوات قديمة على نغم بيات وسيجا
كانت تعرف الطريق دون أن تسأل الزمن.
هناك…
كنت أمشي ولا أحصي الأيام،
ولا أضع للوقت ميزانا.
كان العمر نهرا
يجري صافيا بين ضفتي الطفولة والرجاء.
ثم مضى النهر…
وأخذ معه سواد الشعر،
وترك على الرأس غبار السنين.
الربيع يأتي كل عام
بثوبه الأخضر،
يمضي ثم يعود كأن الأرض تحفظ عهده.
لكن ربيع العمر
حين يرحل
لا يعود.
يا غربتي…
أيها الظل الطويل الممتد بيني وبين المدينة،
أي دواء لك
غير حفنة ذكريات
بقيت هناك
تتوهج مثل قناديل صغيرة
في زوايا القلب؟
تبدلت الدنيا،
وانطوت الخطوات
كما تنطوي صفحات كتاب قديم.
لكن الحجارة…
تلك الحجارة العتيقة
ما زالت واقفة في صبر الأنبياء،
لا تشيخ
ولا تنسى أسماء العابرين.
مدينتي ليست مدينة فحسب،
إنها مقام في الروح،
لوحة زيتية في الوجدان
لا يبهت لونها مهما تعاقبت الفصول.
هناك تقيم الذاكرة
وتفتح أبوابها كل مساء،
هناك يقف الحنين كأنه صلاة طويلة.
إنها
المدينة التي لا تسكن الجغرافيا وحدها،
بل تسكن القلب
كما تسكن الروح جسدها.



