بقلم: واصل الخطيب
رئيس التحرير
منذ نشأة الحركة الصهيونية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر، جرى تقديم المشروع الصهيوني بوصفه حلاً لما عُرف تاريخياً بـ"المسألة اليهودية"، أي مشكلة الاضطهاد والتمييز الذي تعرض له اليهود في عدد من المجتمعات الأوروبية عبر قرون طويلة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود على قيام إسرائيل، هو: هل نجحت الصهيونية فعلاً في حل المسألة اليهودية، أم أنها قامت فقط بنقلها من أوروبا إلى فلسطين، لتتحول من مشكلة اضطهاد تاريخي إلى صراع مفتوح مع شعب آخر ما زال يدفع ثمن ذلك حتى يومنا هذا؟
لقد نشأت المسألة اليهودية في سياق أوروبي خالص، مرتبط بالبنية السياسية والاجتماعية والثقافية للمجتمعات الأوروبية، وبالتناقضات التي رافقت صعود القومية الحديثة والدولة القومية. وكان اليهود، شأنهم شأن أقليات أخرى، ضحية للتمييز والإقصاء والمذابح في مراحل مختلفة من التاريخ الأوروبي. لكن الحركة الصهيونية، بدلاً من السعي إلى معالجة جذور المشكلة داخل المجتمعات التي أنتجتها، ذهبت نحو مشروع استعماري استيطاني يقوم على نقل اليهود إلى فلسطين وإقامة دولة قومية يهودية فيها.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى؛ فالمسألة التي نشأت في أوروبا لم تُحل في أوروبا، وإنما جرى تصديرها إلى شعب آخر لم يكن مسؤولاً عنها. لقد تحولت فلسطين إلى ساحة لتسوية أزمة الغرب مع اليهود، وإلى مختبر سياسي لتطبيق مشروع استيطاني مدعوم من القوى الاستعمارية الكبرى، بدءاً من وعد بلفور عام 1917 وصولاً إلى الدعم الغربي غير المحدود لإسرائيل في العصر الحديث.
القوة بديلاً عن الشرعية..
المشكلة الجوهرية التي واجهت المشروع الصهيوني منذ بدايته هي أنه افتقر إلى الشرعية التاريخية والسياسية والأخلاقية في نظر السكان الأصليين لفلسطين. ولذلك اعتمد منذ اللحظة الأولى على القوة باعتبارها الأداة الرئيسة لفرض الوقائع على الأرض.
فالشرعية الحقيقية لأي كيان سياسي تنبع من قبول السكان الأصليين به ومن توافقه مع مبادئ العدالة والحقوق الإنسانية. أما عندما يُقام كيان سياسي على أنقاض شعب آخر، عبر التهجير والاقتلاع والمصادرة، فإنه يجد نفسه مضطراً إلى الاحتماء بالقوة بصورة دائمة.
ومن هنا يمكن فهم الطبيعة الخاصة لإسرائيل بوصفها دولة لم تستطع حتى اليوم الانتقال من مرحلة التأسيس بالقوة إلى مرحلة الاستقرار بالشرعية. فكل إنجازاتها العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية لم تتمكن من إنهاء السؤال الأساس المتعلق بشرعية المشروع ذاته.
لقد حققت إسرائيل انتصارات عسكرية متكررة، لكنها لم تستطع تحقيق مصالحة تاريخية مع الشعب الفلسطيني، ولم تتمكن من تحويل تفوقها العسكري إلى قبول سياسي وأخلاقي في المنطقة. ولهذا السبب بقيت القوة العسكرية تشكل العمود الفقري لوجودها، وبقي الأمن هاجسها المركزي، رغم مرور عقود طويلة على تأسيسها.
قانون التحدي والاستجابة ..
يطرح المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي مفهوم "التحدي والاستجابة" باعتباره أحد القوانين الأساسية في حركة التاريخ. فالحضارات والمجتمعات تواجه تحديات مختلفة، ويحدد نوع الاستجابة لهذه التحديات مصيرها ومستقبلها.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى المشروع الصهيوني باعتباره استجابة معينة للمسألة اليهودية. لكن السؤال التاريخي هو: هل كانت تلك الاستجابة ناجحة؟
لقد استجابت الصهيونية للاضطهاد الأوروبي عبر إنشاء دولة يهودية تعتمد على التفوق العسكري والدعم الغربي والهجرة المستمرة. غير أن هذه الاستجابة ولدت تحديات جديدة أكبر من التحديات التي ادعت حلها.
فبدلاً من إنهاء حالة الخوف اليهودي التاريخي، أنتجت إسرائيل مجتمعاً يعيش هاجس الأمن بشكل دائم. وبدلاً من توفير الاستقرار النهائي، دخلت في سلسلة متواصلة من الحروب والصراعات والأزمات. وبدلاً من تجاوز منطق الغيتو الأوروبي، أعادت إنتاجه بصورة جديدة داخل دولة تمتلك جيشاً نووياً لكنها ما تزال تشعر بأنها محاصرة وجودياً.
وهكذا فإن الاستجابة الصهيونية للمسألة اليهودية تحولت مع الزمن إلى مصدر تحديات جديدة، ليس للفلسطينيين وحدهم، بل للمجتمع الإسرائيلي نفسه.
مأزق إسرائيل الوجودي ..
لا يتعلق المأزق الإسرائيلي بميزان القوى العسكري، فإسرائيل ما تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً هائلاً مقارنة بجيرانها. كما لا يتعلق فقط بالدعم الأمريكي والغربي الذي ما زال يشكل ركيزة أساسية لبقائها.
إن المأزق الحقيقي أعمق من ذلك بكثير، ويتمثل في التناقض بين القوة والشرعية.
فالدول تستطيع أن تستمر بالقوة لفترات طويلة، لكنها تحتاج في نهاية المطاف إلى شرعية أخلاقية وسياسية لكي تحقق الاستقرار التاريخي. وعندما تتسع الفجوة بين القوة والشرعية، تبدأ الأزمات البنيوية بالتراكم داخل المجتمع والدولة.
اليوم تواجه إسرائيل تحديات متزايدة على هذا الصعيد. فالصورة التي حاولت تقديمها لنفسها باعتبارها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" تتعرض لتآكل متسارع أمام مشاهد الحرب والاحتلال والاستيطان والحصار. كما أن الأجيال الجديدة في العالم، وخاصة في الغرب، باتت أكثر استعداداً لطرح أسئلة نقدية حول طبيعة المشروع الصهيوني وتاريخه وممارساته.
وفي الوقت نفسه تتعمق الانقسامات الداخلية داخل المجتمع الإسرائيلي بين المتدينين والعلمانيين، وبين اليمين واليسار، وبين اليهود الشرقيين والغربيين، وبين من يريد دولة دينية ومن يريد دولة مدنية. وهذه التناقضات لا تنفصل عن أزمة الهوية التي ما زالت ترافق المشروع منذ نشأته.
فلسطين بين الضحية والحقيقة التاريخية ..
إن جوهر المأساة الفلسطينية يكمن في أن الشعب الفلسطيني دفع ثمن جريمة لم يرتكبها. فالمذابح والاضطهادات التي تعرض لها اليهود في أوروبا لم يكن الفلسطينيون مسؤولين عنها، ومع ذلك وجدوا أنفسهم في مواجهة مشروع استيطاني جاء ليقيم حلاً لمشكلة أوروبية على أرضهم.
ولهذا فإن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يمكن اختزاله في نزاع حدودي أو خلاف سياسي عابر، بل هو في جوهره صراع مرتبط بسؤال العدالة التاريخية وحقوق الشعوب في أرضها ووطنها.
لقد حاولت إسرائيل طوال عقود فرض معادلة تقوم على أن القوة تخلق الحقائق، وأن الزمن كفيل بإلغاء الرواية الفلسطينية. لكن التجربة التاريخية أثبتت أن الشعوب لا تتخلى عن حقوقها بمجرد اختلال ميزان القوى، وأن الذاكرة الوطنية قادرة على الاستمرار عبر الأجيال مهما بلغت التضحيات.
بعد أكثر من قرن على انطلاق المشروع الصهيوني، تبدو المفارقة التاريخية واضحة: فالمشروع الذي قُدم بوصفه حلاً نهائياً للمسألة اليهودية لم ينجح في إنهاء الصراع، بل أعاد إنتاجه في صورة جديدة. وقد استطاع أن يؤسس دولة قوية عسكرياً واقتصادياً، لكنه لم يتمكن من حسم معركة الشرعية التاريخية والأخلاقية.
رفض ماركس هذا الطرح، واعتبر أن المشكلة لا تكمن في الدين اليهودي بحد ذاته، بل في طبيعة الدولة والمجتمع اللذين ينتجان أشكالاً مختلفة من الاغتراب والتمييز. ومن هنا ميز بين "التحرر السياسي" الذي يمنح الأفراد حقوقاً قانونية متساوية، و"التحرر الإنساني" الذي يقتضي إزالة الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل الإنسان خاضعاً للاستغلال والاغتراب.
ومن منظور ماركسي، فإن المسألة اليهودية لم تكن مشكلة شعب يبحث عن أرض، بل مشكلة مجتمع أوروبي عاجز عن تحقيق المساواة الفعلية بين مواطنيه. ولذلك لم يرَ ماركس أن الحل يكمن في إقامة دولة دينية أو قومية خاصة باليهود، وإنما في بناء مجتمع إنساني يتجاوز الانقسامات الدينية والقومية والطائفية لصالح المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية.
وعلى ضوء هذا الفهم، يمكن القول إن المشروع الصهيوني سار في اتجاه مغاير تماماً للرؤية الماركسية. فبدلاً من السعي إلى تجاوز الانتماءات الدينية والقومية الضيقة، أقام دولة تُعرّف نفسها على أساس قومي وديني محدد. وبدلاً من معالجة أسباب الاضطهاد داخل المجتمعات التي أنتجته، نقل المشكلة إلى فضاء جغرافي جديد، الأمر الذي أدى إلى نشوء صراع تاريخي مع الشعب الفلسطيني.
لقد كان ماركس يرى أن تحرير اليهود، كما تحرير المسيحيين والمسلمين وسائر البشر، لا يتحقق عبر إقامة كيانات دينية منفصلة، وإنما عبر تحرير الإنسان نفسه من علاقات الهيمنة والاستغلال والتمييز. ومن هذا المنطلق فإن أي حل تاريخي دائم للمسألة اليهودية، أو للمسألة الفلسطينية، لا يمكن أن يستند إلى منطق التفوق القومي أو الديني، بل إلى مبادئ العدالة والمساواة والحقوق الإنسانية المشتركة.
إن المفارقة التاريخية التي يطرحها الواقع المعاصر تتمثل في أن الصهيونية قدمت نفسها باعتبارها حلاً للمسألة اليهودية، بينما كان ماركس يبحث عن حل جذري يتجاوز المسألة اليهودية ذاتها نحو تحرير الإنسان من كل أشكال الاضطهاد. وبين المشروعين مسافة فكرية وسياسية شاسعة؛ أحدهما ينطلق من فكرة الدولة القومية الخاصة، والآخر ينطلق من فكرة التحرر الإنساني الشامل.
ولهذا فإن قراءة ماركس اليوم تفتح باباً مهماً للتساؤل: هل يمكن لأي قضية تاريخية أن تجد حلاً دائماً عبر القوة والحدود والجدران والأسوار، أم أن الحل الحقيقي يكمن في بناء نظام سياسي وأخلاقي قائم على المساواة والعدالة والاعتراف المتبادل بحقوق جميع الشعوب؟ هذا السؤال ما زال حاضراً بقوة في قلب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وربما سيكون أحد الأسئلة الحاسمة في رسم مستقبل المنطقة بأسرها.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه إسرائيل اليوم ليس كيفية امتلاك المزيد من القوة، بل كيفية الخروج من أسر القوة بوصفها المصدر الوحيد للوجود. فالقوة تستطيع أن تفرض الوقائع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع الشرعية أو أن تضمن الاستقرار الدائم.
وفي المقابل، فإن جوهر القضية الفلسطينية سيبقى مرتبطاً بحق شعب في الحرية وتقرير المصير والعدالة الوطنية، وهي حقوق لا تسقط بالتقادم ولا تلغيها موازين القوى المتغيرة. فالتاريخ يعلمنا أن الشرعية، مهما تعرضت للتهميش، تبقى في النهاية أكثر رسوخاً من القوة، وأن الشعوب التي تتمسك بحقوقها قادرة على تحويل التحديات إلى استجابة تاريخية تفتح أبواب المستقبل.



