الكاتب : المتوكل طه
في رام الله، ومن متحف الشهيد الرئيس ياسر عرفات، وما يحمله المكان من رمزيّة عالية، تمّ الإعلان، رسميا، عن جائزة فلسطين العالمية للشِعر، بالشراكة مع التجمّع الدولي للكُتّاب، وحركة الشِعر العالمية برئاسة الشاعر فرناندو ريندون رئيس الحركة ومهرجان مديين الدولي للشِعر، واتحاد عموم إفريقيا الذي يضمّ أربعة وخمسين اتحادا، برئاسة الكاتب النيجيري والي أوكيديران. وأُعلن عن إطلاق فرع فلسطين في التجمّع الدولي للكتّاب، ومقرّه موسكو، بحضور رئيس التجمّع الكاتب والمسرحي البارز يوري بونوليكانيكوف.
إن هذا الحشد الكونيّ الذي يلتقي على أرض فلسطين، يعني أنها قِبْلة الدنيا المُعافاة والصحيحة، وأن العالَم الحُرّ قد تأكد أنها عتبة راسخة مضيئة لإطلاق روح الإبداع العالمي، من خلال هذه الجائزة السامقة، عبر الشِعر، باعتباره حالةً تبشّر بكلّ ما هو إنسانيّ، وينحاز للقيم المطلقة، ويزدهر في أزمنة المقاومة والصعود، والجموح المتوثّب نحو الخلاص، ويتغيّا الجَمال، في مواجهة البشاعة والاحتلالات والاستلاب، ويعلو بغنائه ليظلّل الكون بعروقه الساطعة.
إن هذه الجائزة هي انتصار لفلسطين، التي تواجه كلّ أشكال الفاشية والمحو والإبادة، وقتل الإرادة، بكلّ الطرائق الحضارية والمفردات الإنسانية. كما أن الشِعر ينتصر بفلسطين، التي أضحت نموذجا لقوّة الحياة، ومجابهة القوى العمياء والعنصرية المتغطرسة، التي تسعى إلى القضاء على مناحي الاستقرار والسلام والأمن والتنمية، في شتّى الدول، بمسوّغات استعمارية ومرافعات خائبة. وأعتقد أن هذا الحدث يعبّر عن أهمية الثقافة الفلسطينية، وخاصة الشِعر، الذي استطاع أن يُطبّق الآفاق، ما يستوجب أن تنهض المؤسسات المعنية لمواصلة الإفادة من زخم التضامن الدولي مع فلسطين، بعد أن أصبحت شوارع العالَم فلسطينية. وهنا أُسجّل الشكر والتقدير لما قام به اتحادنا، بجهود متواصلة حاسمة وجادّة، عبر حراك قارّيٍّ دؤوب ومنتم، للأمين العام للاتحاد أخي الاستاذ مراد السوداني، الذي ولدت على يديه هذه الاقتراحات الجَمالية والمساندة والكبيرة. وكان الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، قد أعلن في تموز الماضي عن إطلاق "جائزة فلسطين العالمية للشِعر" من كولومبيا، بالتعاون مع مهرجان ميديين الدولي وحركة الشِعر العالمية، كمنصة دولية تضامنية، وتستهدف الشعراء الملتزمين بالقضية الفلسطينية، مع جوائز مادية وترجمة للقصائد الفائزة. وتمّ الإعلان في ختام الدورة الـخامسة والثلاثين لمهرجان ميديين الدولي للشعر في كولومبيا، عن توقيع ستة وأربعين شاعراً عالمياً على بيان تضامن مع فلسطين..ما يعزّز الجبهة الثقافية العالمية المساندة لفلسطين ضد الاحتلال، وتوثيق جرائم الإبادة في غزّة.
إنّ فلسطين، ومع هذه الجائزة الاستثنائية، تثبت أنها قادرة على الفعل والتجاوز، وعلى اختراق الأسوار وصدّ الكوابح، وتستطيع أن تجد المسارب الممكنة لتحضر في كلّ مربّع، وتكون بكامل حمولتها وسرديّتها وخطاباتها، لتواجه تهويد المعرفة الذي صبغ الأدبيات في أماكن حيوية وكثيرة، ومكّنت النقيض من تمرير سياقاته المزوّرة ومقولاته الناتئة الفوقية، وجعلته يحتكر صورة الضحية، عقودا ثقيلة.
إن ما تنادي به هذه الجائزة هو أن تهبّ كلّ المؤسسات "الخاملة" الرسمية والأهلية الفلسطينية، لتجد الأبواب المناسبة، لفتحها على المشهد الدامي، للتخارج مع الملايين الشرفاء، على هذا الكوكب، الذين يؤمنون بفلسطين، باعتبارها عنوان المظلمة والملحمة.
وإن ما تقترحه هذه الجائزة العظيمة؛ يكمن في أننا لم نستنفذ أوراقنا، ومكوّنات قوّتنا الناعمة، ودبلوماسيتنا الشعبية، وأننا قادرون إن أردنا!
وإن حصول أيّ شاعر أو مبدع على جائزة، إنما هو تشريف لكل الشعراء والمبدعين، ووثيقة اعتراف موقرة، بكل ما أنجزه أدباؤنا وكتّابنا، وفي كلّ المجالات. كما أن هذه الجائزة سنوية، من أجل استقطاب كلّ الشعراء في العالم. وقد قام اتحادنا بتأسيس فرع حصري للتجمع الدولي للكتاب في فلسطين، وهو أول فرع للتجمع الدولي. ويأتي هذا الانجاز في إطار اتفاقيات تعاون تزيد على عشرين اتفاقية، وقّعها الاتحاد، خلال السنوات الماضية، في إطار خلق جبهة ثقافية عالمية من أجل فلسطين.
وسيظلّ الشِعر قادراً على الاختراق والحضور بهالته وسطوته وأناقته، رغم حالات الزبد والتشظي والحدود، وغياب النقد ودور النشر والمنابر، ورغم نداءات الإعدام الصادرة بحق هذا المقدّس المهيب.
ومع الألفية الثالثة، التي تتصدر بواباتها العولمة والكارتيلات الطائشة على الدماء، والاقتتال والتمزّق الإقليمي، والوباء الغامض المخيف، والأسواق المتحكّمة، والأسلحة المرعبة والتقنيات، وحيث تسعى التكنولوجيا إلى التقليل من حجم العالم، والتعمّق فيه، وتفكيك مكوّناته ودقائقه، وتغيير أشكاله بما في ذلك من توجيه من "إهانات" للطبيعة بقصد "تصحيحها"، وحيث تسعى السياسة إلى تقريب الحدود أو إلغائها، وإلى تجميع الكيانات من خلال بنك واحد أو صندوق مالي مشترك أو جوازات سفر لها قوّة السياحة والانسياح، وحيث يسعى الاقتصاد إلى تقزيم الحكومات وتفريغ الشعوب إلى مجرد مستهلكين، وحيث يتم السعي"للمهارة" و"الكفاءة" على حساب كل شيء وأي شيء، وحيث تسعى الفلسفة إلى فهم أو محاولة مقاربة هذه "النهاية" أو البحث عن أعداء محتملين أو كامنين، أو معرفة اتجاه التاريخ، وكأن البشر وصلوا حقاً إلى النهاية! وحيث يتّجه العقل البشري، مرة أخرى لفهم الأسطورة بوساطة التكنولوجيا، التي تؤسس أسطورتها، لأن للتكنولوجيا أساطيرها أيضاً..تبرز أهمية الابداع، لأن الشِعر سيجد نفسه قبالة تحديات أخرى كبيرة، بدءاً مما أفرزته دول العالم الأول في القرن العشرين، من صناعات لها وميضها النافذ، إلى ما أفرزته الإبداعات الأخرى من "متعة" و"فن" و "لذة"، وخصوصاً أن الألفية الثالثة، ستزيد من قوة الإبصار، وسيشكل البصر الدعامة الأولى والأكثر أهمية في تلقّي مكوّنات العالَم، وستشكل "الشاشة" قناة اتصالنا الأكثر ضرورية لنا، فكل شيء يتحوّل إلى معلومات على الشاشة، وكل شيء سنراه في الجهاز، وستتم رؤيتنا من خلال شاشة، ليس إلاّ! وستشكل هذه الشاشة علاقتنا مع العالم الذي سيتحوّل هو الآخر إلى صورة، وليس إلى كلمة. سنتحول إلى البصري على حساب المقروء. وفي هذه الأثناء، يطوّرون لغة عالمية تعتمد الصورة وليس الحرف "ليتعارف" البشر فيما بينهم، وما لغة الكمبيوتر المتعددة إلا جزء من لغة عالمية تشيع وتنتشر معتمدة في ذلك على "قوة البصر". وسيبقى أمام كلّ ذلك الشِعر، لأنه جميل، فيه فانتازيا حرّة، انسيابية، سائلة، وغرائبية لا حدود لها، ومنطق تختفي فيه الحدود والجغرافيا والمنطق، ما يجعل الشعر مغريا للآخرين "لاستغلاله".. فيفتحون نصوصهم على عروق الذَهب وشرايين البرق المضيئة فيه، لإكساب هذه النصوص تلك المسحة الخارقة من جنون الكلام، وشبق الركض في غابات من الغرائبية الرائعة.
إن "استلاب" الشِعر من قبل نصوص أخرى يدل دلالة قاطعة على أن ما في الشِعر، ذلك الغامض، والساحر في آن معاً، يشكل دائماً تلك الساحة الخلفيّة التي نتعرّى فيها أمام الشمس والريح، لندع أجسادنا تلتقط راحتها، ولأرواحنا أن تفيض كما تريد وترغب.
وإن ذهاب الفنون باتجاه الشعر، يدل أيضاً، على أن للشِعر قوة لا تنتهي.
وأقول؛ إن ما قام به اتحاد الكتّاب عبر أخي مراد، وبإصرار لافت وعناد وطنيّ، وما تركه الأدباء والمبدعون الفلسطينيون، طيلة سنوات صعبة، من خطوات وبصمات مضيئة، يفتح الآفاق إلى مزيد من تنظيم الأداء، وتضافر الجهود المخلصة، بعيدا عن الحرائق الصغيرة والمناكفات والصغائر، حتى نليق بفلسطين وتليق بنا.
مبارك لنا هذا الانجاز العظيم، ومبارك للشِعر. ومبارك أبا سيف.
الشِعر بريء، بدائي، غامض، ذاتي، تلقائي، مجنون. الشِعر اختراع قديم قديم، بل حاجة لا بدّ منها. الشعر ابن الخوف والتضرّع والتأمل، والشعر ابن النزعات والرغبات والخلجات الأولى.
وكما هو الأمر دائماً..الشعر يبقى، وما بعده يزول .
الكاتبة : أسماءناصر أبو عياش
قد يبدو الحديث عن الثقافة والفن في زمن القصف والدمار وكأنه خيانة للواقع، أو ترفٌ لا يليق بظل المجازر والدم النازف. لكن، في خضم المجزرة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، ينهض سؤال أكثر جذرية: هل الحديث عن الثقافة أمر غير أخلاقي؟ أم أن التمسك بها هو من أشكال المقاومة القليلة التي لا يمكن قصفها؟
في كل نضال خاضته الشعوب من أجل البقاء، كانت الثقافة في صميم المعركة لا على هامشها. من جنوب أفريقيا، إلى الجزائر، إلى أميركا اللاتينية، وحتى في قلب أوروبا زمن الحرب، لم يتوقف الشعراء عن الكتابة، ولا الفنانون عن الرسم، ولا المسرحيون عن الوقوف على الخشبة، ذلك لإداكهم أن المعركة الحقيقية لا تُخاض فقط بالسلاح، بل في حقل المعنى، والمعنى هو جوهر الثقافة، فالثقافة ليست ترفًا، بل هي شرط من شروط الوجود، فحين يُقال إن الفن ترف، يُفترض ضمنًا أنه بعيد عن الجوع، والسياسة، والألم، والاحتلال. لكن الحقيقة أن الثقافة هي ما يُبقي الشعوب متماسكة حين تتكسر المدن؛ إنها البنية الرمزية التي تحفظ الذاكرة وتُعيد ترتيب الفوضى.
عدوان ممنهج على الذاكرة والبنية الثقافية ..
منذ نكبة 1948، استهدفت العصابات الصهيونية المنجز الحضاري والثقافي الفلسطيني، فمحَت الحواضر، وهدمت المكتبات، وطمست المعالم. ويكفي أن نعلم أن مدينة يافا، التي كانت عاصمة للثقافة العربية قبل الاحتلال، تعرضت لعملية محو ممنهجة شملت شوارعها ومكتباتها ومسارحها وإرثها الحضاري.
واليوم، في ظل المقتلة التي يعيشها قطاع غزة بفعل العدوان الإسرائيلي المتواصل، يتكرر المشهد نفسه لكن بأدوات أكثر تدميرًا. فالعدوان الأخير لم يضرب فقط البيوت، بل دمّر بنية ثقافية عريقة لطالما تميز بها هذا القطاع الصغير في الجغرافيا، الكبير في رمزيته وتاريخه.
أولاً: تدمير البنية التحتية الثقافية
تعرّضت مراكز ثقافية ومكتبات عامة ومسارح ومتاحف للقصف الكلي أو الجزئي. مراكز كانت تحتضن العروض والمواهب والذاكرة، سُويت بالأرض، أُغلقت مدارس الفنون والموسيقى، وتوقفت أنشطة ثقافية كانت تُعد متنفسًا وحاضنة لأجيال من المبدعين.
ثانياً: تقييد حرية التعبير
في زمن الحرب، تصبح حرية التعبير مهددة من جهات متعددة: الخوف من القصف، الرقابة الاجتماعية، والانهيار العام في بنية الحياة. كثير من الفنانين والكُتّاب باتوا عاجزين عن التعبير، بعضهم يمارس رقابة ذاتية خشية أن يُساء فهم عمله الفني. يقول أحد الرسامين في غزة: "لا أستطيع رسم ما أشعر به، لأن اللوحة قد تُفسَّر كتهديد، أو تُستخدم ضدي."
ثالثاً: ضياع التراث المادي وغير المادي
تعرضت مواقع تاريخية في غزة لأضرار مباشرة منها بيت العَلَمي في حي الشجاعية، ومسجد السيدة رقية الذي يعود لمئات السنين، إذ أن القصف لم يميز بين الحجر والبشر، فطال المعالم التي تحفظ ذاكرة المكان.
أما التراث غير المادي، من حكايات وأغاني وأمثال ولهجات، فقد بدأ يتآكل، فقد أدى النزوح والخوف وغياب البيئة الداعمة، إلى تراجع حضوره في الحياة اليومية. تقول الدكتورة نهى عطا الله، أستاذة التراث الشعبي: " في كل مرة تُقصف فيها غزة نخسر شيئاً من ذاكرتنا، ليس فقط البيوت بل الأغاني والقصص واللهجات والمناسبات."
رابعاً: مقاومة ثقافية رغم الدمار
ورغم كل هذا، لا تزال غزة تُبدع من قلب الرماد؛ الفنانون يرسمون على الجدران المهدّمة، الشعراء يكتبون في الظلام وناشطون يطلقون مبادرات مثل "فن على الحيطان" و"غزة تقرأ"، في محاولة لصون الهوية من وسط الأنقاض.
تقول الشاعرة إسراء حلس: "نحن لا نكتب شعراً فقط، نحن نكتب وجودنا. فالكلمة عندنا ليست ترفاً، بل أداة بقاء."
تُشير تقارير "اليونسكو" إلى أن أكثر من 50 منشأة ثقافية دُمّرت أو تضررت خلال العدوان الأخير، من بينها مركز رشاد الشوا، أحد أبرز مراكز الثقافة في القطاع. هذا ليس "أضرارًا جانبية"، بل استهداف ممنهج للذاكرة.
نحو دعم ثقافي وإنساني حقيقي ..
ورغم كل الخراب، لم يستطع الاحتلال أن يُطفئ نور الثقافة في غزة، ولا أن يصادر الحكاية. فهذه الأرض التي تنزف كل يوم، ما زالت تُنجِب شعراء، وتُقيم المعارض على الركام، وتُعيد رسم الذاكرة فوق الجدران المهدّمة.
الثقافة هنا ليست زينة، ولا رفاهية، بل فعل مقاومة يومي ولغة للبقاء نتمسك بها كي لا ننكسر، ونكتب كي لا نُمحى.
وفي ظل استمرار المجزرة، وعشرات آلاف الشهداء من أطفال ونساء وعُزّل، ومئات آلاف الجرحى والمشرّدين الذين سُلبت منهم بيوتهم ومساحاتهم الآمنة، بات واضحًا أن غزة لم تَعُد تصلح للعيش! لكننا، رغم ذلك، نعيش. نُصرّ على أن نحيا، ليس فقط بالخبز والماء، بل بالمعنى.
ولأن الثقافة لا تُبنى على أنقاض القهر وحدها، بل تحتاج إلى رئة تتنفس منها، فإن الحاجة اليوم ملحّة أكثر من أي وقت مضى إلى:
* دعم حقيقي لإعادة تأهيل المراكز الثقافية، ليس كترف، بل كضرورة لإعادة بناء الإنسان.
* إطلاق برامج بالشراكة مع "اليونسكو"، "الألكسو"، وغيرها، لترميم ما تهدّم، وتدريب جيل جديد على الفنون والإبداع كوسيلة للشفاء من الندوب.
* حفظ التراث غير المادي، عبر مشاريع توثيق رقمية، حتى لا تتبدد وتتلاشى الحكايات في هواء الشتات.
* إنشاء منصات إلكترونية للفن والأدب الفلسطيني، كي يكون لمن تبقّى من كتّاب وشعراء ورسامين صوت يسمعه العالم، بعيدًا عن ويلات الحرب.
نحن بحاجة إلى أن تُدمج الثقافة في خطط الإغاثة، لا كإضافة، بل كجزء أساس من ترميم ما هو أعمق من الحجر؛ ترميم الروح.
فحين تُقصف المكتبات والمراكز الثقافية، لا تُقصَف فقط المباني، بل تُستهدف الذاكرة، وحين يُسكت الفن، تُخنق الحكاية، وحين نكتب، نُنجو بأنفسنا من المحو.
العدوان على غزة لم يكن فقط على الناس، بل على المعنى، وعلى هذا المعنى بالذات، يجب أن نقاتل بالكلمة، بالصورة، باللحن، بكل ما فينا من حياة.
الكاتبة: فردوس حبيب الله
قال الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور بعد زيارته الأولى إلى مدينته الأمّ حيفا صباح يوم أحد من العام 1996: «وصلتُها ولم أعد إليها». لم تكن هذه الجملة توصيفًا جغرافيًا بقدر ما كانت تشخيصًا لحالة وجودية: حضور بلا اعتراف، وصول بلا اكتمال، وعودة تُفرَّغ من معناها فورَ تحقّقها. هذه العبارة، بكلّ كثافتها الرمزيّة، تتجاوز اليوم سياقها الأوّل لتَصِف تجربة المثقّف الفلسطيني في أراضي 1948، في علاقته بالمكان وفي علاقته بالفضاء العربي الذي يُفترض أنّه امتداد طبيعيّ لقضيّته.
ما جرى مؤخّرًا مع عدد من فنّاني وكتّاب الداخل الفلسطيني، الذين مُنعوا من دخول مصر من أجل حضور معرض القاهرة الدولي للكتاب للعام 2026، يعيد إنتاج فكرة الوصول بلا دخول، والحضور الذي يُلغَى عند العتبة. فبعد اندلاع الحرب الأخيرة على غزّة، الحرب التي لا تنتهي، امتنعت مصر عن منح فلسطينيّي الداخل تأشيرات دخول إلى أراضيها، وربطت الأمر بإصدار جواز فلسطيني مؤقّت تمنحه السلطة الفلسطينيّة بعد موافقة أمنيّة تُحدّدْ من يستطيع أن يكون إسرائيليا وفلسطينيا في الوقت نفسه. غير أنّ هذا المسار، بما يحمله من التباس في التمثيل والهويّة، لم يكن كافيًا. فقد أُعيد أربعةُ مثقّفين وفنّانين من مطار القاهرة بعد وصولهم إليه. وصلوا مصر، ولم يدخلوها لأن جوازهم فلسطيني.
كلمة «رجّعوهم» التي وُصف بها ما حدث، لم تكن بريئةً بالنسبة لي. فاللغة لاتّساعها، مُتّهمة بجميع الدلالات الممكنة، وهي تنتمي في هذا السياق إلى الحقل الأمني أكثر ممّا تنتمي إلى الحقل الثقافي، وتحوِّل المثقّف الفلسطيني في الداخل إلى حالة مشتبه بها، لا إلى صاحب معرفة أو خطاب. في هذه اللحظة، لا يُعاد الأفراد فقط، بل يُعاد تعريفُ الثقافة نفسِها بوصفها خطرًا محتملًا، لا فعلًا إنسانيًا جامعًا، وإعادة تعريف الفرد الفلسطينيّ في الداخل ضمن السياق العربي المعاصر بوصفه إشكالًا إجرائيًا، أو عبئًا قانونيًا، أو حالة يجب ضبطها والتعامل معها بحذر. يتحوّل الفلسطيني من ذات تاريخيّة وثقافية إلى ملفّ، ومن إنسان إلى وثيقة، ومن مثقّف إلى موضع شبهة، ليُفرَّغ بذلك، الانتماء القومي من بُعده الإنسانيّ، ويُعاد إنتاج الفلسطينيّ لا كصاحب رواية، بل كموضوع للمنع أو الإرجاع أو الاستثناء.
يُعرف الجواز الفلسطينيّ المؤقّت في مصر اصطلاحًا باسم “الجواز المصفّر”، في إشارةٍ شكليّة إلى أنّ رقمه يبدأ بصفرين. غير أنّ هذه التسمية، على بساطتها الظاهريّة، ليست بريئة تمامًا من الدلالة، ولا محايدة كما قد تبدو. فاللغة، في هذا السياق، تصف الواقع وتشارك في إنتاجه وتكريسه.
صودرت جوازات السفر المُصَفّرة، وصدر أمر بإيقاف الطائرة التي أقلّتهم من عمّان إلى مصر، ليُعادوا على متنها من دون وثائق سفر. إجراءٌ قاسٍ، صاحبَتْهُ لغةٌ أكثر فداحة. فعند وصولهم إلى مطار عمّان، سُمع رجال الأمن يسألون: “وين المُعادين؟”. وهنا، للمرّة الثالثة، تفقد اللغة حيادها المزعوم.
فلو كان الحديث عن شخصٍ واحد، لكان الوصف “مُعادًا” واضحًا ومباشرًا، لا لبس فيه. أمّا حين تُستخدم الصيغة الجماعيّة، فإنّ المعنى يتجاوز الوصف الإجرائي ليحمل إيحاءً بالعداء ذاته. كأنّ الجماعة، بذاتها، تصبح حالة تُواجَه بالرفض والاشتباه، لا أفرادًا خضعوا لإجراء مؤقّت. وهكذا، تتحوّل اللغة من أداة نقلٍ إلى أداة إقصاء، ومن توصيفٍ إداريّ إلى حكمٍ ضمنيّ على الهويّة الجماعيّة.
تراجعتُ عن فكرة السفر إلى مصر هذا العام، رغم حصولي على جواز سفر فلسطينيّ مؤقّت على أمل حضور ما يتيسّر من فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب. كان الامتناع قرارًا شخصيًا وإدراكًا بأنّ الوصول، في مثل هذه الحالات، لا يعني بالضرورة الدخول، وأنّ التجربة الفرديّة ليست معزولة عن السياق الأوسع الذي يُنتجها.
ثمّة مشهد قررتُ الحديث عنه بصراحة، مشهد أكثر التباسًا وأشدّ إيلامًا، يستحقّ التوقّف عنده: مشهدنا نحن الكتّاب والمثقّفين الفلسطينيين في الداخل ونحن نتحدّث عن المشاركة في معرض القاهرة تحديدًا. فمَن يصل القاهرة ويحضر المعرض يعود غالبًا محمّلًا بحالة نشوة، كأنّه عائد من انتصار كبير. يروي الحكايات، ينشر الصور، ويُشير إلى الزيارة بوصفها إنجازًا استثنائيًا. غير أنّ هذه النشوة، حين أقرؤها بهدوء، تثير الشفقة لديّ أكثر مما تثير إعجابي، لأنّها تكشف حجم الفجوة بين توْقِنا إلى الاعتراف، وضآلة ما نُمنَح فعليًا منه. فالواقع أنّ المعرض، حتّى حين نصل إليه، لا يعترف بنا اعترافًا كاملًا، بل يضعنا في هامشٍ منظّم، أو خارج الإطار الرسمي تمامًا.
تتجسّد هذه الحقيقة في تجربة عاشتْها كاتبة صديقة، سافرْنا معا إلى القاهرة عام 2021 بجوازاتنا الإسرائيلية طبعا بعد حصولنا على تأشيرة دخول (فيزا) من السفارة المصرية. هناك تمّ التنسيق بينها وبين دار النشر التي نشرتْ إصدارها الأخير، لتنظيم توقيع على أرض المعرض. غير أنّها أُبلغت لاحقًا بإلغاء التوقيع، بسبب قرار منْع حمَلة الجوازات الإسرائيليّة من المشاركة في النشاطات الرسميّة للمعرض ولا سيّما داخل فضائه (هذا ما قاله لنا المسؤول عن التواقيع داخل المعرض). وكمحاولة تعويض، إن صحّ التعبير، جرى الاتّفاق مع شخص يعمل في الصحافة الثقافية على إقامة التوقيع في السفارة الفرنسية في مصر، أي خارج أرض المعرض، وهذا الشاب هو من سيحاورها. وافقت صديقتي، لكنّه اختفى في يوم التوقيع نفسِه، ولم يردّ على الاتصالات، لينتهي الأمر بلا توقيع، بلا اعتذار، وبلا تفسير. منعٌ مباشر، ثمّ التفاف على المنع، ثمّ اختفاء، في سلسلة تكثّف شكل التعامل مع المثقّف الفلسطيني؛ حضور مشروط، وغياب غير مُبرَّر.
مع ذلك، لا نتردّد في زيارة معرض القاهرة كلّما استطعنا إليه سبيلًا. لماذا؟ ربّما بسبب تعطّش عميق للانتماء إلى الفضاء العربي، تعطّش لا يمكن فصله عن كون الأدب الفلسطينيّ نفسه وُلد فعلَ مقاومة لكلّ أشكال العزل التي فرضها الاحتلال. نذهب إلى المعرض لا لأنّه يعترف بنا، بل لأنّنا نحتاج إلى أن نُصدِّق، ولو مؤقتًا، أنّنا جزء من هذا الفضاء، وأنّ لغتنا ليست محاصرة كما جغرافيّتنا.
هذه التجارب الفرديّة تكشف مشهدًا جماعيًا مركّبًا يعيش فيه المثقّف الفلسطيني في أراضي 48 حالة دائمة من التعليق؛ هو في قلب القضيّة جغرافيًا وتاريخيًا، لكنّه على هامشها ثقافيًا ومؤسساتيًا. تُقدَّس فلسطين بوصفها فكرة، بينما يُنظر إلى الفلسطيني الحيّ، المعقّد، صاحب الهوية المفروضة والوثائق الإشكاليّة، بوصفه إشكالًا ينبغي احتواؤه لا الاحتفاء به.
وهنا يؤرّقني سؤال الشرعيّة؛ أيّ شرعية نبحث عنها؟ ولماذا نصرّ على طلب الاعتراف من مؤسّسات لا تستطيع، أو لا تريد، التعامل معنا خارج منطق الاستثناء؟ الشرعيّة التي لا تُنتَج من داخل الفعل الثقافي نفسه تبقى هشّة، وقابلة للسحب في أيّ لحظة. أمّا الشرعيّة التي تُبنى عبر مأسسة العمل الثقافي المحلّي في الداخل، وتراكمه واستقلاليّته، فهي وحدها القادرة على فرض حضورها، لا التوسّل إليه.
في المحصّلة، يعود سؤال أحمد دحبور بصيغة أكثر قسوة؛ ماذا يعني أن نصل ولا ندخل؟ وكيف تتحوّل القضيّة، في لحظة ما، إلى فكرة مُقدّسة، بينما يُترك أصحابها في مواجهة المنع والالتفاف والتجاهل؟ إن لم تُستَعدْ القضيّة كقضية إنسان قبل أن تكون شعارًا، فإنّ قدسيّتها نفسها تصبح مهدّدة، لا لأنّ عدالَتها موضع شكّ، إنّما لأنّ إنسانها يُستبْعَد باسمها.
بعد كلّ تلك الأسئلة، نعود لسؤال الوجود الأصعب في واقع احتلال لا يعترف بحقّنا فوق أرضنا ولا يرغب بوجودنا فيها. وفي الفضاء العربي، يُواجَه حضورنا الثقافي باعتراف جزئيّ ومشروط. بين هذين الموقعين تتشكّل أزمة الهويّة بوصفها حالة عيش دائمة في منطقة معلّقة، حيث لا تستقرّ الذات ولا يكتمل تعريفها. الفلسطيني هنا يتحرّك بين سياقات تُطالبه بالتمثيل دون تمكين، وبالانتماء دون اعتراف كامل، فتتحوّل هويّته من معطى ثقافيّ إلى سؤال مفتوح، لا يُحسم بالانتماء ولا بالوصول.
عندما أتابع من بعيد فعاليات معرض القاهرة الدوليّ للكتاب لهذا العام، وأرصد ما يرافقه من نشاطات ثقافيّة وحوارات فكريّة، يلفتني على نحوٍ مؤلم الغياب شبه التامّ للمثقّف الفلسطينيّ القادم من الداخل. غياب أو تغييب، يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول موقع الثقافة اليوم وحدودها، وحول علاقتها بالسياسة والخرائط الجديدة التي تُرسم لفلسطين باسمها أو من دونها. فهل باتت الثقافة جزءاً من سياسات تُعيد رسم جغرافيا فلسطين، لا بوصفها أرضاً وشعباً متكاملاً، بل كمساحات مجتزأة يُسمح لبعضها بالحضور ويُقصى بعضها الآخر؟ وهل نحن إزاء تخلٍّ غير معلن عن فلسطينيّي الداخل، عن أبناء الأرض الأمّ، عن أولئك الذين بقوا في قراهم ومدنهم بعد نكبة 1948 ودفعوا ثمناً مضاعفاً للبقاء؟
سواء بتأشيرة دخول كإسرائيلية، أو بجواز فلسطيني مؤقّت مرفوض، حين أحضر معرض القاهرة، أحضره بلا اسم، وأغادره كما دخلته، خارج أيّ اعتراف. لا أريد من الزيارة سوى لقاءات جانبيّة، أجتمع خلالها بأصدقاء قدامى وأتعرّف إلى آخرين جدد في مقهى زهرة البستان. هناك، دون تنسيق مسبق، نلتقي حول طاولة صغيرة يعرفنا جميعًا صاحبُها أكثر ممّا تعرفنا المؤسّسات. الشاعر مهيب البرغوثي، بحضوره اليوميّ وحالته “البُستانيّة”، يقدّم نموذجًا لوطنٍ ممكن؛ وطن لا يحتاج إلى تصاريح، ولا إلى دعوات رسميّة، ولا إلى تعريفات مُسبقة.
مهيب البرغوثي، شاعر من مواليد قرية كوبر في قضاء رام الله، يحضر كلَّ عام إلى معرض الكتاب في القاهرة كمن يدخل امتحانًا شخصيًا مع فلسطين. يوقّع إصداراته في طقسٍ أقرب إلى عرضٍ مسرحيٍّ درامي، تتحوّل فيه كل الشتائم التي في رأسه إلى خجل من الكلمات والكاميرات، فيما ينتظر الحضور قراءته للشعر ويتربّصون بالمفاجأة التي لا يمكن لأحد أن يتوقّعها. في اليوم التالي نلتقي مجدّدًا عند طاولته في زهرة البستان، وطننا المحتمل، ونضحك كثيرًا كما لو أنّنا اختزلْنا الحياة في عرض عابر.
الكاتبة: نسب اديب حسين
فيما نظراتنا شاخصة عبر زجاج النافذة نحو قبّة الصخرة وأضواء البلدة القديمة، تخيّلت عينيها التي ستطلّ على الدمار والرمادي بدرجاته المختلفة بعد أيام، عبر نافذة دون زجاج. أرتجف وأنا أتمثّل الريح الباردة التي ستتسلّل، بعد أن تعجز شوادر النايلون عن صدّها، حولتُ نظري عن القدس إليها، سألتها وأنا أحاول أن أخفي قلقي: ألستِ خائفة من العودة؟ قالت والبِشر يملأ وجهها: لا… ما مصدقة وأرجع!
قبل لحظات وصفَت لي كلّ الدمار الذي نزل ببيتها بعد الاقتحام الأخير، حيث لم يبق إلّا الجدران دون نوافذ ولا أبواب ولا أثاث صالح للاستعمال. حاولتُ أن أعزيها وهي تفصّل تدمير حاجياتها، بتواجد عائلتها بين جدران منزلهم، فهذه صارت ميّزة قلّما تتوفر لمعظم سكان قطاع غزّة، ومهما كان حال البيت سيبقى أفضل بكثير من الخيمة.
نعود لشرودنا وتأمل أسوار المدينة، أتخيّل حال الحيّ وسط كلّ الدمار… قالت أنّ عمارتهم هي الوحيدة التي بقيت في الحيّ الذي كان مكتظًا بالعمائر والحياة قبل الحرب. أتخيّلها وسط رمادية بقايا الحياة هناك بعد أيام، على الأرجح لن أراها مرّة أخرى، يعتريني القلق الشديد… أحاول أن أكتم قلقي كي لا أخيفها أو أفسد فرحتها بالعودة. لكن أليس من الطبيعي أن أقلق وقد صرتُ أشعر أنّها ابنتي؟ في حين أنّها أقرب عمرًا لأن أكون ابنتها. لكنّه القدر الذي جمعني بها مصادفة، في رحلة علاج من القطاع إلى القدس، وشعوري بنوع من المسؤولية اتجاهها، مما نمّا شعور الأمومة كذلك، لأصبح أقرب من لها في القدس خلال العامين.
تودّعنا أكثر من مرّة خلال عامي الحرب، مع إخطارات كانت تصلها وغيرها من مرضى غزة العالقين في القدس، بالتجهّز للعودة، وفي كلّ مرّة ألغي الترحيل. حتّى تحوّل هذا إلى مؤشر عندي، لعدم انتهاء الحرب. في جلستنا هذه، كان قد مرّ أكثر من شهر على إعلان وقف إطلاق النار، لكنّي حتّى حينها كنت في توجس، متسائلة: هل انتهت الحرب حقًا؟
تودّعنا في مدخل الفندق التابع للمشفى، في لقاءٍ أقلّ درامية من سابقيه، بحدسي أنّ العودة المنتظرة لمكانها وعائلتها لن تكون بعد يومين كما أخبروها. لكن حين يأتي الإخطار التالي بعد أيام، لن تبلغني لخشيتها أن يكون كاذبًا كما سابقيه، ليصدق هذه المرة!
سأدرك مصدومة من وسائل الإعلام أنّ أمّ عادل (اسم مستعار)، قد غادرت مع بقيّة المرضى إلى غزّة العالقين في القدس، دون أن أودّعها. أحاول أن اتصل… لا من رنين ولا من ردّ… أجدني فقدت شخصًا يخصّني نحو المجهول، دخلتُ دون أن أتحكم بنفسي في نوبة هستيرية من البكاء، لم أهدئ حتّى وصلت رسالة منها، تبلغني أنّها في خان يونس، وقد مرّ على مغادرتها القدس 15 ساعة ولم تصل بعد.
ظلام دامس وسط انقطاع الكهرباء، تقلّب وسيلة النقل يمينًا ويسارًا وسط الحفر، التعب المتسلل إلى الجسد، كلّها تلوح في مخيّلتي وأتصوّرني مكانها هناك… تُرى متى ستصل بيتها وتطمئنني؟ غفوت وأنا أنتظر انتهاء سفرة من القدس الى غزة طالت حتى 19 ساعة، في مدّة يمكن اليوم أن يقطع المرء فيها نصف الكرة الأرضية، لكنّ وقت الفلسطيني، يختلف عن أوقات وحسابات باقي الشعوب في زمن العولمة.
عادت أم عادل وتغيّرت ممارسات حياتها وحصولها على الحاجيات الأساسية، مثلما انقلبت حياة الأصدقاء في القطاع منذ اندلاع الحرب. تمرّ ثلاثة أشهر على وقف إطلاق النار، ونقف على عتبة عام جديد، لكنّ الحرب لم تتوّقف وتحمل لعناتها وتنجلي عن حياة من لي هناك، ولا أخذت آلامها وذاكرتها عنّي، بل ما زالت في روحي تنهشها، وما زال السؤال ذاته منذ وقف إطلاق النار يلاحقني: هل انتهت الحرب؟
يأتي صوت أمّ عادل برسالة مسجّلة، بنفس متقطع مع صفير يشبه هبوب ريح باردة، متسلّلة عبر أغطية النوافذ: «مش قادرة أحكي، نزلة برد، رضى من رب العالمين».
مطر وبردٌ وبين نزلة برد هنا، ونزلة برد هناك، يفوق الواقع الخيال بمسافة أعلى أكثر فأكثر، فإن كانت صدمتها بالواقع الفائق للخيال، كما وصفت بعد وصولها، وهي متابعة للأحوال وتفاصيلها طيلة الوقت عبر زوجها وأبنائها، فماذا عن خيالنا نحن الذين نتابع ما يحصل عبر الأصدقاء والأقارب ووسائل الإعلام؟
وقف إطلاق النار ضمن مئات من الخروقات، والحياة وسط مدن وقرى تحوّلت إلى جثّة… فإن كان استيعاب المرء للموت والبدء بتخطي حزنه بدفن عزيزه، فكيف سيمكن البدء بتخطي الحزن وقد أحالت المقتلة، بلادًا كاملة إلى جثة؟ جثة لا يمكن دفنها بل يجب العيش معها، وإعادة إدارة الحياة من جديد وسطها بكلّ النقص الموجود من الموارد. هذا دون انتهاء أخبار موجعة تفوق الخيال من السجون، ولتبقى يومياتنا في الضفة والقدس ترتبط بالحواجز واعتداءات المستوطنين وتفقّد أخبارها، ويومياتنا في الداخل بأخبار القتلى الجدد.
ربّما توقّفت الحرب ونجا من نجا بحياتهم، فهل نجت أرواحهم وهم يكافحون لبقاء أجسادهم؟ يصرخ الغزي المتألّم رافضًا أن يتحوّل إلى دور البطولة، ليذكّرنا من حين لآخر أنّه إنسان، إنسان مثلنا، ليست مسألة صموده، لنتفاخر به في المقاهي وصالونات الشَعر، ومنصات الشِعر، بل حيٌّ وسط طين قهره، لأنّها حياة فُرض عليه عيشها، دون متّسع من الخيارات الأخرى.
ربّما توقّفت الحرب، وربّما هي مهلة لاستجماع الأنفاس، لكن خلال ذلك لم تستعد الروح أنفاسها وآمالها التي كانت قبل الحرب، خلال كلّ مسيرة الألم والشيب التي مرّت به. إذ ما زالت جثة لصديق شاعر وعائلته لم تستخرج وتدفن رغم مضي أكثر من عامين على استشهاده، وتشرّد الكثير من أبناء الوطن وبينهم أدباء ومثقفين من غزة ومن الأسرى المحرّرين في بقاع الأرض وسط مرحلة تهجير، ستساهم في تشكيل أدب منفى فلسطيني جديد، يقابل أدب الأسرى. أدبٌ يحمل قهر العجز والاغتراب والحنين، بذاكرة مقصوفة اجتثت أماكنها وحياتها الاجتماعية.
ربّما توقّفت صافرات الإنذار وصدى سقوط الصواريخ والاهتزازات في الجليل، لكن لم يغب صوت الطيران كليًا، ولا التلويح والوعيد بحرب أخرى قريبة. ولم تغب عيون القناصة عن طريقي إلى الجامعة من القدس إلى رام الله، ما زال العدّ مستمرًا، كم مرّة كنتُ هدفًا محتملًا خلال اليوم، لبندقية تتأمل مروري. ما زال التنقل بين مدن الضفة، محكومًا بالزمن الممتد بين حاجز وحاجز، وعلى أثره تتعلّق حياتنا بمعظم جوانبها ونحن نرهنها لأمل بزمن أفضل، تعود فيه المسافات إلى امتدادها الطبيعي.
كيف يستعيد قلب اعتاد الألم والعجز المتواصل يوميًا طيلة عامين ونيف، أنفاسه؟ كيف يستطيع الكاتب الفلسطيني في أماكنه الموجوعة أن يزرع الأمل وسط ألمه الشخصي؟ الممتد من جنوب فلسطين إلى جنوب لبنان وجنوب سوريا، وهو ليس إلا مكوّنًا صغيرًا من حقيبة الجنوب العالمي المثقلة بالتعب؟
كيف يرحل بتعبه ويصدّره ليسمعه العالم، وسط قيود الجدران المرئية والمخفيّة؟ وعدسات القناصة على تنوّعهم بين شمال وجنوب؟ فهل من طوق نجاة؟
قالت صديقة شاعرة من مخيّم النصيرات: أحبّ أن تتاح لي فرصة لمغادرة قصيرة ألملم فيها أنفاسي، لكنّي سأريد أن أعود، حتّى من غادروا يتألمون ومرهقين جدًا، رغم كلّ الدمار لن أترك غزة هل تفهمين أسبابي؟
سألت صديقة من الناصرة: أيّ خُطط توضع لنا؟ دورنا آتٍ… السؤال كيف سيكون شكل تهجيرنا؟
قال صديق من الرامة: يكبر عدد المهاجرين من الجليل… ماذا سيخسر المهاجر إن ترك البلاد؟ حياتنا ليست بحياة… هل هذه الحياة وسط الحروب وانتشار العنف والقتل والعنصرية حياة؟
تساءل فنان من البعنة: إلى متى سيبقى الحال هكذا؟ إلى متى سنبقى مخنوقين ونحن نحاول أن نمرّر رسائلنا؟
سأل شاعر طالب لجوء في أوروبا: أنا غريبٌ وحيدٌ أتشظى هنا بكلّ الألم الذي هناك، هل تملك اللغة أن تعبّر عن كلّ القهر والوجع الذي في غزة؟ لمن نكتب؟ من يقرأ؟ ومن يسمع صوتنا؟
صرخ رجل هدموا بيته في القدس: إلى أين أذهب أيّها العالم؟
صرخ الشهيد الفلسطيني الأول قبل ألفي عامٍ من على الصليب سائلًا: إلهي… إلهي لماذا تركتني؟
كتبت شاعرة من غزة استشهد جميع أطفالها: لمن أراد أن يحصل على إحدى كتبي، سأهديها له، انتظروني…
وأنشدت عجوزٌ في الشتات ترث اللجوء منذ النكبة: يا أهل فلسطين شدوا بعضكم…
*كاتبة فلسطينية
الكاتب : تحسين يقين
كان نجيب محفوظ هو الرواية بالنسبة لي وأنا فتى، ثم صرت أقرأ اسمه في بداية الأفلام مع أسماء طاقم الفيلم، فصار هو الأدب والسينما معا، وكنت أستمتع كثيرا وأنا الفتى القرويّ، ولعل قراءتي لرواية "بداية ونهاية"، كانت قرب موقد النار. ثم لأستمر في القراءة، وأنتبه عند مشاهدة الأفلام إن كان نجيب محفوظ حاضرا.
لم تمرّ سوى بضع سنوات، حتى صرت طالبا جامعيا في مصر، لأقبل على اقتناء روايات نجيب محفوظ خصوصا من "أكشاك" الصحف والمجلات في محطّات القطار، والمكتبات، ثم لأجد نفسي في إجازة السنة الدراسية الأولى جارا لنجيب محفوظ الذي كان قد مرّ أقل من عام على حصوله على جائزة نوبل للأدب. أقمنا في حيّ "العجوزة"، وعندما كنت أتردد على "كافتيريا نعمة"، لفت نظري تسمية الشارع الفرعي لشارع النيل باسمه: شارع نجيب محفوظ، وتحت عبارة شارع...سابقا. قلت لأحدهم جميل تسمية الشارع الجديدة باسم كاتبنا الكبير، فقال لي باللهجة المصرية المحببة: " ما هو ده بيت الأستاذ نجيب محفوظ"، تأملت بجزيل الاحترام وما زلت أتذكر أصص الزهور التي وضعت على الشبابيك.
كان ذلك مذهلا بالنسبة للفتى القرويّ الذي كان يقرأ لهذا الكاتب ويشاهد أفلاما اعتمدت على رواياته، والتي وصلت الى 36 فيلما سينمائيا، عدا عن نصف هذا العدد من أعمال كتبها خصيصا للسينما. وما زلت حتى اللحظة أتذكر قراءتي حديث الصباح والمساء، كذلك مجموعة قصصية بعنوان "حكايات حارتنا"، وهي عبارة عن متتاليات قصصية إبداعية تجعل النصوص السردية كأنها رواية للمكان والسارد معا. لم أكن مصدّقا أنني أقرأ له وهو هنا أمامي، يحتسي قهوته في كافتيريا فتدق شهرزاد، في شارع النيل، بتواضع، وعمق لم أشهد لهما مثيلا.
في سنوات الدراسة، بدأ اللاوعي يخرج الى الوعي، بحكم دراستي للأدب وقراءتي ما يكتب عن نجيب محفوظ روائيا، وكاتبا سينمائيا، فاكتست متعة القراءة والمشاهدة بالوعي النفسيّ والاجتماعيّ والسياسيّ فالفلسفيّ الوجوديّ.
قراءتي لرواياته، دفعتني لأفلامه، كذلك الحال أعادتني عدة أفلام أخذت من رواياته الى العودة إليها، واستمر ذلك طويلا، ويبدو أن نجيب محفوظ سيلازمني ما دمت قادرا على القراءة والمشاهدة والاستماع.
لذلك، سررت وغيري كثيرون بشعار معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، في الدورة السابعة والخمسين، الذي يحمل مقولة نجيب محفوظ: "من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا"، واختياره شخصية العام في المعرض.
لقد مضى عشرون عاما على رحيل نجيب محفوظ، ولكنه من خلال روائعه الخالدة سيطول تأثيره وحضوره أكثر كثيرا من ال 94 عاما التي عاشها، والتي يبدو أنه قضاها قراءة وكتابة؛ فلم تكن كتابته لمجرد الكتابة، بل جاءت من وعي، لتقدم وعيا عميقا، وهو الذي اختار الرواية ليبوح من خلالها بأفكاره ومشاعره، لا وعاء الفلسفة التي درسها في جامعة القاهرة.
"من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا"!
عبارة عميقة، قد لا تخلو من مبالغة زمنية، لكنّ عمقها البلاغي هو المقصود؛ فالتوقف فترة عن متابعة المعرفة من جميع مصادرها المكتوبة والمسموعة، يعني الوقوع في الاضطراب، وذلك بسب الحاجة للتراكم المعرفي كمنظومة، فلا تنفع المعرفة مجتزأة ومنفصلة، ولا بدّ للمهتم متابعة اهتمامه، بربط الجديد بالقديم، بل والعودة للقديم بحثا لفهم الجديد.
من يستطيع التوقف عن القراءة أصلا!
لذلك، فإن من يفعل ذلك، بعدم متابعة المعرفة من مصادرها، ومنها المكتوبة، المصدر الرئيس لها، يكون قد حكم على نفسه لا الوقوف بل التراجع الى الوراء، بما يجرّ عليه ذلك من ارتباك وسطحية والتأثر بالشعبوية الثقافية.
جميل ما فعل القائمون على المعرض، وهو جمال الوعي الثقافي في مصر المحروسة، عاصمتنا الثقافية الدائمة، في اختيار محفوظ شخصية المعرض هذا العام، واختيار مقولته عن القراءة. وهي فرصة لأجيال جديدة، ننتمي لها، في إعادة اكتشاف إبداع نجيب محفوظ والتنوير عليه بما يليق، كذلك زيادة معرفة الجيل الجديد بهذا الكاتب، وتعريف من لا يعرف بما يكفي.
لا أتذكر تماما متى قرأت لنجيب محفوظ، لكنني أتذكر نصا من رواية "زقاق المدق"، تم وضعه في كتاب النقد الأدبي للصف الثالث الثانوي، أي ما يعرف بالصف الثاني عشر الآن، وهو عام شهادة الثانوية العامة "التوجيهي"، حيث كان ذلك بداية الوعي على الرواية، وأنها لا تقتصر فقط على إثارة الاستمتاع، وفي الوقت نفسه، تغّير منظوري في مشاهدة الأفلام كذلك مسلسلات الدراما التلفزيونية. بل وبدأت حياتي تأخذ مجرى آخر؛ باعتبار ان الأدب من الحياة، ولها، من خلال الدور الإنساني والفكري معا، في ظل متعة يصعب وصفها تماما.
صرت أرى الكلمة بعمق جديد، بعيدا عن المحفوظات والوعظ والإرشاد، وحين وقفت في دائرة القبول بالجامعة، استغرب الموظف حين اخترت دراسة الأدب كوني من الأوائل بمعدل امتياز. والحقّ أنني فكرت وقتها بدراسة الأدب الإنجليزي، وعيا بأهمية مواكبة العصر لأجل تقوية الأدب العربي، ولكنّ قراءة مقال للدكتور طه حسين خلال أيامي الأولى في مصر، غيّر مساري حين علمت من المقال القديم، بأنه في فرنسا لا يسمح بقراءة الأدب الأجنبي، إلا بعد دراسة الأدب الفرنسي أولا.
كذلك، فقد أدخلني نجيب محفوظ، وآخرين مثل توفيق الحكيم وجبران خليل جبران، إلى عالم الوعي جنبا إلى جنب مع الشكل الجمالي المقترح شعرا وسردا وسينما ومسرحا وغناء ورقصا، أي إلى عالم الأدب والفنون.
كانت إبداعات نجيب محفوظ الروائية تتعمق داخلي وفي قلمي كلما تقدمت في العمر، الى درجة العودة الى الروايات والأفلام للكتابة عنها؛ فقد كنت استعيدها، وأعيد القراءة والكتابة من منظور ما تراكم من وعيّ لديّ مثل قراء وكتّاب آخرين، فقد صرنا نرى الرواية والفيلم لا مجرد تصوير لمنظومة المجتمع والحكم والنفوس فقط، بل صرنا نجدها تفكيرا نقديّا من أجل أن يكون الغد أفضل من اليوم، وضمان ألا يتم إعادة إنتاج الماضي، وأخذ العظة من حركة التاريخ، بإصرار ألا يعيد التاريخ الدائرة نفسها بسخرية.
ولعلّ أهم ما نجح فيه نجيب محفوظ هو مواكبة الأدب للتحولات في المجتمع، دون التسرّع بإعطاء أحكام. إنّها تحولات النفس والحياة الاجتماعية في ظل تغيرات نظم الحكم أيضا، حين كشف محفوظ النفس الإنسانية من الداخل دون لوم وعتاب؛ فقدمنا جميعا بما فينا في كل زمان ومكان، ولعلي أزعم أنه بهذا العمق كان ندا لشكسبير.
حين نال نجيب محفوظ جائزة نوبل، كنت في بداية العشرين من عمري، وقرأت ما وُصِف به بأنه ضمير عصره، وربما التبس عليّ وقتها الوصف، لكن مع "القراءة" التي نصحنا بها نجيب محفوظ، صرنا نفهم عمق الوصف، لا الوقوف عند الدلالة المباشرة.
ولعلي أختتم هنا بأن القراءة من جهة، ونجيب محفوظ من جهة أخرى، عمقتا ما بنا من تذوق أدبي ووعيّ فكريّ وسياسيّ، باتجاهات وجودية تلتزم باتجاه الإنسان، وتحافظ على بقائنا الواعي الحرّ.
*هذا المقال ، جاء احتفالا بشعار معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي يحمل مقولة نجيب محفوظ: "من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا"، واختياره شخصية العام في المعرض.
القدس -واثق نيوز-محمد زحايكة-كانت اللقاءات العابرة التي تجمعنا مع الشاعر الشاب الفارع الطول عبد الناصر صالح عندما كان يزور مقر جريدة الفجر في شارع نابلس بالقدس . ويقصد بشكل خاص الزميل الأديب والشاعر الراحل علي الخليلي رئيس تحرير صفحة الفجر الأدبي في الصحيفة ومجلة الفجر الأدبي التابعة لها . وكان صالح في غدو ورواح من مدينته طولكرم إلى قدسه التي كانت محج كل أبناء الشعب الفلسطيني ومنهم الأدباء والشعراء والفنانون والاعلاميون ، فالقدس كانت مركز الإشعاع الثقافي والادبي والفني والسياسي وكل شيء في القدس إلى أن جاء اوسلو وفرقنا شذر مذر وباتت القدس محرمة على شعبها الضفاوي والغزاوي بل وحتى على الكثير من البلدات المحيطة بها والتابعة للقدس التي جرى عزلها بالجدران العازلة والعنصرية الفاصلة ومعابر التفتيش ، مثل بلدات شرق القدس العيزرية وابوديس والسواحرة الشرقية والشيخ سعد وقرى شمال غرب القدس وبلدة عناتا وحزما شمال القدس والرام ومخيم قلنديا وغيرها .
قرض الشعر ..
كان عبد الناصر صالح كما يبدو ، قد احترف قرض الشعر واتخذه هوايته وابداعه بشكل جاد لا مزاح فيه وذلك من خلال كم القصائد وغزارة الإنتاج الشعري الذي كان يتدفق من بين اصابعه ويغزو تقريبا كل الصحف والمجلات في القدس التي تظهر وقد " رشمت" بقصائده الكثيرة والطويلة ، وفي جلها قصائد على نمط الشعر الحر او ما يعرف بشعر التفعيلة ، وكنا بحكم مهنة الصحافة والثقافة نطالع قصائده في الفجر والشعب ومجلة الكاتب والبيادر السياسي والعودة وجريدة القدس في وقت لاحق .
حبيسة المطبوعات..
ولا ادري ، لماذا حتى الان يراودنا شعور بأن أشعار وقصائد عبد الناصر صالح لم تغزو " الذوق الشعبي العام " وبقيت حبيسة المنشورات والمطبوعات التي نشرت فيها ، وهل هذا يعود إلى غزارة الإنتاج وطول القصائد التي يجد القراء ربما صعوبة في متابعتها خاصة وأنها تشتمل على رمزية عالية ربما لا تستوعب معانيها أغلبية القراء وإنما قد يقتصر فهمها والاستمتاع الفني بها على النخب المثقفة ..؟! حقيقة ، لا نجد تفسيرا مقنعا لعدم انتشار أشعار صالح على مستوى شعبي وجماهيري رغم انه لا خلاف على شاعريته واكبر دليل مسارعة كل المطبوعات على نشر انتاجه الغزير وعدم التوقف عن ذلك وعلى مدار عقود طويلة .
صديق عابر ..
وعلى الصعيد الشخصي ، ما زال الصاحب يذكر عبد الناصر صالح وهو يلتصق بالمرحوم مترجم اخبار الراديو العبرية لجريدة الفجر ، محمد قشوع إلى العربية لقضاء بعض الليالي في منزله في القدس ، حيث كان قشوع يدرس في الجامعة العبرية . وعبد الناصر صالح انسان بسيط وحساس وخجول وعلى خلق ، يعيش على البساطة ولا يتدخل فيما لا يعنيه ويحترم جميع اصدقائه وزملائه ولا يهاجم أحدا حتى لو أساء اليه ، فهو يترفع عن الأمور الصغيرة ، ويتلهى وينشغل بتطوير ادواته الشعرية رغم أنها ما زالت في حالة حصار وعدم انتشار كما يهيأ لنا، دون معرفة السبب الحقيقي وراء ذلك ، هل هو ذاتي لعدم قدرته على تسويق شعره ام بسبب موضوعي حيث لا تقوم المؤسسات الثقافية ودور النشر بطباعة دواوينه الشعرية او انها في حالة طباعتها لا تعمل على الترويج لها ..؟!
حالة شعرية فريدة ..
عبد الناصر صالح ..حالة انسانية وشعرية راقية .. بقيت صامدة على خطوط الشعر الذي يرسم ويصور معاناة شعب عصي على الاندثار والانكسار والنسيان . رحمه الرب العلي واسكنه عالي الجنان .
الكاتب : المتوكل طه
***
على قميصي نقطةُ مسْك من دَم الشهيد، ونرجسة عابقة تركها زميلي المعتقل في جيب سترتي، وعناق حميم استقبلني به البسطاء في البلدة، وحكاية خلّفها صديقي الشاعر في بالي، وهو الذي لم يتخاذل، ولم يُطأطئ قامةَ الشعراء، ولم يجعل الورق البريءَ ممسحةً لحذاء الجنرال.
ولأسجّل مرافعتي أمام التاريخ الشاهد، للأرض الشهيدة النبيلة الذبيحة الجليلة، أمّ الشجن والنايات، وأمّ الدموع السخيّة والنعوش الطائرة، وأمّ الدالية التي تنفجر ناراً وقصائد..سأقول ملء الريح؛ لم تكن الدسائسُ وَحْدَها التي قتلت الشاعر، وأغفلت الديباجةَ والنصّ، بل ظلّ في العتمة البعيدة، وحيدا. وعلى بُعد مستوطنةٍ وأكثر، كان العرقُ البارد والألمُ والغيرةُ، وهوامشُ الصغار، ووجوهُ الرخام، والنسيانُ الذي دبّره المُتسيّدون، الذين كبروا تحت عباءة العَرْش المتهالك..هو ما فتّ في روحه فقتلها. وثمة الضاحكون البؤساء مع الدّلاء، الذين يتنفسون بالرّضا، مع كل فنجان يَقدّمونه للسادة المغلّفين بالأسرار.
وثمة تاجُ العار الفائض رطانةً وشهواتٍ مبرّرة حتى العري.
ولم تكن مرافعةُ الشاعر كافيةً، فطارت مع أول فَرْخٍ دَرَجَ على المصاطب..وغاب.
وظلّ يحفظ أحزَانه الصغيرةَ، ويجمّلها بالصّفاء المصقول بالاطمئنان،
وحتى قَّدّ أكثرَ من ألف رسالةٍ للرّعدِ والماء، ولم يتبق منها غيرُ ما شاءت النقوشُ الورقية الصافية، والعافيةُ التي لا تموت.
يكفيه ما يكفي المدينةَ من البقاء في مغرب الريحان الهاديء،
وصباح العنّاب الكَرميّ. ويكفيه أنّه اٌجترأ في معبد الأوثان، على الهراطقة والأوداج السمينة، والحروف المبريّة الباهتة. ويكفيه ما يكفي الصوفيّ من زُهْدٍ على شَبَعٍ، نال منه قليلاً، وبرّرَه كحفنةِ قمح لا يخالطها الزوان.
وأراه كأنه يقف على شُرفة المدينةِ، يُلقي خطاب الفَصْل في الجموع،
ولا أحد!
غير أنَّ الطالعين من أثواب أُمّهاتهم، سيكبرون، ويتنادون، ويصيخون السَمْع، فقصيدته طويلة ممتدّة..بل لا تنتهي، كشريانِ محيطٍ
يقاتل اليباب، ويزرعه بالأمل الأخضر.
الشاعر صديقي الأثير عبد الناصر صالح، الذي بدأنا التأتأة الأولى بالشِعر، سويّةً، وقرأنا معاً، وكانت الكتابة، وقتها، ضرورة..واعتُقلنا معا، وأسّسنا اتحاد الكُتّاب، مع أخوة رائعين، معا، واختلفنا واتفقنا، وغضبنا ورضينا، وسافرنا عشرات المرّات، وتزاعلنا وتعانقنا، لكنّه كان البادئ بالسلام. وما أن يجمعنا الأصدقاء لإزالة الغبش، كان يُعانق بمحبّة وصدق. إنه أكثرنا طيبة وتواضعا وبساطة ومباشرة. ولا أنسى يومَ أن كان الجنود ينقلوننا من معتقل، في الشمال إلى آخرٍ في الجنوب، مقيّدين، ومعصوبي العيون، كانوا ينهالون على رأسه بالهراوات، وما أن وصلنا السجن، حتى كان رأسه منتفخا مثل باذنجانة هائلة. وعندما انهالوا عليّ ضربا وتكسيرا..لم يقف معي إلا الله تعالى، وصوتُ الشاعر الذي حثّني على التماسك، وكان يقرأ لي من قصائدي حتى يعينني على اللحظة المصوّحة.
كان العمل الثقافي، حينها، له ثمن لا يقدر عليه المزيّفون، ولم يكن الفعل مجّانيّا، بل قيودا وسلاسل وملاحقة مبهظة..وقد دفعها الشاعر حرّا وجوديا، من دون سوء أو مماراة.
واليوم يرحل الشاعر، كأنّ المذبحة المدوّية في غزّة قد احتشدت في صدره، فانفجر قلبه. أو كأنه يريد أن يُشاطر الموتى تجربة الغياب، خجلا من الحياة تحت الشرط الاحتلاليّ القاهر.
رحل الشاعر، ورحيله المجازي، ذابحٌ، لأن تواصلنا معه كان يشحن الضلوع بالسطوع ومرايا النهار.
أيتها بلادنا النبيلة الذبيحة الجليلة! ويا أمّ الدالية التي تنفجر حُمْرة وعناقيد ساخنة! لقد عانقوا وحْشَ المذبحة، قبل أن تترك الخيمةُ أليفها البائس، وقبل أن يجتمع مثلثُ القلب في صدر الطريق..فمات الشاعر من هول المعنى المقتول.
واجتمعوا فوق المنصّة الكارهة العنصرية النقيضة، فأدخلت السواطيرُ أسنانها في زيتون عظم الأرض..وصارت ريحُ الراية المنكّسةُ موسيقى السير المكابر نحو الهاوية..فلم يحتمل الشاعرُ عمق المصيدة التي جعلتنا طريدة سائغة..فمات.
وأضحى الصوف الدامي لا ينبيء بدم الطرقات والمغاور الرطبة،
بل يبشّر السيّدة بحَمْلها الكاذب الحرام..فطفق الشاعر يبحث عن الأوتار، ليعيدَ الأغنيةَ الأولى، فوجد الفم مصطليا باللهيب..فمات.
وأدرك العميلة الملوّثة التي سوّدت المنهاج والمساق، فصرخ؛ هنا: على رأس كلّ وليد أفعوان، لا يراه سوى الحرّ الحصيف. وسيكبر الأفعوان في جوف الوليد، ليلتفّ على عنقه أو عينيه، فيمشي على غير هدىً، أو يكون هباءً في عتمة العدم..ولم يستطع أن يبتلع سُمّ التبديل..فمات.
لقد جفّفوا المعصرةَ والبئر والوريد والّلحاء، حتى تناسخ الموشوّهون في كل خَلْق. وانسربوا إلى جُرح المُتْعة، ورشّوا عليه حامض الشيخوخة،
وغطّوه بجلد الجيفة المتغضّنة. وقطعوا رؤوسَ الجبال والنجوع، وصار سامرُ البلاد جنائزياً، يتصادى بالبشاعة والضيق والكآبة.
وتباهوا بأنْ تأبّطوا أبناءَ الوكر، بصباغ المهرّج الجديد.
وأقاموا مواسم جديدة بلا زجاج من بلاد كنعان، يزيّن إطار نوافذهم الخائفة. وربّما يختزنون وراء سيوفِ عبيدهم، أوكارا للتشويه، لبعث الذباب المغثي، ومنطق القبيلة الوثنيّ.
ولعلّ الدهماء المساكين لن تسمعوا إلا المنابر المتاحة بكلماتها الزجاجية المشروخة، المعجونةً بِدَم العقارب التي تُغطّي وسائدَ الأحلام الخائبة.
لقد كذّبوا..حتى عاد النزوحُ الذليل، وانكسر الشجرُ أمام الخرافة الحارقة، وإلى أنْ عاد الخرابُ المرمّد على تلال ركام المدائن، التي كانت في الأغاني جدائلَ الأميرة العاشقة.
لقد سحبوا البرقَ الذي كان مختزناً في الغيوم، وجعلوه يبرق نياشينَ على صدورهم وأحذية نسائهم الغريرات.
وتاهَ الشاعرُ طفلُ المطر، الذي خلّفه الشهداءُ في أقواس قزح.
*
لكنّ الشاعر لم يفتر أو يملّ، فقد طفح بالزلزال، ورأى قبل الرّعاةِ النجمةَ التي أرهصت بالفادي الرسول. واستذكر المطاردين يحملون حنّون الوديان وهي تتثنّى على انسراب الجداول وأسراب الطيور، وتحرسها عيون الكهوف، وتحفّها يقظةُ الحديد الصاحي، لتصلَ إلى السواحل، بعد أن تحمل من البيوت قطوفَ الصحوة والانتماء، ويدفّ معها، بين الوعر، جارحُ السكون، بربابته التي تدرّ شَفَقا ًوبنفسجاً، وتسيل نخوةً وبرقا..ليخبر الناسَ عن أهوال ما جرى في النكبات المتواصلة، من خطايا وفظاعات، تقشعرّ لها الأوتاد والحديد.
*
يا لحنَ الفجيعة بالفردوس الذي هوى في الكابوس! لماذا تذكّرنا؟
ولم يتبق للضحيّة حقّ في البكاء؟ لقد أخذوا من الفلسطينيّ خيوطَ دموعه، ونسَجوها كفناً رقراقاً له، ليظلّ خارج الأبد.
والآن، جعلوه يخيط كفَنَه بيديه، وينحت ناووسَه بإزميله المثلوم،
ويتمدّد، وحده، تحت تراب الوجود الهائش، وإكراهات الوصاية النّهمة الجبّارة. لكنَّ الجذرَ الموّارَ بالنسغ يبلغ حدَّ الاختراق، وتشرب الورقةُ غمامتَها وغزالتَها، فينْبتُ على شفةِ الشاعرِ عرقُ البدايةِ الناهض،
وتتوهّج على قوس الربابة هالةُ النار، ويتدحرجُ من الوتر جمرُ المواقد الآتية.
*
ما كان لكم، أن تهيلوا الترابَ على موجدة الأيتام، وتخلّصوا الضَّبع من فضيحة التمثيل بجثة الغزال، وأن تبعثروا ضفائرَ النّخلة على أقواس الإنهيار، وتحرموا السروةَ من الترنّح في فضاء الوضوح.
كانت المدينةُ معافاةً كحليب الأمهات، أو الزيتِ الطافحِ من الرَّحى،
أو كآيات الأنبياء الذين كذّبهم الناس، واستبدّ بهم التجّار، وَرَقَصت حول رؤوسهم المقطوعةِ الغانيات.
كانت المدينةُ ندّاهةً، تغري الفَرسَ، بفضّة الصّور والأساور،
وتحفظ للباكي حوضَ مائة العذب، ولا يضحك فيها اللاّهي بين الموائدِ، حتى يكون المشط سربَ نجومٍ هابطةٍ من السماء.
ولم تعرف المدينةُ مداهنةَ الدواوين، وجبروتَ العسس، وذكاءَ السارق،
ونطيحةَ اليأس، ووحلَ الخوّاضين في الِعرْض وبيت المال.
كانت تعرف حدودَ تاجها وأربابها ومدرّجاتها البحريّة، فلا يسيلُ السرُّ إلاّ على مجرى المركب، الواصل إلى أَعماق العرائس والبيّارات.
ولم يخدش وشاحَها الكهرمانيَ غيرُ حرفين بريئين لمنهوبةٍ ومجنون،
ولم يلوّث غصونَها زفيرُ المقصلة، أو بخارُ المعقوصين بالجحيم.
*
والشاعر سيّد الكلمة، كزهرة المجنونة، وقصيدته، بعينيها المرحتين، تضع التاجَ، وتذرعُ فضاءها المرتّب كحَبّ الرماّنةِ، تنتظر هديةَ مولدها، فتأتيها العروق الذّهبية وجواهِرُ الجَمال، في سياق، تلفّه أزهار الليمون الشتويّ.
وتصحو المدينة، وتخرج من سلاسلها..تهدأ قليلاً، ولم تنكّس رأسها..ويغلبها النوم، فيدهمها المدجّجون الملغومون بالعنصرية والوَهم، وينقضّون على مخيّمها..فتسأل نفسها؛ أين صاحب الصورة المعلّقة على الحيطان؟
وفي الصباح، تسألُ سادنَ الأمن: متى ستنافح عن عرضك؟
وتصرخُ المدينة: أريد ماءً وسقفا وأمْنا..فلا جواب.. فيموت الشاعرُ من هذا التخلّي، الذي قدّم المدينة للانتهاك، دون نأمة أو غضب واجب. فيما تدبّ الحرائقُ في المدينة المُستباحة، وفي رؤوس النازحين للمرة العاشرة.
*
لقد فاز التصفيقُ والغوغاءُ والمشبوهون! وها هي المدينةُ مطواعةً خاضعةً..بعد أن تورّطوا في نداء الضّبع، وتبعوهُ إلى أرضِ التسويات.
لقد بزغَ أمراءُ الدَّمَن، اٌلذين نفثوا الضبابَ والتردّد والاستلاب،
ففقدت المدينةُ رايةَ الأهل والخيمةَ ولواءَ الرمح الرُدينيّ.
وثمة هدايا تفيض بالزّعاف والشكّ، وتستدخل الطاعون،
وجعلت الكاهنَ يبحث عن قِبْلة أُخرى، والمعلمُ عن حرفٍ آخر، والمرأةُ عن إثمدٍ جديدٍ وثوبٍ يشبه المُحَجّلاتِ في العاصمة المتبخترة بين الطواويس فوق النجوم.
لقد غيّروا اللسانَ، فأصبح يلثغُ بأبجديةٍ غير تلك التي حمَت الكوشان والمفتاح من التغريب والاندثار.
وهل لنا أنْ نسأل: لماذا قتلوا صاحب العكّازة وحارسَ الغابةِ وفتى الساحل وابن البرتقالة، وكل الذين ماتوا واقفين؟ وبقي أولئك المختبئين في خمائر نسائهم، ويترفّعون عن البصل والزعتر البريّ والأرغول؟
وقبل المحرقة الرّعناء اللافحة المجنونة، كانت المدينةُ تشهد تعويماً للمصكوكات، وبعثرةً الهيولا، لتعودَ الخلّيةُ إلى حيادها الميّت.
وفي خفّة هذا الطيّش تتفكك منظومةُ الأمهات، وتنهار مباديءُ الشبكة، وتتهتّك اللياقةُ وتتآكل ياقتها، وتصير المدينةُ بلا قَوامٍ وثبات،
بل تتمايل دائخةً بين الموقوذتين، وهما تحزّان وتين بعضهما البعض، والأبناء يهرسون ملامحهم بالتنابز واللغة النهائية، ويهينون أصداغَ رمزهم بالنعال، ويغسلون يدي القاتل من دم اليمام، ويذهبون نحو الحيّ واللون واختلاف السّجدة، والتميّز بتقمّص المولغ بالأرحام واللّحم الطريّ، وينكرون على البستان وردتَه الواعدة، ولا يثقون بالصّلاة أو البدر الكامل. لقد انهزموا في دواخلهم، فانهزمت المدينة..ومات الشاعر.
وماتت جداولُ أضلاعهم، فجفّ نهرُ المدينة..ومات الشاعر.
وانطفأت جذوةُ روحهم، فانطفأت شمسُ المدينة..ومات الشاعر.
وقتلوا الحصان الصاهل في البلّور، فباتوا في العراء..ومات الشاعر.
لقد قبلوا أن يكونوا تحت مجهر المستبيح، وبين ذراعي الداهم،
وتحت ضربات الطواطم الفولاذي الرهيب..ومات الشاعر.
وكانوا قد فَقَدوا حصَاَنة الصوّان في سويدائهم، فأصبحوا كبيت العنكبوت، أو كغثاءِ المجرى الموبوء..ومات الشاعر.
هل تذكرون حكمته: لو كانت الغابة يقظةً لما وصلوا إلى المداخل.
ولو تبصّر الباشقُ الهائم، لما انسربت السحالي إلى المدينة.
ولو لم يكونوا مخمورين، لما عقرتهم المباغتة وجزّت رؤوسهم المصدوعة.
ولو انتمى الكاهنُ إلى مرضعته، لما فتح أبواب المذبح، مسلخاً،
ليرتوي بدم الأضاحي البريئة.
ولو أحسّ السيّدُ بالأيتام، والدمع المخضلّ يطفوا فوق وجوههم،
لما صافح يدَ الأفعى الشقراء.
ولو أحسّ صاحب الخبر بما جرى في بطون الحوامل، على حواجز العار، لما نطق بالشيطان.
ولو تشقّق لحمُ شقيقته، تحت سياط العنابر الغاصبة، لما تزيّا صاحبُ الديوان بالمخازي الأنيقة.
ولو تذكّر المقتولُ كيف حصده القاتل بمنساس القش، مغروزاً في صدره..لما نطق باسمه، معتذراً عن موته.
ولو تنطق الأرضُ لانشقت تحت أقدام أشباه رجال المدينة،
وابتعلتهم في باطنها الموّار الطاحن.
لكنها دمدمة الهزيمة، التي تحطّ بأرجلها السوداء، على الأرض المحروقة.
*
أيتها المدينةُ التي جرّحها الدمعُ، وأحرقتها الجثثُ والصرخاتُ!
هناك، على بُعد عشرة آلاف مجزرة، شبيهتُكِ التي مازالت في فضاء المقصلةِ، ترقب نهايتَها بأمل يائس..ولهذا لم يحتمل الشاعرُ المشهد فمات. غير أن صدره كان يُعشِبُ بالربيع، وينْبتُ بأزهار البُركان.
الكاتب:إبراهيم مشارة
الألقاب والأسماء المستعارة ظاهرة لا يخلو منها أدب من آداب العالم، ولا يقتصر الأمر على الأدب فقط، بل يتعدى إلى الدين والفن والسياسة والعلم والثقافة والحياة الاجتماعية بصفة عامة، وفي خاطر كل واحد منا إذا رجع القهقرى إلى زمن صباه مثلا، فلا شك يتذكر بعض الألقاب التي أطلقها أنداده أيامذاك على بعض رفاقه من العابثين، أو ممن تروقهم ألاعيب الصبا وشيطنة الصغر، بعضها يبعث على السرور، وبعضها الآخر على الاستهجان.
لقد كان الرمز أسلوبا من أساليب التخفّي عند البوح، فقد رمز القدماء لآلهة الخير والشر بأشكال من الطيور والحيوانات، وعند المصريين القدماء مثلا، رُمز للإله رع مدبر الكون بصقر فوقه قرص الشمس، ويحيل معنى رع على العمل والإنتاج، وصوروا إله البعث أوزوريس بشكل أسد ينهض من مكانه، كما كان أنوبيس إله التحنيط، يرمز له بشكل ذئب على هيئة إنسان، كما اتُّخِذت الحية رمز الملك عند رمسيس الكبير وجُعلت في أعلى التاج، كما رمز خفرع من قبل لملكه بالأسد، واتخذ صلاح الدين الأيوبي النسر رمزا لحكمه، كما تُتخذ رموز للديانات والثقافات، فالصليب يُتخذ رمزا للمسيحية، والهلال رمزا للديانة الإسلامية، وترمز بعض الحيوانات، أو الكائنات إلى دول، فالدب يشير عادة إلى روسيا، والتنين إلى الصين والنسر إلى ألمانيا والذئبة إلى روما وإمبراطوريتها، والأسد إلى بريطانيا والأرز إلى لبنان. كما تتخذ بعض الدول رموزا من الأجرام السماوية كالقمر والشمس والنجوم والكواكب.
وفي الآداب الغربية فضل موليير أن ينأى بنفسه عن عائلته البورجوازية خاصة وهو يكتب في المسرح الهزلي،Jean-Baptiste Poquelin وفولتير اختار هذا الاسم المستعار لنقض العلاقة التي تربطه بأبيه FranÇois-Marie Arouet وجيرار دي نرفال جيرار لابروني، فضل الانتساب إلى أمه قاطعا صلته مع أبيه، ونرفال اسم أرض كانت تمتلكها جدته لأمه، ومن النساء من اتخذن اسما مستعارا ذكوريا لانتزاع حق الكتابة كجورج ساند، أورور دوبين، وجورج إليوت ماري إيفانس، والأخوات برونتي اللائي كن ينشرن باسم إخوتهن، حيث أن بروز المرأة وممارسة حق الكتابة، لم يكن مقبولا في العصر الفكتوري.
وفي التراث العربي القديم لا تكاد العين تخطئ ظاهرة الألقاب والكنى والأسماء المستعارة في شؤون الأدب والدين والفن والعلم والثقافة، فهناك من اختارها وهناك من فرضت عليه، إنعاما أو عقابا فإخوان الصفا مثلا أعيا المحققين استقصاء أسمائهم الحقيقية بدقة، وعلى سبيل القطع واليقين. وقد أطلق العرب الألقاب على السيوف والخيل والرماح وغير ذلك. وفي الشعر مثلا هناك من اشتهر بلقبه ولم يعرف باسمه الحقيقي كامرئ القيس والنابغة والأخطل، وهناك من عرف بلقبه مضافا إلى اسمه الحقيقي كعلقمة الخصي، وعلي الأصغر، ويزيد الغواني وزيد الخير، سعد العشيرة، معاذ الهرّاء ومن عرف باسمه ولقبه كمصعب بن الزبير وحسان بن ثابت، وهناك من رضي بلقبه كوجه الباب، وكان مخنثا أحول أعمش يمتهن الغناء وورش وهناك من لم يرض كالأقشير والمتنبي الذي قال (لست أرضى أن أدعى بهذا، وإنما يدعوني من يريد الغض مني ولست أقدر على المنع).
وهناك من الشعراء من نطق بألفاظ فصارت لقبا لهم كصريع الغواني، وقتيل الهوى والبعيث، وآخرون لقبوا لبيت من الشعر قيل فيهم كالأصعر والشويعر وذي العباءة، وبعضهم الآخر لحادثة، أو قصة وقعت لهم كحيص بيص وعصفور الشوك وتأبط شرا وبعضهم الآخر لحرفة كان يزاولها كالثعالبي والزيات والوشاء والطغرائي والفراء والساعاتي، وبعضهم الآخر لعيب خلقي أو عاهة كالجاحظ والأعشى والأحوص والأعرج، وبعضهم الآخر أطلقت عليهم ألقاب على سبيل التشبيه والمماثلة كمتنبي الغرب وجالينوس العرب وبلزاك الرواية العربية ومس كوري الشرق وأينشتاين العرب وبودلير الشرق. وآخرون جعلت لهم ألقاب للتعظيم كحجة الإسلام ودرة العراق وتاج الأئمة وإمام الدعاة وفم الذهب والديباج وشرف الشيخ، وبعض الألقاب أطلقت على سبيل الاستخفاف كالحطيئة، وهناك ألقاب تطلق لمنصب سياسي مثلا كالمعز لدين الله والقاهر بالله وسيف الدولة وعضد الدولة، وهناك من عرفوا بالأذواء كذي التاج وذي النورين وذي الشهادتين وذي القروح وذي الوزارتين وذي اللسانين وذي البيانين.
وفي مجال الفن يعرف الغالبية من الناس على ماذا يحيل لقب كوكب الشرق وصاحبة العصمة، والعندليب الأسمر، ومطرب الملوك وجارة القمر والشحرورة وغير ذلك كثير.
حين يتخذ الشاعر أو الكاتب اسما مستعارا فإنه يتقنع بقناع أو يختفي وراء خمار الأسماء، وهناك أسباب تدعو إلى ذلك كالخوف من الرقابة السياسية، أو الهروب من الرقابة الدينية والاجتماعية أو الفرار من الحقد والظلم أو الحشمة والخفر عند النساء، ففي الخليج مثلا لا تسمح بعض العائلات لبناتها بممارسة الكتابة وبروز أسمائهن الحقيقية على أغلفة الكتب القصصية والشعرية، بل عند الرجال كذلك فمن المحافظين من يضيق بنشر قصيدة غزلية مثلا باسمه الحقيقي فيتخفى وراء اسم مستعار، وهناك من يضيق باسمه إذا كان الاسم يوحي بالعبث أو الفجور مثلا، أو معنى مستهجن فيتركه الكاتب مفضلا عليه الاسم المستعار، وحين اشتد التطرف والتكفير والتهديد بالقتل، عمد بعض الكتاب إلى التقنّع وراء الأسماء المستعارة حماية لأنفسهم، أو مركز الكاتب الطبقي، وهناك التماشي مع العرف وهناك الضيق بالاسم، أو النظر بالزراية إلى الكتابة القصصية، أو الشعرية عند طبقة معينة فيتحايل المبدع على ذلك باللجوء إلى التعمية، ويلجأ بعض أصحاب الوظائف السامية إلى التعمية لمزيد من الحرية في البوح، أو الكتابة كمن يشتغل بالقضاء أو الجيش أو رجال الدين، وهناك عقدة الأعمال الأولى فبعض الكتاب يعمدون عند نشر الأعمال الأولى إلى الاسم المستعار لجس النبض ورصد الأثر الذي تتركه أعمالهم، فإذا نجح عادوا إلى أسمائهم الحقيقية، فحين أصدر محمد حسين هيكل روايته «زينب» لم يشر إلى اسمه، بل كنى عنه بلقب مصري فلاح، لأن هيكل من الطبقة الأرستقراطية، وكانت هذه الطبقة تنظر إلى الفن القصصي نظرة دونية، ثم إن هيكل لا يعرف مصير هذه القصة من النجاح، أو الخيبة فاحتال لذلك بإخفاء اسمه واكتفى بالإشارة إلى أن القصة بقلم مصري فلاح.
وهناك سبب مادي يرتبط بالصحافة فالكتاب الذين يكتبون في صحف متعددة يضطرون من أجل الربح ومضاعفة مردودهم إلى الكتابة بأسماء مستعارة متنقلين بين صحف متعددة بكل حرية ما دامت كتاباتهم تلقى رواجا عملا بالقول المأثور: (انظر إلى ما كُتب لا إلى من كتب)، وربما قد يحرمهم الاسم الحقيقي من هذه المزية، خاصة أن بعض الصحف تنظر إلى بعض كتابها بمنظار الحصرية.
وعند العائلات السياسية العريقة تلجأ بعض الكاتبات إلى التخفي وراء قناع الألقاب لأن العائلة لا ترضى بالاسم الصريح، ومن ذلك حالة غادة الصحراء لمشاعل بنت عبد المحسن بن عبد العزيز آل سعود، وباحثة الحاضرة لفاطمة أخت الملك الحسن الثاني. على أن حالة أدونيس أحمد علي سعيد جديرة بالوقوف عندها فالشاعر الحداثي مارس نوعا من التحرر في اختيار اسم مستعار له بدلا عن الاسم الأول الذي أطلقه عليه أبواه، الذي يحيل على المرجعية العربية الإسلامية، في حين يحيل الآخر على المرجعية الإنسانية بالتشبث بهذا الاسم الإغريقي، ناهيك عن الدلالة العميقة للاسم، فأدونيس رمز للنهر والسهول يحيل على التجدد والانبعاث والتوتر والحركة.
لقد كانت الأسماء المستعارة والكنى والألقاب محل دراسة من القدماء وألفت فيها الكتب العديدة، ولعل من أشهرها «ألقاب الشعراء» لابن السائب الكلبي و»كتاب من قال شعرا فسمي به» للمدائني و»ألقاب الشعراء» لمحمد بن المرزباني و»ألقاب الشعراء» لمحمد بن حبيب و»ألقاب الشعراء» للزيادي و»ألقاب الشعراء ومن عرف منهم بالكنية ومن عرف منهم بالاسم « لابن طيفور و»كتاب من قال بيتا فلقب به» لمحمد بن الحسن الشكري و»ألقاب المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي و»الكنى والألقاب» لعباس القمي وللثعالبي فصل في الموضوع نفسه في كتابه «لطائف المعارف»، وسامي مكي العاني «معجم ألقاب الشعراء» وفؤاد صالح السيد «معجم الألقاب والأسماء المستعارة في التاريخ العربي والإسلامي».
في العصر الحديث كثرت ظاهرة الأسماء المستعارة بين الأدباء شعراء وكتاب إلى درجة أن المستشرق كراتشوفسكي الغيور على التراث العربي الإسلامي، كتب مقالا مهيبا بالكتاب والباحثين أن يتصدوا لهذه الظاهرة بفك طلاسمها، وحل معميات الأسماء، وتفسير هذه الملغزات حتى لا يقع القارئ في المستقبل في حيص بيص، ويختلط عليه الحابل بالنابل، وتستعصي عليه معرفة كاتب مقال أو قصيدة أو مؤلف كتاب فالأب أنستاس ماري الكرملي وقع بـ39 اسما مستعارا في 80 مجلة ودورية نشر بها بحوثا ومقالات. وقد بادر جرجي زيدان في أحد أعداد الهلال إلى التصدي لهذه المشكلة، فكتب بحثا عنوانه «ألقاب الشعراء من أقوالهم».
غير أن أهم محاولة جادة رصينة ومنهجية في هذا المضمار فكانت من الاختصاصي في علم المكتبات والببليوغرافيا والتوثيق يوسف أسعد داغر، فقد أسدى بمعجمه الشهير «معجم الأسماء المستعارة وأصحابها، لاسيما في الأدب العربي الحديث» خدمة عظيمة إلى الأدب العربي الحديث وإلى القراء والباحثين على وجه العموم، وعلى هذا المنوال وفي إطار ضيق أصدر عبد الرزاق القشعمي «الأسماء المستعارة للكتاب السعوديين».
ولعل من أشهر الأسماء المستعارة في الأدب العربي الحديث، بنت الشاطئ فقد ذكرت في سيرتها الذاتية أن لجوءها إلى هذا الاسم كان فرارا من الرقابة الأبوية، فقد كان والدها لا يرضى منها الكتابة ولا نشر الأشعار، فهو يرى ذلك مسا بسمعة العائلة وسمعته كرجل دين محافظ جدا، فاتخذت من شاطئ دمياط رمزا وقناعا تخفت أول الأمر وراءه ونشرت مقالاتها في «الأهرام» وغيرها. ومن توقيعات العصر الحديث ما اشتهر كثيرا، فمي زيادة كانت توقع مرة عائدة ومرة أخرى إيزيس كوبيا، وحسن حمدان مهدي عامل وبشارة الخوري الأخطل الصغير ومحمد صفوت الساعاتي ديك الجن وأحمد رامي شاعر الشباب وملك حفني ناصف اتخذت اسما مستعارا هو باحثة البادية، ويمنى العيد هو الاسم المستعار لحكمت صباغ الخطيب، وأمير البيان هو الاسم المستعار لشكيب أرسلان ومحمد الماغوط وقع سومر وغسان كنفاني فارس فارس وعبد الله الفيصل المحروم وخالد الفيصل دائم السيف، ويعقوب العودات البدوي الملثم، وتوقيعات أخرى ظهرت في الصحافة كالفارياق والشاعر المتألم ولاجئ عراقي ونسر الجبل وغريب عن أورشليم. بل من الكتاب من تخفى وراء أسماء نسائية كإبراهيم البيروتي مي الصغيرة والسعودي أحمد الحجازي فتاة الحجاز ورئيف خوري أم عباس وإحسان عبد القدوس في بعض مقالاته تخفى وراء اسم مستعار هو زوجة أحمد.
ولا شك أن هذه الأسماء المستعارة والتخفي وراء الأسماء القلمية كانت تحقق متعة بين رواد المقاهي للاختلاف حولها والبحث فيها ومحاولة معرفة أصحابها الحقيقيين بين قُصّاد تلك المقاهي، خاصة إذا تعلق الأمر بشأن سياسي خطير واختلاف الجلساء على الأسماء الحقيقية، حسب نوع المقال ودرجة أهميته.
وشاع كذلك أن تأتي المقالات غفلا من أسماء كتابها في بعض الصحف، ولكن القراء يعرفون أنها بقلم رئيس التحرير، كمقالات داود بركات وأنطون الجميل وخليل ثابت ويعقوب صروف، ومن الكتاب من كان يتستر وراء رمز كصليب، نجمة، نقاط متتابعة.
يقول أسعد داغر في مقدمة معجمه بعد أن قرأ مقالة كراتشوفسكي التي يهيب فيها بالباحثين العرب أن يتصدوا لمشكلة الأسماء المستعارة وحل معمياتها وفك طلاسمهما (منذ قراءتي هذا البحث البناء، أي منذ خمسين سنة تقريبا، أجمع في مجال الأسماء المستعارة ما ظهر منها، وأفهرس له فهرسة علمية قاموسية، إلى أن اجتمع لي من هذا كله قدر كبير رأيت أن أخرجه للناس ليفيد منه من يهمهم الأمر، وهم عديدون. وأنا على يقين أن العمل لم يبلغ بعد تمامه، وأن هناك مئات من أسماء الأقلام وشتى التواقيع المستعارة لم يتم الكشف عنها. فأقدمت مع ذلك على إخراجه ولساني يردد مع القائل «ما لم يدرك كله لا يهمل جله»).
والقصد من إثبات هذه الفقرة أن هذه الظاهرة لم تنقطع ما دامت تجد أساسياتها في الخلفية النفسية السيكولوجية، أو البنى الاجتماعية، أو الخلفية الدينية، أو السياسية أو توخي المصلحة الشخصية والحسابات المستقبلية أو المسايرة والمماثلة وهذا يلقي عبئا على كاهل الكتاب والباحثين في رصد هذه الظاهرة ووضع القواميس مستقبلا لفك طلاسمها، حتى لا يختلط الحابل بالنابل، خاصة أن بعض الكتابات أو الأشعار على درجة من الأهمية، سواء بالنسبة لصاحبها، أو الفترة الزمنية التي كتبت أو قيلت فيها.
*كاتب جزائري
رام الله- واثق نيوز- أعلن مركز الأبحاث الفلسطيني عن صدور مؤلفه الموسوعي الجديد الموسوم بعنوان "آثار وتاريخ فلسطين"، والذي يمثل عملا بحثيا ضخما وجاء نتاج تضافر جهود علمية لنحو أربعين باحثا وأكاديميا فلسطينيا، وهيئة تحرير متخصصة وبتقديم من محمد اشتية رئيس مجلس أمناء المركز.
ويقع هذا العمل في ثمانمائة صفحة من القطع الكبير ويتضمن أكثر من أربعمائة وعشر وسائل إيضاح متنوعة تشمل الخرائط والصور والمخططات التوضيحية، حيث يقدم الكتاب سردا حضاريا متكاملا لفلسطين يمتد من العصور الحجرية القديمة، وصولا إلى التاريخ المعاصر متبنيا منهجية علمية دقيقة تسعى لاستعادة الرواية التاريخية الفلسطينية الأصيلة وتحريرها من الأطر الاستعمارية ومحاولات الطمس الممنهجة.
وأشار رئيس هيئة التحرير حمدان طه، إلى أن محاور الإصدار توزعت لتشمل مراجعة شاملة للبحث الأثري وتطور اللغات القديمة ودراسة مخطوطات البحر الميت مع التركيز على الاتجاهات الحديثة في علم الآثار البيئي والمجتمعي، إضافة إلى استعراض التاريخ الديني والسياسي بما في ذلك التاريخ السامري ونقد الروايات التاريخية السائدة، وصولا إلى القضايا الراهنة المتعلقة بالهوية الوطنية الفلسطينية وأبعاد النكبة وآثار الاستيطان مع إعطاء مساحة خاصة للتاريخ الشفوي كأداة لحفظ الذاكرة الجمعية.
بدوره، بين مدير عام مركز الأبحاث منتصر جرار، أن هذا الإصدار يمثل وثيقة وطنية وعلمية بالغة الأهمية تهدف إلى تثبيت الحق الحضاري لشعبنا في أرضه، وتقديم الرواية الفلسطينية من منظور موضوعي شامل يواجه محاولات الاستحواذ والتزييف التي تعرض لها التاريخ على مدار القرن الماضي ليكون هذا الكتاب مرجعا رئيسا للأجيال المقبلة والباحثين في الشأن الفلسطيني.
القاهرة -واثق نيوز-صدر عن دور نشر مصرية، بالتعاون مع مؤسسة الهاشمي الثقافية في العاصمة المصرية القاهرة، ديوانان شعريان جديدان للشاعرة والروائية والأدبية الفلسطينية أفنان جولاني من مدينة القدس، وسط حضور لافت ضمن الفعاليات الأدبية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.
وجاء الإصدار الأول بعنوان "حب ودموع"، عن دار طيوف للنشر والتوزيع بإدارة نائب رئيس اتحاد كتاب مصر كروان الإذاعة المصرية الشاعر الدكتور السيد حسن، والشاعرة هناء أمين. فيما صدر الديوان الثاني بعنوان "قلب من لؤلؤ" عن دار المفكر العربي للنشر والتوزيع، بإدارة الأديبة الدكتورة سهام الزعيري والأديب حسام أبو العلا.
وتشارك الشاعرة جولاني في المهرجان الدولي العربي للشعر والفنون (دورة الأديب عباس محمود العقاد)، الذي انطلق في الثاني والعشرين من كانون الثاني الجاري في القاهرة، بمشاركة نخبة من كبار الأدباء والشعراء من مختلف أنحاء الوطن العربي.
كما ستشارك الأديبة جولاني في ندوة "ليلة شعر عربية" التي يستضيفها اتحاد كتاب مصر، لتقديم قراءات شعرية تركز خلالها على البعد الإنساني وقيم الحب والوفاء للوطن.
وتتناول الدواوين الصادرة قصائد تحاكي القيم الإنسانية، وتعكس معاناة الشعب الفلسطيني، وترسم بكلماتها صور الحزن والاضطهاد الإسرائيلي، إلى جانب استحضار جمال مدن فلسطين وتاريخها، كما تغنى بها الشعراء عبر العصور.
وأكدت الشاعرة جولاني أن هذه الإصدارات والمشاركات الثقافية تأتي في إطار إيصال صوت فلسطين ورسالتها الثقافية والأدبية إلى العالم، مشيرة إلى أن الكلمة الحرة والقلم سيبقيان أداة للتعبير عن الحق الفلسطيني في كافة المحافل الدولية.
عين الدّلب - خاص ب "واثق نيوز"- قالت الشاعرة والروائية اللبنانية الدكتورة نورا مرعي إن روايتها "حين بكت الجدران" محطّة نضج في مسارها الكتابيّ، وتغييرًا نوعيًّا في أسلوبها، لأنّها الأكثر التصاقًا بالذّاكرة الجماعية، والأكثر مواجهة مع الجرح من دون مواربة. هي خلاصة تجربة كتابيّة موجعة، حاولت فيها أن تكتب الإنسان في هشاشته، والمرأة في أسئلتها، والوطن في جروحه المفتوحة.
وأضافت: "هنا، لم أكتب لأروي وحسب، بل لأشهد على الإنسان حين يُجرَّد من الأمان، ويبقى متمسّكًا بما تبقّى من كرامته وحلمه بالحياة، ولأشهد على الجدران حين تتحوّل إلى ذاكرة، وعلى البيوت حين تفقد صمتها وتفصح عمّا رأت. ولأشهد على جرحٍ شخصيّ يشبه جراح كثيرين، وعلى ذاكرة جماعية نخشى أن تُمحى إن لم نكتبها". وفيما يلي نص الحوار:
لماذا اخترتِ عنوان "حين بكت الجدران" للرواية؟
لأنّني كنت أبحث عن عنوان لا يسمّي الحدث، بل أثره. في زمن الحرب، لا تبقى الجدران عناصر معمارية صامتة، بل تتحوّل إلى ذاكرة موازية للإنسان. هي الّتي سمعت الصّرخات، واحتضنت الخوف، وتشرّبت الغياب. حين يعجز البشر عن البكاء من فرط الصّدمة، تبكي الأمكنة عنهم.
اخترتُ هذا العنوان لأنّني أردت أن أقول إنّ الخراب لا يصيب الأجساد وحدها، بل يتسلّل إلى الحجر، إلى البيوت، إلى كلّ ما كنّا نعتقد أنّه ثابت وآمن. بكاء الجدران هو بكاء التّاريخ الصّغير، اليومي الّذي لا تكتبه الكتب، بل تحفظه الشّقوق والنّدوب.
نلحظ حضورًا قويًا للمكان في الرواية، كيف تعاملتِ معه؟
لم أتعامل مع المكان بوصفه خلفية للأحداث، بل بوصفه بطلًا صامتًا في الرّواية. المكان عندي ليس محايدًا؛ هو كائن حيّ يتفاعل مع العنف، يتغيّر. في "حين بكت الجدران" المكان حامل للذّاكرة، ومخزن للخوف، ومرآة للتحوّلات النّفسيّة. البيوت، الأزقّة، والغرف الضيّقة ليست مجرد فضاءات، بل حالات شعورية. أردت أن أكتب المكان كما يُعاش لا كما يُوصَف، لأنّ الحرب تغيّر علاقتنا بالأمكنة، فتصير مألوفة ومخيفة في آنٍ واحد.
لماذا هذا التركيز على الحرب في الرواية، وكأن حياتنا معلّقة بين موتين؟
لأنّ الحرب، في تجربتنا، لم تكن حدثًا استثنائيًّا ينتهي، بل واقعًا يتكرّر ويتحوّل إلى نمط حياة. نحن جيل عاش دائمًا على حافة الاحتمال الأسوأ، كأنّ الحياة مؤجّلة، وكأنّ المستقبل وعد هشّ.
الرّواية لا تسعى إلى تمجيد الحرب أو إعادة إنتاج مشاهدها، بل إلى تفكيك أثرها النّفسيّ والوجوديّ. أردت أن أكتب عن الإنسان الّذي يعيش بين موتٍ مضى ولم يُدفن بعد، وموتٍ آتٍ لا نعرف متى يحلّ. هذا التّعليق القاسي للزّمن هو ما يجعل الشّخصيات قلقة، هشة، ومعلّقة مثلنا.
اللغة في الرواية وصفية وشاعرية رغم قسوة الأحداث، لماذا هذا الاختيار؟
اللّغة كانت ملاذي الوحيد من العنف. القسوة إذا كُتبت بحدّتها العارية قد تتحوّل إلى مشهد صادم يفقد إنسانيّته. اخترت اللّغة الشّاعرية لا للتّخفيف من الألم، بل لإعادة المعنى إليه. الشّعرية هنا ليست ترفًا أسلوبيًّا، بل هو موقف أخلاقيّ وجمالي. هي محاولة لإنقاذ الإنسان داخل الحدث، ولحماية الذّاكرة من التّحوّل إلى أرقام وصور عابرة. بالكلمة، نحاول أن نُبقي للوجع اسمه، وللخسارة وجهها، وننقل التّأثير إلى الآخرين الّذين لم يعيشوا الصّدمة الّتي نقلتها عبر المجازر العديدة الّتي عشتها وفقدت بسببها رفاق حياة وعمر.
كيف ترين موقع "حين بكت الجدران" ضمن تجربتك الأدبية، وهل هي الرواية الأولى؟
"حين بكت الجدران" ليست الرّواية الأولى، بل هي الرّواية الخامسة في مساري السّردي. سبقتها روايات عديدة بعنوان: "هذا هو قدري، ستحبّينني يومًا، لا أخشى النّسيان، ولستُ رقمًا إنّني الزّوجة الأولى"، إضافة إلى دواوين شعرية ومجموعات قصصية.
أرى هذه الرّواية محطّة نضج في مساري الكتابيّ، وتغييرًا نوعيًّا في أسلوبي، لأنّها الأكثر التصاقًا بالذّاكرة الجماعية، والأكثر مواجهة مع الجرح من دون مواربة. هي خلاصة تجربة كتابيّة موجعة، حاولت فيها أن أكتب الإنسان في هشاشته، والمرأة في أسئلتها، والوطن في جروحه المفتوحة. هنا، لم أكتب لأروي وحسب، بل لأشهد على الإنسان حين يُجرَّد من الأمان، ويبقى متمسّكًا بما تبقّى من كرامته وحلمه بالحياة، ولأشهد على الجدران حين تتحوّل إلى ذاكرة، وعلى البيوت حين تفقد صمتها وتفصح عمّا رأت. ولأشهد على جرحٍ شخصيّ يشبه جراح كثيرين، وعلى ذاكرة جماعية نخشى أن تُمحى إن لم نكتبها.
رام الله- واثق نيوز- كرّم الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، في مقره بمدينة رام الله، الكاتب والمناضل القدير توفيق فياض، بحضور عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واصل أبو يوسف، وأعضاء الأمانة العامة، والجمعية العمومية للاتحاد.
ويأتي هذا التكريم تأكيدا على السيرة والمسيرة النضالية والإبداعية لتوفيق فياض، ودوره العارم والعالي كأحد أركان الكتيبة الثقافية المؤسِّسة، بما هو جدير بفلسطين قضيةً عادلة وثقافةَ مقاومة.
وقال الأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين الشاعر مراد السوداني: إننا نكرّم مناضلاً كبيراً لم يأخذ حقه في السياق الفلسطيني لكنه حصد تكريمات وازنة عربية، نحن في استدراك لحظة وفاء يستحقها بكل ما قدّمه من عطايا إبداعية وجمالية، وهو ما زال على قيد الفعل والثقافة والحضور.
وأضاف أن هذا التكريم يأتي في ظل ما تتعرض له فلسطين من إبادة جماعية وثقافية في كل الجغرافيا الفلسطينية، وتحديدا في غزة التي تواصل دفاعها عن الحياة ضد الموت والدمار ويثبت كتابها وأدباؤها وهم يدونون كتاب البطولة والعناد في كتابة مغايرة واستثنائية.
بدوره، قال أبو يوسف: إن توفيق هو أحد أعمدة الثقافة الفلسطينية، ونحن نكرّمه في ذكرى معين بسيسو، وهذا دليل على وحدة الثقافة الفلسطينية. وبهذا التكريم، وفي ظل الظرف الصعب الذي تمر به القضية الفلسطينية، يكون هذا تأكيدا على بقاء القضية حاضرة في الوعي، وأن الكُتّاب في طليعة تثبيت فلسطين وحقها، وأن الاتحاد حين يكرّم الكاتب الكبير توفيق فياض فإنه يثبت دوره التاريخي في سياق العمل النضالي والوطني وتثبيت الثقافة المقاومة.
من جهته، قال الكاتب توفيق فياض: أشعر بسعادة غامرة، وهذا التكريم هو أكبر من الشكر، وأن يأتي بعد هذا العمر فهو دلالة على بقعة الضوء وانتباه مقدّر من الاتحاد الذي يعمل بلا كلل على تثبيت الثقافة الفلسطينية حتى لا يدهمنا النسيان والتغييب في وقت نحتاج فيه إلى قولة المثقف الذي يحرس معنى فلسطين وثابتها.
وأشار الأمين العام الأسبق للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين الروائي والكاتب أسعد الأسعد، إلى أننا في الاتحاد نفتقد لكل إنسان قدّم لهذه الأرض ولن يتزحزح عن مقولته المقاومة، وفياض قدّم الكثير وما زلنا ننتظر الكثير منه، ونحن هنا أسرة واحدة نجتمع على المحبة وسياق فلسطين.