الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
لم تنشأ حركات التحرر الوطني في العالم بوصفها أندية اجتماعية أو ألقاباً تمنح أصحابها مكانة ومكاسب، بل ولدت من رحم المعاناة والتضحيات، ومن إرادة الشعوب الساعية إلى الحرية والاستقلال. وكانت العضوية فيها تعني الاستعداد لتحمل المسؤولية والمخاطر ودفع الأثمان، لا التمتع بالامتيازات أو البحث عن الوجاهة الاجتماعية. لكن التجارب التاريخية لحركات التحرر، ومنها التجربة الفلسطينية، تكشف أن بعض المراحل قد تشهد انزياحاً تدريجياً في فهم العمل الوطني، بحيث يتحول التكليف النضالي من عبء ومسؤولية إلى مرتبة اجتماعية يسعى البعض إلى الحصول عليها لما تمنحه من نفوذ أو حضور أو مكاسب.
إن جوهر التكليف النضالي يقوم على مبدأ الخدمة العامة. فالقائد الحقيقي هو من يتحمل أعباء الجماعة ويضع مصالحها فوق مصالحه الشخصية، ويكون مستعداً للتضحية بوقته وجهده ومكانته من أجل القضية التي يناضل لأجلها. أما عندما يصبح الموقع التنظيمي غاية بحد ذاته، وتتحول المناصب إلى أدوات للوجاهة الاجتماعية، فإن الخطر لا يقتصر على إضعاف الأداء التنظيمي، بل يمتد إلى تشويه الوعي الجمعي وإفراغ العمل الوطني من مضمونه الثوري.
لقد كانت حركة فتح، منذ انطلاقتها، مدرسة في الفداء والتضحية. لم يكن الرواد الأوائل يبحثون عن لقب أو موقع، بل كانوا يتسابقون إلى ساحات المواجهة، ويعتبرون التكليف مسؤولية ثقيلة تتطلب المزيد من البذل والعطاء. وكان المناضل يقاس بحجم ما يقدمه لشعبه، لا بعدد المواقع التي يشغلها أو الألقاب التي يحملها. ومن هنا اكتسبت الحركة مكانتها التاريخية في وجدان الشعب الفلسطيني، باعتبارها حركة الكفاح الوطني التي قدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى.
غير أن التحولات السياسية والإدارية التي مرت بها الساحة الفلسطينية خلال العقود الماضية أفرزت في بعض الأحيان ثقافة مختلفة، تقوم على ربط المكانة الاجتماعية بالموقع التنظيمي أو الوظيفي. وأصبح بعض الأفراد ينظرون إلى التكليف باعتباره وسيلة للترقي الاجتماعي أو تحقيق النفوذ الشخصي، لا باعتباره أداة لخدمة المشروع الوطني. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، لأن الحركة الوطنية عندما تصبح سلماً للمصالح الفردية تفقد قدرتها على التعبئة والتجديد واستقطاب الطاقات الشابة المؤمنة بالتغيير.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تخلق فجوة بين القواعد الجماهيرية والقيادات التنظيمية. فالجماهير تدرك بالفطرة الفرق بين من يعيش همومها ويشاركها معاناتها، وبين من يتعامل مع موقعه بوصفه امتيازاً شخصياً. وعندما تتسع هذه الفجوة تتراجع الثقة، ويضعف الالتفاف الشعبي حول المؤسسات الوطنية، وتتآكل شرعية الأداء التنظيمي مهما كانت الشعارات المرفوعة.
ومن منظور فكري، فإن المناضل لا يكتسب قيمته من موقعه، بل من دوره. فالتاريخ الفلسطيني لم يخلد أصحاب المناصب بقدر ما خلد أصحاب المواقف. وما زالت أسماء الشهداء والأسرى والقادة الميدانيين محفورة في الذاكرة الوطنية لأنهم قدموا نموذجاً للعطاء والتضحية، لا لأنهم شغلوا مواقع رسمية أو تنظيمية. ولهذا فإن معيار النجاح في العمل الوطني يجب أن يبقى مرتبطاً بالإنجاز والكفاءة والالتزام، لا بالمكانة الاجتماعية أو الاعتبارات الشخصية.
واليوم، في ظل ما يواجهه شعبنا الفلسطيني من حرب مفتوحة على الأرض والإنسان والهوية، تصبح الحاجة ملحة لإعادة الاعتبار لمفهوم التكليف النضالي بوصفه مسؤولية وطنية وأخلاقية. فالمعركة الراهنة لا تحتاج إلى الباحثين عن الوجاهة، بل إلى أصحاب الإرادة والقدرة على التضحية والعمل الميداني والتنظيمي. كما أن إعادة بناء الثقة بين الحركة وجماهيرها تتطلب ترسيخ ثقافة المساءلة والكفاءة والالتزام، بحيث يصبح الموقع تكليفاً لا تشريفاً، وواجباً لا امتيازاً.
إن مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية مرتبط بقدرتها على استعادة روحها الأولى؛ روح الفدائي الذي يحمل قضيته قبل أن يحمل صفته التنظيمية، ويؤمن أن النضال ليس طريقاً إلى المكاسب الشخصية، بل طريقاً إلى الحرية والكرامة الوطنية. وعندما يعود التكليف النضالي إلى معناه الحقيقي، باعتباره مسؤولية ثقيلة في خدمة الشعب، ستستعيد الحركة قدرتها على التجدد والتأثير، وستبقى وفية للرسالة التي انطلقت من أجلها : تحرير الإنسان والأرض وصون الكرامة الوطنية.
فالأمم لا تنهض بكثرة الألقاب، بل بعظمة التضحيات، والحركات الثورية لا تقاس بعدد المناصب التي توزعها، بل بقدرتها على إنتاج المناضلين الذين يضعون الوطن فوق الذات، والقضية فوق المصالح، والمستقبل فوق الحسابات الضيقة. هذه هي المعادلة التي صنعت أمجاد الثورات عبر التاريخ، وهي ذاتها المعادلة القادرة على إعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني في هذه المرحلة المصيرية من تاريخ شعبنا.



