الدوحة - واثق نيوز- اعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في أمسية مهيبة، احتضنتها دار الأوبرا في الحي الثقافي “كتارا” بالعاصمة القطرية الدوحة، عن أسماء الفائزين بجائزة “كتارا” للرواية العربية، في دورتها الحادية عشرة لعام “2025”، وسط حضور ثقافي وإعلامي كبير..
وبرز اسم الكاتبة الفلسطينية “رولا خالد غانم” ضمن الفائزين في فئة الروايات المنشورة، عن عملها الروائي «تنهيدة حرية»، الذي حمل وجع الوطن وهمّ الحرية، في سرد إنساني عميق يجمع بين القسوة والرجاء..
وتُعدُّ “رولا غانم”، القادمة من مدينة طولكرم، من الأصوات السردية الفلسطينية الحديثة، التي تمزج بين الحس الوطني والبُعد الإنساني في كتاباتها، وقد أصدرت عددًا من الأعمال الأدبية التي تناولت قضايا المرأة والهوية والاحتلال..
وجاء فوزها هذا العام بمثابة انتصار رمزي لفلسطين، في واحدة من أعرق الجوائز الأدبية العربية..
وفي كلمة مؤثرة أثناء تسلّمها الجائزة، أهدت “غانم” فوزها إلى وطنها الأسير، وإلى ابنها “يزن” المعتقل في سجون الاحتلال، قائلة:-
«أكتب لأن الحرية ممكنة، ولأن الرواية قادرة على أن تفتح كوَّة في جدار السجن.»..
إلى جانبها، فاز في الفئة ذاتها كل من “حميد الرقيمي” من اليمن، عن روايته «عمى الذاكرة»، و”محمد جبعيتي” من فلسطين، عن «الطاهي الذي التهم قلبه»..
أما في فئة الروايات غير المنشورة، فقد نال الجائزة كل من أحمد صابر حسين (مصر) عن «يافي»، وسعد محمد (العراق) عن «ظل الدائرة»، ومريم قوش (فلسطين) عن «حلم على هذب الجليل»..
وتمنح الجائزة للفائزين مبلغ “30” ألف دولار أميركي، مع ترجمة الأعمال الفائزة إلى الإنجليزية وطباعة الروايات غير المنشورة..
وأكدت «كتارا» في ختام الحفل استمرارها في دعم الأدب العربي، وتعزيز حضور الرواية كجسر للتواصل الثقافي والإنساني، مجددة التزامها بالاحتفاء بالإبداع العربي في المحافل الدولية..
الكاتب : بن معمر الحاج عيسى
في البدء كانت الحكاية رمادًا يتنفس. ومن رحم الركام، تنبثق اللغة في نصّ «حكاية.. جناح الفينيق» ككائنٍ أسطوري يتقن التحوّل من الألم إلى الجمال، ومن الموت إلى الغناء. هذا العمل ليس رواية بالمعنى التقليدي، بل سيمفونية سردية تستعير شكل المسرح والقصيدة والحلم لتعيد تعريف معنى الحكاية الفلسطينية في الوعي الأدبي المعاصر. إنه نصّ ينهض من الحطام لا ليروي، بل ليعيد خلق العالم من خلال اللغة.
منذ المشهد الأول، يفاجئنا الكاتب"سماحه حسون" بتقنية البساطة المتوترة: امرأة تجلس قرب نافذة بيت مهدّم، وطفل ينام بين ذراعيها. غير أن هذا الهدوء الظاهري يخفي عاصفة داخلية من الأسئلة. فالنصّ لا يسرد المأساة، بل يزرعها في اللغة. كل جملة فيه تنبض بتوتر مزدوج بين الرعب والأمل، بين الصرخة والهمس. هنا، اللغة ليست وسيلة للتعبير بل وسيلة للبقاء. الكلمة نفسها تتحول إلى جناح، إلى وسيلة طيران رمزية فوق الخراب.
يعمل الكاتب على تفكيك الحكاية الفلسطينية الكبرى إلى مشاهد متفرقة، كل منها يلتقط ومضة من الضوء في العتمة، ويمنحها شكلًا سرديًا خاصًا. فهو لا يكتب الرواية كزمن متصل، بل كفضاء متشظٍ، كلوحة فسيفسائية من الأصوات والمشاعر والرموز. وهنا يكمن إبداعه الحقيقي: إنه يكتب فلسطين لا كقضية بل كحالة وجودية، كمعنى يتوالد من رماد التجربة الإنسانية، وكأسطورة جماعية لا تخضع لموت الزمان.
من حيث البنية، يقوم النص على وحدة الرموز وتناوب الأصوات. الشخصيات ليست أفرادًا بل أطيافًا للوجدان الفلسطيني: أم يوسف هي الأم الكبرى، رحم الأرض الذي لا يجفّ؛ آدم هو براءة الخلق الأولى التي لم تتلوث بعد بالخذلان؛ ليان هي الوعي الجامعي، الجيل الذي يبحث عن حرية عبر الكلمة لا البندقية؛ الحاج عبد القادر هو الذاكرة التي تفتح الأبواب بالصدأ لا بالمفاتيح. الكاتبة لا تقدّم شخصيات روائية بقدر ما ترسم أيقونات رمزية، لكل منها ظلّ في ضمير النص. لذلك لا يمكن قراءة العمل على مستوى الحدث، بل على مستوى الإيحاء.
كل فصل في الرواية يشبه دورة من حياة الفينيق: احتراق، رماد، ثم بعث. ومع كل دورة تتغير النبرة اللغوية: في البداية تغلب لغة الحزن المجرّدة، ثم تتحول تدريجيًا إلى خطاب جماعي يتقاطع فيه صوت الفرد وصوت الجماعة. هذا التحوّل البنائي ليس مجرد تقنية بل هو جوهر الرؤية: أن الفينيق لا يولد إلا من اشتعالٍ متواصل. وكأن الكاتب يعيد إنتاج الأسطورة في جسد اللغة الفلسطينية المعاصرة، فيجعل من الفينيق استعارة ممتدة للهوية ذاتها، التي تموت وتنهض دون أن تفقد جوهرها.
لغويًا، يعتمد الكاتب على التكرار بوصفه نَفَسًا شعريًا يُؤسس الإيقاع الداخلي للنص. عبارة «العنقاء بدأت رحلتها» تتردد في مواضع متعددة كترتيلة وجودية، تعيد للغة وظيفتها الطقسية. هذا التكرار لا يرهق النص بل يمنحه طاقة دائرية، تذكّرنا ببنية القصيدة الصوفية التي تدور حول مركز غامض هو «الخلود». كذلك تتجاور في النص الجمل المقتضبة المشحونة بالمعنى مع الجمل الوصفية الطويلة، مما يخلق تنويعًا صوتيًا أشبه بالتنفس بين الحزن والرجاء.
تيبدع الكاتب في استخدام الرمز المكاني. فغزة ليست مجرد مكان جغرافي، بل رحم الأسطورة، المدينة التي تلد نفسها من النار. أما الضفة فهي مختبر الكلمة والذاكرة، والقدس هي القلب، مركز النور والمفارقة بين السماء والأرض. هذا التقسيم المكاني الثلاثي يتحول إلى بناء روحي للنص: كل مشهد في مدينة يقابل بعدًا في الوجود - الجسد، العقل، والروح. وحين يتوحد الخطاب في الفصول الأخيرة، تصبح المدن الثلاث جناحين للفينيق نفسه، فيتحقق اكتمال المعنى الرمزي: فلسطين ككائن أسطوري واحد متعدد الملامح، لكنه موحد بالوجع.
من الناحية الأسلوبية، تجمع الرواية بين تقنيات السرد المسرحي والكتابة الشعرية. المشاهد المتتابعة تحمل إيقاعًا بصريًا وحوارات قصيرة مشدودة، كأنها فصول مسرحية مكتوبة بلغة نثرية غنائية. هذا المزج بين السرد والدراما والشعر يجعل النصّ يتجاوز حدود النوع الأدبي. إنه ليس رواية بالمعنى الصارم، بل «أنشودة درامية» عن الوجود الفلسطيني. حتى عندما يصف الكاتب الدمار، يفعل ذلك بوعي جمالي: الركام لا يُروى كخسارة، بل كفضاء تنبت فيه الرموز. وهنا تبلغ اللغة ذروتها، إذ تتحول المأساة إلى مادة فنية، والوجع إلى شكل من أشكال الخلق.
أحد أهم ملامح التفرّد في النص هو تحوّل اللغة من وصف الخارج إلى كشف الداخل. فالرواية لا ترسم مشاهد الحرب بقدر ما تُصغي إلى ما يقوله الصمت بعدها. الأصوات، الهمسات، الخوف، وحتى الغبار، كلها تتكلم بلغة داخلية. أم يوسف لا تبكي على بيتها فقط، بل على ما تبقى من القدرة على الحلم. وآدم، حين يرسم الجدار، لا يمارس فعل الرسم بل فعل المقاومة الجمالية. هنا يصبح الفن نفسه سلاحًا، لا في وجه العدو فحسب، بل في وجه العدم. كل طفل في النص يحمل ريشة أو كلمة أو شتلة، وكلها رموز لأشكال مختلفة من الاستمرار.
الكاتب ينجح أيضًا في بناء شبكة رمزية دقيقة: الشتلة رمز للحياة، الشلال رمز للتطهير، الريشة رمز للخلق، والجناح رمز للتحرر. كل فصل يعيد تأويل هذه الرموز في سياقات جديدة، فتتحول إلى لغة داخلية للنص، كأن الرواية تنسج معجمها الخاص. في الفصول الأخيرة، حين تتسع الدائرة لتشمل الأطفال من أنحاء العالم، يصبح جناح الفينيق عالميًا، ويغدو النص نفسه فعل تواصل إنساني يتجاوز الحدود. وهنا تبلغ الحكاية بعدًا كونيًا: الأسطورة الفلسطينية تتحول إلى ميثولوجيا للإنسان المعاصر، الباحث عن معنى النهوض وسط الرماد.
أما البنية الزمنية، فهي حلزونية لا خطية. لا وجود لبداية أو نهاية، بل تكرار متصاعد لدورة الحياة والموت. الزمان في النصّ يتحرك وفق إيقاع الذاكرة لا التقويم، لذلك يشعر القارئ بأن كل مشهد هو امتداد للذي سبقه وفي الوقت ذاته ولادة جديدة له. هذه التقنية تمنح النص طابعًا صوفيًا، كأن الحكاية لا تُروى لنعرف ما حدث، بل لنتأمل معنى أن يحدث. وتلك هي ذروة النضج السردي: حين يتحول السرد إلى تأمل، والحدث إلى رؤية.
اللغة في الرواية تشبه تنفسًا طويلًا بين جملٍ قصيرة مشحونة بالوجدان وأخرى منسوجة بإيقاع شعري يمتد في الزمن. هناك وعي صوتي في اختيار الكلمات: تكرار حروف النون والميم والراء يمنح النص موسيقى داخلية هادئة تشبه همس الصلاة. والأجمل أن الكاتبة تمارس الاقتصاد في الاستعارة: الصورة لا تأتي للزينة بل للمعنى. عندما تقول مثلًا «الرماد الذي يتنفس»، فهي لا تبحث عن غرابة لغوية، بل تفتح بابًا تأويليًا للكينونة: كيف يمكن للموت أن يظل حيًا؟ كيف يمكن للمكان أن يواصل التنفس بعد الفناء؟ هنا تكمن شعرية النص: في استنطاق المستحيل.
من زاوية السرد، تبرز تقنية المرآة السردية بين الشخصيات الثلاث الرئيسة. آدم يرسم، ليان تكتب، والحاج عبد القادر يروي. الرسم، الكتابة، والرواية هي ثلاث مستويات للتعبير عن الذات الفلسطينية: البصر، الفكر، والذاكرة. هذه المستويات تتكامل في المشهد الأخير حين تتوحد الأفعال الثلاثة في جناح واحد: الرسم يصبح كتابة، والكتابة تتحول إلى رواية، والرواية نفسها تصبح جناحًا للحرية. بهذا التوحيد، تبلغ الحكاية معناها النهائي: أن الفن - بكل أشكاله —-هو أداة البعث المستمر.
في منتصف الرواية، يتبدل الإيقاع من الحزن إلى المشاركة الجماعية، حيث تتلاقى المدن الثلاث في شبكة من الرسائل والشتلات. هذا التحول السردي يعكس نضوج الفكرة المركزية: الفينيق لا ينهض من رماده وحده، بل من تعاون الأجنحة. وهنا تظهر البراعة البنيوية في تصعيد المعنى تدريجيًا من الخاص إلى العام، من الأم إلى الجماعة، من الجغرافيا إلى العالم.
أما على مستوى الصورة، فإن الرواية تستعير من الأسطورة لتعيد كتابتها وفق المنظور الفلسطيني. الفينيق هنا ليس الطائر الخرافي الذي يحترق ليولد من جديد فحسب، بل هو استعارة للهوية الجمعية التي ترفض الفناء. في كل مرة ينهار فيها البناء الواقعي، تنهض البنية الرمزية من رماده، لتؤكد أن «الحياة» في المخيلة الفلسطينية لا تُقاس بالزمن بل بالقدرة على الحلم.
تتميّز الرواية كذلك بقدرتها على تحويل الألم إلى جمال دون الوقوع في الابتذال أو العاطفية المفرطة. اللغة تمسك بحافة التوازن بين الإحساس والتجريد، فلا تغرق في البكاء ولا تتجمّد في التنظير. إنّها كتابة تعرف كيف تصرخ بصمت، وكيف تهمس بقوة. والكاتبة تدرك تمامًا أن الجمال في الأدب الفلسطيني لا يُخلق من الزهور، بل من الركام، من الغبار الذي يكتب الشعر بدل أن يمحوه.
ومن أعمق ما يميز النص هو البعد الأنثوي المقاوم: حضور الأم ليس حضورًا بيولوجيًا بل كونيًا. أم يوسف تجسد الأرض – الحاضنة والمُنبتة، صبرها هو المعادل الرمزي للخصوبة رغم الدمار. هذا الحضور الأمومي يعيد إلى الأدب الفلسطيني بعده الإنساني المفتقد في السرديات السياسية، إذ يمنح الصمود ملمسًا حنونًا لا بطوليًا، ويحوّل المقاومة من فعل خارجي إلى فعل حِبٍّ داخلي.
الكاتب أيضًا يستخدم تقنية الانعكاس الرمزي بين المشهد والمشهد: كل صورة تُعاد بصيغة أخرى في الفصول التالية – الجدار، الجناح، المفتاح، الشتلة – كأن النصّ يعيش حالة تناسخ رمزي. هذا التكرار الذكي يمنح الرواية بنيةً موسيقية، تجعلها أقرب إلى قصيدة طويلة منها إلى رواية تقليدية. فالأحداث ليست هدفًا بقدر ما هي نغمٌ متكرر، يذكّر القارئ بأن التاريخ الفلسطيني نفسه ليس خطًا زمنيًا بل لحنًا أبديًا من المقاومة والأمل.
من الناحية الجمالية، تُمارس الرواية اقتصادًا لغويًا راقيًا. كل جملة تبدو محسوبة بإيقاعها الداخلي. حتى الحوارات القصيرة تحمل حمولة رمزية كثيفة. الجمل المقتضبة بين الأطفال أو النساء تُقابلها تأملات طويلة للشخصيات الكبرى، وهذا التباين يخلق توازناً صوتيًا بين البراءة والحكمة، بين الطفولة والذاكرة. وهكذا يتحول النص إلى نسيج متكامل من الأصوات، حيث لا يطغى صوت على آخر، بل تتناغم كلها في سيمفونية واحدة تُعزف على وتر الأمل.
أما على مستوى التلقي، فإن النص يوجّه قارئه نحو قراءة تأويلية مفتوحة. لا شيء يُقال مباشرة، وكل شيء يُلمّح إليه عبر الإيحاء. هذه المسافة الجمالية بين الدال والمدلول تمنح القارئ مساحةً للمشاركة في صناعة المعنى. وهذا ما يجعل «حكاية.. جناح الفينيق» نصًا تفاعليًا لا يُستهلك بالقراءة الأولى. إنه عمل يولّد معانيه باستمرار، كما يولد الفينيق من رماده في كل مرة.
النص ينجح أيضًا في تحقيق مصالحة بين الواقعي والرمزي. فبينما تظل تفاصيل الحرب والركام حاضرة، لا تتحول الرواية إلى وثيقة سياسية، بل تبقى ضمن أفق الفن، حيث الواقع ليس غاية بل مادة أولى لصياغة الجمال. بهذا المعنى، يحقق الكاتب ما لم يحققه كثير من الأدب المقاوم: أن تقول الحقيقة دون أن تقتل الشعر.
في الفصول الأخيرة، حين يمتد جناح الفينيق إلى العالم، تنفتح الرواية على فضاء كوني جديد. لم تعد فلسطين وحدها مركز الحكاية، بل الإنسانية كلها. هذه النقلة من المحلي إلى الكوني لا تُضعف النص بل تعززه، لأنها تنبع من منطق داخلي طبيعي: كل ألم صادق يتحول إلى لغة عالمية. وهكذا، تتحول الرواية من ملحمة وطنية إلى نشيد إنساني شامل، من رمز للنهضة الفلسطينية إلى استعارة عن ميلاد الإنسان في مواجهة الفناء. إن «حكاية.. جناح الفينيق» عمل يتجاوز حدود السرد التقليدي، ليؤسس لمدرسة سردية جديدة يمكن تسميتها بـ «الملحمية الوجدانية الفلسطينية» — كتابة تمزج الحسّ الأسطوري بالوجدان الجمعي، وتعيد إلى الأدب العربي الحديث طاقته الأولى: أن يحكي لا ليوثّق، بل ليحلم، أن ينقذ اللغة من البلاغة الجوفاء، وأن يعيد لها وظيفة البقاء. في نهاية المطاف، يظل الفينيق رمزًا للكتابة نفسها: تحترق الورقة لتولد القصيدة، ويُهدم البيت لتبقى الذاكرة، ويُحاصر الجسد لتتحرر الروح. من هذه المفارقة وُلد النصّ، ومن هذه المفارقة يعيش. إنّ الكاتب لا يكتب عن الفينيق فحسب، بل يكتب بلغة الفينيق — لغة تتغذى من الرماد وتؤمن أن الجمال هو المقاومة الأخيرة.
القاهرة- واثق نيوز- رحل أمس الجمعة الكاتب والروائي المصري رؤوف مسعد (1937 – 2025)، بعد مسيرة فكرية وإبداعية امتدت لأكثر من ستة عقود. مسعد، الذي عاش نصف حياته في المنافي، ظلّ حتى أيامه الأخيرة وفياً لفكرته الأولى؛ أن الأدب يكتب من تخوم القلق والاختلاف.
وُلد الراحل في مدينة بورتسودان السودانية لأسرة مصرية قبطية، وكان والده القس متّى مسعد من الشخصيات الدينية المعروفة في الكنيسة الإنجيلية المصرية. غير أن الابن تمرد مبكراً على الموروث الديني والاجتماعي، باحثاً عن رؤيته الخاصة للعالم. بعد تخرجه من جامعة القاهرة في مطلع الستينيات، التحق بالعمل الصحافي وشارك في النشاط السياسي اليساري، ما أدى إلى اعتقاله لسنوات عدّة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر. في السجن بدأ يكتب نصوصه المسرحية الأولى، مدركاً أن الكلمة يمكن أن تكون مساحة حرية حتى خلف القضبان.
بعد مغادرته المعتقل، هاجر رؤوف مسعد من مصر إلى بولندا لدراسة الإخراج المسرحي، قبل أن ينتقل بين بغداد وبيروت وأمستردام، متنقلاً بين عواصم المنفى باحثاً عن فضاء لا تُصادر فيه الكلمة، استقر في هولندا منذ الثمانينيات، وواصل الكتابة والنشر بالعربية، وظل حاضراً في المشهد الثقافي العربي عبر مقالاته ومشاركاته في الندوات والملتقيات الأدبية.
تميّز رؤوف مسعد بجرأته الفكرية وبتجريبه الدائم في اللغة والبناء السردي، جامعاً بين الواقعية الساخرة والتحليل النفسي والفلسفي. في رواياته وشهاداته الأدبية، كان يواجه السلطة الاجتماعية والسياسية على حد سواء، ويعيد طرح أسئلة الحرية والهوية والعدالة. لم يكن كاتباً للتيارات أو الأيديولوجيات، وإنما كاتب الإنسان في ضعفه وشجاعته وفي غربته الداخلية قبل الجغرافية.
من أبرز أعماله الروائية "بيضة النعامة"، التي عالج فيها موضوع السلطة والذاكرة، و"غواية الوصال" و"صانعة المطر"، و"مزاج التماسيح" و"إيثاكا"، إضافة إلى سيرته الأدبية "لما البحر ينعس: مقاطع من حياتي"، الصادرة في جزئها الأول سنة 2020، التي مزج فيها الأديب بين السيرة الشخصية والسرد التاريخي لتجربته في المنافي.
كما كتب عدداً من المسرحيات منها يا ليل يا عين ولومومبا والنفق، وأسهم في تأسيس دور نشر مستقلة دعمت حرية التعبير وفتحت المجال أمام الأصوات الجديدة.
نعى الراحل عددٌ كبير من الأدباء والمثقفين المصريين والعرب، مؤكدين أن رحيله يمثل خسارة لضمير ثقافي ظلّ طوال حياته وفيّاً لفكرة التنوير.
الكاتب : محمد زحايكة
رحل شاعر القدس فوزي البكري الصديقي ، أكثر شعراء القدس وربما فلسطين جدلا في العشريات الاخيرة ، بسبب أشعاره الملتهبة التي تنكأ الجراح وتهاجم بشراسة المتلاعبين بمقدرات الشعب او المتخاذلين والمتهاونين والمتعيشين على ظهور الغلابة والمساكين.
بكلمات نارية وصور شعرية متمردة كان ينتقد الراحل البكري الكثير من الظواهر السلبية التي كانت تطل برأسها في مجتمعنا الفلسطيني المبتلى بالاحتلال الغاشم. لقد كان ابو اسلام واشعاره النارية الساخرة سيفا مسلطا على رقاب من اسماهم " القطط السمان" والذين اثروا في غفلة من الزمن على حساب الشعب وجماهيره الكادحة. كما صب نيران اشعاره على الاحتلال واعوانه وتجار الدم والباحثين عن الثراء السريع والبروزة الفارغة في الاعلام دون ان يقدموا اي شيء حقيقي لخدمة شعبهم او تقريبه من تحقيق طموحاته على ارض الواقع ، وانما نظروا الى الثورة على انهاء ثروة وبقرة حلوب يجب مص ثدييها حتى آخر قطرة حليب وحتى التخمة والثمالة ، اما الشعب فكفاه الله شر التخمة؟!!
والى جانب ذلك، تغنى شاعر القدس بمدينته الاحب الى قلبه، ورسم لها كعروس جميلة مختالة ازهى الصور الشعرية ووضع القناديل المتوهجة على سورها العتيق كما ساح في ازقتها وحواريها كصعلوك قديم رث الثياب، متيم بعشقها وجلس راهبا متعبدا في محرابها العريق ، وبثها اوجاعه وآلامه كمسيح مشى على دروبها نحو الجلجلة او الجلجلثة حاملا صليب القيامة والحياة. وانشد للبسطاء واصحاب البسطات والحمالين والمقهورين والفلاحات المليحات وما يعرضنه من زرع وثمر الارض الفلسطينية الطيبة كالميرامية والبقدونس والخس والزعتر.
كانت اشعار ابو اسلام وآهاته ومواويله التي غرد بها في أشرطة مسجلة بمثابة مناشير ثورية مفعمة بالصدق والعاطفة المشبوبة ومشاعر العشق الابدي لقدسه وشعبه، وباتت هذه الاشعار المتوهجة كضوء الشمس مزامير رائعة الجمال والحضور في المخيال الشعبي على امتداد الارض الفلسطينية . كما لم ينس هذا الشاعر الفذ التغني بالوطن الفلسطيني والعربي، وفي المقدمة منه الجولان السوري المحتل وشعب الهضبة الاصيل الذي منحه الحب والتقدير، ليتغنى البكري برمز الثورة السورية الاعظم وجبل العرب سلطان باشا الأطرش الذي ما زالت صورته مشرقة تنير كل ارجاء الوطن العربي الكبير.
فوزي البكري.. دمت حيا في القلوب ابد الدهر. يكفيك انك كنت قيثارة شجية لروح القدس العربية الحزينة. لك المجد والخلود ولشعبك الحرية والاستقلال الناجز.
الكاتب:عمران عبد الله
بعد غياب دام 8 سنوات، يعود الروائي الأميري دان براون -سيد شيفرات التاريخ وألغاز الفن- ليطرح سؤاله الأكبر حتى الآن: ماذا يحدث عندما نموت؟
في روايته الجديدة "سر الأسرار"، وهي السادسة ضمن مغامرات أستاذ الرموز الخيالي روبرت لانغدون، يخوض براون في رحلة لاهثة عبر أزقة براغ، في سباق لكشف "مفتاح الحكمة القصوى" المتمثل في سر ما بعد الموت، مراهنا -كما اعتاد- على أن القراء يحبون الشعور بأنهم يطّلعون على أسرار أو حقائق ممنوعة.
صدرت الرواية في التاسع من سبتمبر/أيلول 2025، بـ16 لغة حول العالم في الوقت نفسه، مع طبعة أولى أميركية بلغت 1.5 مليون نسخة، لتتصدر فورا قوائم الكتب الأكثر مبيعا، في شهادة على الترقب الهائل من قبل ملايين القراء الذين أدمنوا خلطته السحرية من التشويق والمعرفة، حتى وإن كانت الحوارات بين شخصياته مختزلة وسطحية أحيانا ولا ترقى إلى عمق أدبي كبير (كبناء نفسي وإنساني).
واللافت أن هذا السؤال الوجودي لم يغير شخصيات الرواية فحسب، بل غير الكاتب نفسه، فبراون -الذي بدأ رحلة البحث متشككا- يعترف اليوم بأنه "لم يعد يخشى الموت"، مما يضفي على هذا العمل بعدا شخصيا وإنسانيا عميقا، فهل يحاول براون أن يخلع معطف كاتب الإثارة ليكون أديبا حقيقيا مسكونا بأسئلة الصنعة الأدبية الكبرى؟ ونتساءل هنا هل جنس الرواية البوليسية وخفة وسرعة إيقاع فصولها تناسب تلك الأسئلة الكبرى؟
براغ الغموض
اختار براون عاصمة جمهورية التشيك ومملكة بوهيميا القديمة مسرحا لأحداثه، ولم يكن الاختيار اعتباطيا، فبراغ، بتاريخها وسمعتها الفانتازية، كانت توصف بأنها "عاصمة أوروبا الصوفية" منذ عصر الإمبراطور رودولف الثاني، الذي جمع فيها العلماء والسحرة والخيميائيين، وذلك بفضل أزقتها السرية الملتوية وأديرتها وقلاعها العتيقة وأجوائها التي تعج بالأسرار، الأمر الذي جعل من المدينة شخصية قائمة بذاتها في الرواية.
يصل البروفسور روبرت لانغدون إلى براغ في قلب الشتاء، برفقة حبيبته الجديدة، الدكتورة كاثرين سولومون، العالمة المتخصصة في علم النويطيقا (علم الوعي والفكر).
تلقي الدكتورة كاثرين سولومون محاضرة تعرض فيها خلاصة سنوات من البحث: فرضية جريئة مفادها أن الوعي البشري ليس محتكرا للدماغ، بل إن أدمغتنا ليست سوى أجهزة استقبال لإشارات من حقل وعي كوني أوسع يحيط بنا. تثير هذه الفكرة المزلزلة تذمرا وهمسا بين الحضور، لكن قبل أن تختتم الليلة، يتحول الجدل الفكري إلى رعب دموي مع مقتل أحد الحضور بطريقة وحشية، وتختطف كاثرين نفسها في غموض، ويسرق الملف الرقمي الذي يحمل بيانات بحثها الثمين.
هذا التفسير الميتافيزيقي، الذي وجده لانغدون في البداية أشبه ب"الهراء العلمي"، سرعان ما ينقلب إلى حقيقة خطيرة، فمن جهة، هناك جهات خفية نافذة لن تسمح بنشر هذه الاكتشافات الثورية (وهي ثيمة متكررة في أعمال صاحب شيفرة دافنشي).
ثم تبدأ المطاردة المحموم، ويجد لاندغون نفسه غارقا في شبكة من المؤامرات المعقدة التي تتشابك فيها خيوط جهات علمية غامضة، ومنظمات سرية، وأجهزة استخبارات دولية. (تحذير: الفقرات الـ3 التالية تتضمن كشف الحبكة)
مع تطور الأحداث، يتضح أن الهدف ليس إسكات الباحثة بقدر ما هو السيطرة على مفتاح يؤدي إلى كشف السر الأكبر (حقيقة ما بعد الموت)، وهو السر الذي تخشى بعض الدول والمنظمات أن يستخدم لتبديل موازين القوى المعرفية في العالم، يطارد لانغدون وكاثرين عبر أزقة براغ القديمة من قبل قاتل مقنع يتخفى في زي "الغولم" ويجبران على خوض سباق مع الزمن لحماية البيانات وإنقاذ حياتهما.
وتضيق الدائرة ببطلي الرواية وتتسع شبكة الخيانة، ويتكشف أ محرر لانغدون نفسه، متورط في المؤامرة بعد أن تم خداعه ليكون كبش فداء؛ كما يظهر أن أحد أعضاء السفارة الأميركية في براغ يتعاون مع الجهة الغامضة لتحقيق مصالح علماء نافذين. وفي خضم المطاردة، تعرض معلومات تقنية عن تجارب علمية حقيقية أجريت على مرضى في غيبوبة، أظهرت كيف أن أدمغتهم أرسلت إشارات غامضة قبل أن يعودوا إلى الوعي، لتستخدم كدليل جزئي يدعم فرضية كاثرين.
في ذروة الحبكة، يقودهم البحث إلى مخبأ سري تحت كاتدرائية القديس فيتوس المهيبة، حيث ولدت أسطورة الغولم، وهناك، يواجهان القاتل في مواجهة نهائية، لكن المفاجأة الكبرى تكمن في أن هذا الكائن الخرافي ليس سوى قناع يخفي خلفه أحد الأصدقاء المقربين لكاثرين، مدفوعا برغبة محمومة في الشهرة والخلود المعرفي. ويكشف أيضا أن المخطوطة المسروقة هي جزء من كتاب أكبر وأقدم، أعده أسلاف من سلالة صوفية قديمة نجحت في فك سر "وعي الكون" ونقلته شفهيا عبر الأجيال، ليصبح الصراع سباقا للوصول إلى هذا الإرث المحرم، بحسب أحداث الرواية.
وللطرافة كتب معلق في صحيفة تشيكية أن براغ، التي تعاني أصلا من اجتياح السياح و"ترفيهية مفرطة" في مركزها التاريخي، ابتليت الآن بآفة جديدة هي رواية دان براون التي ستجلب مزيدا من السياح المتعطشين للغرائب.
تشريح الخلطة البراونية
يحافظ دان براون في "سر الأسرار" على الخلطة السحرية التي صنعت شهرته، بل ويصفها البعض بأنها أكثر رواياته طموحا وتعقيدا، حتى ولو اعتبر آخرون أنه بلغ سقف السخف في سبيل الإثارة.
أولى هذه الملامح هي الحبكة ذات الإيقاع اللاهث، فالفصول القصيرة التي تنتهي بلحظة ذروة أو كشف مباغت يترك القارئ متلهفا للصفحة التالية، كما هي عادة براون في أعماله السابقة، فلا يكاد القارئ يلتقط أنفاسه حتى يفاجأ بمنعطف جديد، مما يجعل الرواية -حسب وصف صحيفة واشنطن بوست- "600 صفحة صاخبة تعج بالقتل والفوضى".
ثانيا، الألغاز والرموز التي لا يتخلى عنها براون، فالقارئ مدعو للعب دور المحقق، متتبعا الشيفرات المبثوثة في معالم براغ، ومخطوطة شيطانية غامضة تعرف بـ"إنجيل الشيطان المقدس"، وأسطورة الغولم التي تصبح لغزا محوريا، والغولم كائن أسطوري في العهد القديم والتلمود ويصور عادة من الطين ويبعث للحياة بواسطة السحرة أو العلماء.
ثالثا، الخليط المعرفي الموسوعي، فالرواية تمزج الترفيه بالمعلومات، وتستفيض في وصف تاريخ ثالث أكبر مدينة في أوروبا في القرن الـ14 وفنونها، وتتطرق إلى علوم معاصرة كنظريات الوعي وفيزياء الكم، وحتى مشاريع واقعية مثل شريحة "نيورالينك" لإيلون ماسك. هذا الأسلوب، الذي وصفه ناقد في "نيويورك تايمز" مازحا بأنه يوفر على القارئ "بعض مهام البحث في جوجل"، يراه آخرون حشوا للمعلومات أشبه بمقالات ويكيبيديا، وإن كانت "واشنطن بوست" قد لاحظت أن براون أصبح أكثر ضبطا في إيقاف الحركة من أجل تقديم محاضرات تاريخية.
رابعا، الشخصيات التي تمزج الواقع بالخيال، فيعود في هذه الرواية وجهان مألوفان: كاثرين سولومون، التي ظهرت أول مرة في "الرمز المفقود"(2009)، وجوناس فوكمان، محرر لانغدون، وهو في الواقع انعكاس ساخر لمحرر دان براون الحقيقي، جيسون كوفمان، الذي أدخله براون في قلب الأحداث وجعله يتعرض للاختطاف، حتى أنه يصرخ في لحظة طريفة: "هذا مجرد نشر كتب يا جماعة!". أما لانغدون نفسه، فلا يزال -كما في الروايات السابقة- ذلك البروفسور المثقف الهادئ، الذي يعتمد على ذكائه أكثر من عنفه، وإن لاحظ بعض النقاد أنه بدا في هذه الرواية متواريا قليلا لصالح شخصية كاثرين.
ويلاحظ في روايات دان براون ذلك الصراع الأزلي بين الدين والعلم وبالرجوع لأصل دان براون نرى أنه قد ترعرع وسط أسرة من أب يعمل أستاذ رياضيات وأم محترفة موسيقى دينية، وهذا ما يرخي بظلاله على رواياته، كما أن عشقه للترميز والألغاز جعل جميع رواياته مبنية على ألغاز يفكها روبيرت لانغدون، هذا العشق يمتد حتى لبيته، فمنزل دان براون مصمم على شكل متاهة كبيرة، كما دوّن الصحفي المغربي أيوب واجا.
إشادة ونقد لاذع
كما هي عادة أعمال دان براون، أثارت "سر الأسرار" طيفا واسعا من الآراء. فمن جهة، رحب كثيرون بعودة الكاتب وأشادوا بالجرأة الفكرية للرواية. واعتبرتها مجلة كيركس ريفيوز "محطة بارزة في السلسلة"، وكتبت واشنطن بوست أن متعة براون في كتابة الرواية "معدية"، وتوفر وجبة تسلية ضخمة تدفع القارئ لالتهام صفحاتها.
على الجهة الأخرى، لم تسلم الرواية من النقد اللاذع، إذ وصفتها صحيفة غارديان البريطانية بأنها "هراء من العيار الثقيل من البداية إلى النهاية"، لكنها اعترفت في الوقت نفسه بأنها ممتعة جدا لمن يتقبل هذا النوع من القصص.
وانتقدت الصحيفة أسلوب براون السردي الذي لم يتغير، لكنها تساءلت بذكاء: ما الذي يفعله براون صحيحا ليستمر في جذب ملايين القراء؟ الجواب كان براعته الفائقة في نسج حبكة شديدة الجاذبية ومليئة بالمنعطفات تجعل القراءة تجربة لا يمكن مقاومتها.
كما جاءت اعتراضات من علماء اعتبروا أن براون يروج لعلوم زائفة تحت غطاء روائي مشوق (وهو بالتأكيد لا ينضبط بالصرامة العلمية)، لكن هذه المآخذ، وإن كانت جدية، لم تمنع الرواية من تحقيق مبيعات مليونية وتصدر قوائم الأكثر مبيعا، حيث وجد فيها محبو براون كل ما ينتظرونه منه: ألغاز مثيرة، معلومات جديدة، ومغامرات في مدن قديمة.
في "سر الأسرار"، يحفظ دان براون مكانته بوصفه أحد أبرز رواة التشويق في العصر الحديث، رغم أن روايته بالتأكيد لا ترضي جميع الأذواق نقديا، وقد تفتقر إلى الجماليات الأسلوبية الرفيعة، لكنها تنجح ببراعة في تقديم تلك "الخلطة" التي صنعت نجاحه عبر مزيج من الغموض والتشويق والمؤامرات، مطعم بأسئلة فلسفية كبرى (بدون إجابات!)، ومرصع بجولات سياحية تاريخية (ترفيهية إن جاز التعبير).
وبالتأكيد الرواية -وسلسلة دان براون كلها- هي تأكيد على أن الإنسان يستهويه فك الغموض وحل الألغاز وتتبع قصص الجرائم، ويعتقد كاتب هذه السطور أن الثيمة الأهم التي ينبغي للنقاد والروائيين التقاطها هي أن المستقبل الروائي سيكون لمزج الترفيه بالمعارف الموسوعية والعلوم المعاصرة، فملايين القراء لا يشترون رواياته لأجل البلاغة، بل لأجل الإثارة والمعرفة الممتزجتين ببراعة.
الكاتب : المتوكل طه
اليوم ستبكي الأرضُ، فرحا وحزنا، غضبا وأسفا، معا! وستخبز قمحها بين الركام، الذي سيكون متراسا عنيدا، ينادي الحجارة لتعيد البيت إلى هيأته. ستنتصر إرادة البقاء وقوّة الحياة في غزّة، على كلّ العوائق وأشباح ألاعيب الساسة والفناء. ويثوب العاشق، الذي خسر الشجرة، ليقف منتظرا قمرَه العائد من الأعراس القديمة، ليكمل قصيدته المجروحة.
اليوم تبدأ المعركة، ليؤثّثَ، النازلُ من جحيمه، دارَه العارية المنعوفة، ويثبت أنه قمين بإعادة الجنّة إلى شكلها، ليبقى الموج جديرا باللّمّة والعرائش وتراتيل الهزيع والمواقد.
ربما انكسر الميزان، لكنّ حبّ المدينة هو الذي سيحرّك القلبَ، وليس كراهية الجنود، وتجّار الاحتكار، وباعة الأوطان.
ثمّة غمامٌ هلاميّ رخو فوق الرؤوس الشعثاء. وفنتازيا الجنون الذابح تؤوّب في الجنبات. ومحرقة الدوستوبيا، المقنّعة بدادائيّة بلهاء قاتلة، ما فتئت تستعين بالشيطان. وسوريالية لم تغادر الواقع الأشدّ غرابة! فهل وصلنا إلى الغموض الكامل أم الوضوح الكاسح؟ أم أن تعب القلب جعل الأمور تتداخل وتنصهر في بوتقة الرماد؟ وما أهمية هذا السؤال أو كلّ الأسئلة ما دامت غزّة قد قاربت الربع الخالي، الخالي إلا من الرمل والضباع وعساكر الكاوبوي ومندوبي النخّاس الكبير؟ وأن نينوى، بعيدة.. مع أنها قابلة لتجديد الموسيقى، ولاستيعاب زفّات الجنون؟
وما قيمة اللغة إذا لم تضمن لك البقاء تحت عري الندى، ومفردات المذبحة التي ما فتئ دمها ينزّ من الأشداق، أو الزلزلة التي تتصادى حجارتها الطائرة في الجهات، أو النسيان الُمطْلق للشهوات؟ وماذا تنفع الغابات والأنهار إذا لم تطلق أعنتّها للظباء، وتشهد الرفيف الأخضر ساعة الضحى؟
الصمتُ كلامٌ مكتوم.
وثمّةَ متّسعٌ للكلام. فَلا بُدّ من رقبة الديك حتى يظلَ قادراً على الصياح، ولا بُدّ من سكين المتنبئ حتى يشخب دمُ الطير على خدّ العروس، لتكتملَ زينتها، ويعودَ بكامل ألوانه المزركشة بعد أن يرقص بقشعريرته، ويلفّ ويدور حول نفسه، ذبيحاً طازجاً معفّراً بإكليله الأحمر الساخن.
ولا بُدّ من تلك الهّزة العميقة التي تنشر برقَها المتشعّب في الأوصال، عند كل فجيعةٍ أو ذكرى، أو جَمال يبطش، أو دمعة رجراجة كاوية.. عندها تحسّ أن أحشاءك تغوص بعيداً، كأنك على عتبة التحوّل إلى كينونة أخرى.
ولا بُدّ من عافية الصراخ والبكاء والضحك المجلجل والشبق، والذهاب إلى آخر الملح، أو إلى كهف الغابة المسحور. ولا بُدّ من عَرقِ الخطيئة ونَهمِ اللذّة والعبث، حتى يكون للحسرة طعمها الجليل. ولا بُدّ من السجود العميق والصوم والتمسّح بأثواب النور، حتى يخفّ القلب ويجنّح مع النجمة اليتيمة الواعدة. باختصار؛ لا بُدّ من كلّ شيء حتى نسحب أوراق الجنون من الوردة الريّانة المحتشدة بالرقّة والشّهد والرّهام الرقراق.
ولم تَعُدِ الأفعى من وردتِها السَّوداء، لتلقيَ علينا السلامَ، فقد هيّأتْ لأبنائِها النّاعمينَ، أقفاصَ الفراخِ والدمِ الطفلِ الفائض. وبقينا، على شيخوختِنا، نستعيدُ النَّايَ الذي هربَ من حقولِنا. فلا بأسَ من أن نقتسمَ التحيةَ على ما تبقّى من مشهدِ النهرِ الظامئِ، الذي كشفَ عُمْقَ العطشِ، أو الفيضانَ الأحمر سالفِ الذكرِ.
وقيل؛ لم تُكْمِلِ العَرُوسُ حِنّاءها، كما ينبغي، فماتَ القُرنفلُ والماء.
ولا جدوى من هذا الهروبِ الأنيقِ، أو التلهّي بهذه التسليةِ المضبوطةِ الراقية، لأنَّ الحوذيَّ أتقنَ ضربَ السياطِ، وأصبحنا مدجّنين كما يروقُ لأمسياتهِ العارية، ولا بأسَ من أن نقضيَ ما تبقّى من أيامٍ، فقد ردَّد النقّادُ إطراءَهم وتبريراتِهم بإتقانٍ شديدٍ، ولن يُغطّي نُحَاسُ الصنّاجةِ أسماءَنا العاليات، أو ما يقوله الرواةُ في الخانِ، أو على جسرِ الوادي الوحيد. فليمُت مَنْ يريد، ولينتحرْ مَنْ ينتحر، وليقدِّم حاكِمُنا قبّتَنا الخضراءَ المعتّقة إلى سادنِ الجحيمِ الوحيدِ..فماذا عسانا نفعلُ في هذا السقوطِ المخيفِ الواسعِ المجنونِ؟
ولغزّة إسْراؤها بأمرِ العليّ الجبّار. وللثكالى، أُمهاتِ الصغار المفجوعين بالفَقْد، معراجُهن في البياض الحصين، لترى كلُّ ثاكلٍ رجالَها، يومَ عيدٍ قريبٍ، يترون الواحد خلف الآخر، يقبّلون الزّغب والكفّ، وتنهمر دمعة الثلج التي كانت، قبل قليل،كاوية.
ويا أشجار النخيل الممتدة في صدر غزة! انطلقي، واخترقي كبد الشمس. واهزمي الظلام في آدم. واخلقي فارساً جديداً يحرّر حامل الصخرة، وابعثي دعوة الإيمان للسيّدة المكابِرة مثل أوثانها، وأعيدي الإنسان للمشوّهين القتلة، لعلّهم يتوبون كما تابت المجدليّة، وواصلي مدّ جذورك حتى ترهص بالليمون والزيتون، من الناقورة إلى رفح وأمّ الرشراش.
ويا أيتها الرجولة الفارعة كالأبنوس! توالدي على الطرقات كالنجوم الشاهدة على المخاض، لتسير فلذات أكبادنا نحو بيادر الفرح عند الفجر. وعلّميهم كيف يكسرون الوحوش الضارية، ليخرجوا الطير من بين أنيابها الكريهة. لتنطلق أغانينا، حافية كالأنهار، وعامرة كالخوابي والمشاوير والصلاة.
ويا أبانا الذي خرج من الجنّة وحطّ على الأرض! عليك أن تخلق جنّتك الوارفة الخلّابة هناك، بعيداً في القلب، لتعود علاقتك بأبواب الغزالة ممتلئة بالحكايا. ولا ذنب على الأرض إلا ذنب أولئك الذين فقدوا صلتهم بآدم.
لقد كانت الوردةُ بيضاءَ، والسماءُ سحابةَ ثوبِ عروسٍ، عندما كان الإقليم الهشّ صحراء، والحرب منافع وبلاءٌ وشظايا. ولمّا هرست دبابةُ الجنزير لحمَ رضيع في الطريق، كانت الدماء من أرجوان عسقلان، لكنّ النجوم غابت عن السماء. ومن لحظتها وقلب الأرض يستعر كالجمر، ويلوب من أوجاع الكراهية في الإنسان، ومن خراب نظرته لكثافة النوع البشري.
***
المرارة والحامض الكاوي والرمل الناشف في حلوقنا، مع شهقة التلقّي لعشرة آلاف مذبحة كاملة، وثلاثين هيروشيما، وخمسين هولوكست! كأننا لم نعد ننتظر تلك الطمأنينة والسكينة من الأخبار المكرورة الصافعة، كأن اليأس قد أفنى الصبرَ على ما يمور من خراب ودم وتشريد وفرقة واقتتال وفتن وضلالات وكوارث ومفاسد وجنون، على امتداد خارطتنا الكبيرة، التي يومض كلُّ شيء فيها سريعاً نحو هاوية مرعبة!
وها إنّي أتحسّس دبقَ الشريان المفتوح، مجّاناً، على الأصابع المضطربة، والسخونةُ تهمُّ بالتعالي الكاوي، والظمأُ عتيق.
ولا رعد فوق الخبب، يترنّح بجذعه، ليُنادي النازح من وراء دغل البلح، لأنه الفهد يتحسّس الموقدة المندلعة بشعاب الضوء، وخياله الجامح يجتاح صدره بالنار، ولا يرى زوابع الهلع التي تشلع المكانَ من مكانه!
أيّ موجة حارقة تلك المنداحة على سُكّرنا الأسود المرّ؟ وعمّتنا النخلة تكدّ جدائلها اليابسة، ليسقط عن ألواحها الحَبّ المترمّد المذرور، إثر الحريق المدوّي الذي أخذ أعذاقها للعدم، على مدى غزة المحترقة؟
وما للطير ببراءة الغموض، يلفّه الخوف، في غربة مجهولة، وشجرهُ يسيل على الحواف، كهرماناً من النسغ المشعوط؟
ليس للبلّور المجعّد في هذا المدّ البعيد من صوت آخر، سوى ما تدفعه الأعماق إلى البيوت المُرهقة المهدّمة العطشى، وللشبكة المقطّعة التي تنوء بمخلوقات الليل المتغضّنة.
أيها المتفّرد، المُعاكس للمشهد المتشقّق، العميق الواسع الشهيّ المخيف، أيها المبدع البحر! ستفقد ملوحتك الثقيلة إنْ وصلت الدماء إلى صفحتك، وصار لها لون غروب دميم، وسنكون أمام شواطئك المهجورة نبكي، فلا صدى، سوى ما يتهيّأ للمدّ من شراع يتهاوى في القيعان!
ويا ليتني ذالك الفارس الذي أنصف الخيول، وشرب من أعرافها عسل الكرامة والعدل. لكنني الموزّع في الملايين التائهة، المفرومة باستراتيجيات البرامج، ورغبات الكارتيلّات، وأطماع المؤسسات الغريبة، واستحقاقات تثبيت النير على الأكتاف، بعد أن صار المواطن المُسَرْنَم بلا رأس، أو يقع تحت اشتراطات العالَم المبهظة، التي تنازع الطفل دفتره، والرضيع حليبه، والمرأة شالها المسروق.
وما فتئت داحس، متعددة الألوان والأشكال الحداثية، تدقّ حافرها الشيطانيّ، على عتباتنا، وتجنّح بزعيقها المصنوع الشائخ الكريه، وقد تداخلت رماحنا المستوردة في نحورنا، وسال دم الرُضّع على أقدام الطريق الموحل..
وما زال الشبح على الأبواب، ولا أرى الحُرّاس، يا صديقي!
لا حُرّاس إلا أنتم والبحر والأغاني الجماعية والفجر وقصائدكم العارمة، لأن غزّة هي أوّل الأرض وآخرها.
القاهرة - واثق نيوز- أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قرارًا جمهوريًا بتعيين الفنان ياسر جلال عضوًا بمجلس الشيوخ، ضمن قائمة الأعضاء المعينين بقرار رئاسي، وذلك تقديرًا لمسيرته الفنية المتميزة ودوره البارز في دعم القضايا الوطنية من خلال أعماله الفنية الهادفة.
ويُعد هذا القرار تكريمًا جديدًا للفنان ياسر جلال الذي استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يرسخ مكانته كأحد أبرز نجوم الدراما المصرية، من خلال أعماله التي تناولت قضايا المجتمع والهوية المصرية، مثل مسلسلات الاختيار ورحيم وظل الرئيس وغيرها.
وفي وقت سابق، ظهر الفنان ياسر جلال، داخل أحد المراكز الحكومية بمحافظة الجيزة، حيث تقدم بطلب لاستخراج صحيفة الحالة الجنائية، وهي الوثيقة الرسمية التي تُطلب عادة في عدد من الإجراءات القانونية والإدارية.
ووفقًا لمصدر من داخل المكتب، فإن الصحيفة موجّهة إلى مجلس الشيوخ، ما فتح باب التكهنات حول نية ياسر جلال المحتملة في خوض تجربة العمل النيابي أو السياسي خلال المرحلة المقبلة.
يشار إلى أن ياسر جلال يحظى بجماهيرية واسعة في الشارع المصري والعربي، وقد عُرف عنه التزامه الفني وابتعاده عن إثارة الجدل، وهو ما قد يُكسبه ثقة الشارع في حال قرر الترشح رسميًا.
ومن ناحية أخرى شارك ياسر جلال في الموسم الرمضاني الماضي من خلال مسلسل جودر2، تأليف أنور عبد المغيث وإخراج إسلام خيري وشارك في العمل كل من نور اللبنانية، أيتن عامر، ياسمين رئيس، وفاء عامر، أحمد فتحي، وليد فواز، محمد التاجي، عبد العزيز مخيون ودارت الأحداث في إطار الدراما الممزوجة بالخيال، يتبع العمل حياة تاجر ينجب 3 أولاد سالم وسليم وجودر، حيث تتعقد حياة الابن الأخير جودر، ويصبح في صراع مع العدو شمعون للوصول إلى كنوز الحكيم شمردل الأربعة.
نيويورك - واثق نيوز- أعلنت رابطة المترجمين الأدبيين الأميركيين (ALTA)، الخميس، عن القوائم القصيرة لجائزة الترجمة القومية الأميركية لعام 2025 في فئتي الشعر والسرد، التي تشهد هذا العام حضوراً عربياً مميزاً من خلال وصول الروائية الكويتية بثينة العيسى والكاتب والأكاديمي عمر خليفة إلى القائمة القصيرة في فئة السرد.
وبينما خلت القائمة القصيرة لفئة الشعر من أي كتاب عربي مترجم إلى الإنكليزية، جاءت رواية بثينة العيسى "حارس سطح العالم" بطبعتها الإنكليزية، التي ترجمها كل من سواد حسين ورانيا عبد الرحمن، في القائمة القصيرة، إلى جانب رواية عمر خليفة "قابض الرمل"، مترجمة من العربية بواسطة باربرا رومين.
تعد جوائز الترجمة القومية الأميركية من أبرز الجوائز السنوية التي تُكرّم المترجمين الأدبيين الذين يساهمون في نقل الأدب العالمي إلى الإنكليزية، وقد تأسست الجائزة عام 1998. ويُذكر أن عام 2025 يمثل النسخة السابعة والعشرين للجائزة، والحادي عشر الذي تُمنح فيه جوائز منفصلة لكلّ من الشعر والسرد.
تضم قوائم هذا العام مؤلفين يكتبون بثماني لغات مختلفة، وكتباً صادرة عن ثلاث عشرة دار نشر، في احتفاء بتنوع الأدب المترجم وبالمجتمع الحيوي للمترجمين والناشرين والقراء. ومن المقرر الإعلان عن الفائزين في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل خلال حفل رسمي، حيث سيحصل كل مترجم فائز على جائزة مالية قدرها 4 آلاف دولار أميركي.
بعدَ الحَربِ يا حبيبتي
سنجلسُ على رصيفِ المَدرسة
حيثُ كُنّا ذاتَ يومٍ هناك
نعيدُ كتابةَ أسماءِ أطفالنِا
طِفلانِ جَميلانِ، قُلنا
والثالثُ إنْ كانَ صُدفةً..
سيكونُ مُتعةَ صَباحِ
صَحوِنا المتأخرِ مِنْ عُمرنا
بعدَ الحَربِ يا حبيبتي
سنعيدُ رسمَ بيتِنا على التُّرابِ
بِغُرفتينِ وصالةٍ للضيوفِ الكُثر
ولمَبيتِ أمُكِ الذي سنعتادُ عليهِ
ومصطبةً لأمي كَي تَفردَ زعترَها
وتُعدُّ أَرغفةَ الزَّيتِ
وتَعجنُ خُبزَنا بعينِ حُبِّنا
وقَلبِها الضَّحوك
بعدَ الحَربِ يا حبيبتي
لنْ ننسى حديقةَ بيتِنا الصَّغير
وشَجرةَ الرُّمان الذي نُحبّ
والنّرجسَ الذي يتكاثرُ
كلّما غَمَرَتهُ يَداكِ بالحَنان
وشُتولَ النْعناعِ وعرقِ الهوا
الذي تعربش على قُضبانِ حَديدٍ
نسِيها عاملُ البناءِ على زاويةِ
بيتِنا
بعدَ الحَربِ يا حبيبتي
سنجلسُ تحتَ داليةِ البيتِ
ونفرشُ طُرّاحةً طُرّاحتين
وتَجيءُ جارتُنا العَجوزُ
وحكاياتُها؛
حكايةُ الشتاءِ يا حبيبتي
موقدُ دفءٍ
وغِطاءُ حبٍ للصِّغارِ
بعدَ الحَربِ يا حبيبتي
سنشعلُ قناديلَ الزيتِ
ونضيءُ عتمةَ الليلِ
لأرى وجهَك الضُّحى
لأرى في عينيكِ النهار
بعد الحربِ يا حبيبتي،
ينامُ أطفالُنا،
ينامونَ يا حبيبتي
ينام الصّغار.
من ديوان ( ما ظلّ منّي) 2023 الدار الأهلية للنشر والتوزيع / الأردن
المجر-وكالات-فاز الكاتب المجري لاسلو كراسناهوركاي (71 عاما) بجائزة نوبل للآداب للعام 2025، على ما أعلنت لجنة نوبل السويدية، اليوم الخميس.
واختارت اللجنة تكريم كراسناهوركاي «لنتاجه المذهل والرؤيوي الذي يعيد التأكيد على قوة الفن في وسط رعب أقرب إلى نهاية العالم».
وجاء في بيان اللجنة أن كراسناهوركاي «كاتب ملحمي عظيم يندرج في تقليد أوروبا الوسطى الممتد من كافكا إلى توماس بيرنهارد، ويتمّيز بالعبثية والمغالاة الهزلية».
وتابع «لكن ثمة أكثر من وجه لنتاجه، وهو يتطلع أيضا إلى الشرق باعتماده نبرة أكثر تأملا وأكثر رهافة في تعابيره».
وأشاد القائمون على منح الجائزة بـ«نظرته الفنية الخالية تماما من الأوهام، والتي ترى عبر هشاشة النظام الاجتماعي جنبا إلى جنب مع إيمانه الراسخ بقوة الفن».
وقال الكاتب نفسه عن أسلوبه الصعب والمتطلب بأنه يعكس «التمعن في الواقع إلى حد الجنون»، كما وُصف بـ«الهوسيّ» بسبب ميله إلى كتابة جمل طويلة وفقرات قلما تنتهي.
وقد حوّل المخرج المجري تار العديد من أعماله، ومن بينها أول أعماله «ساتانتانغو» و«كآبة المقاومة» لأعمال سينمائية.
وحصل كراسناهوركاي على عدة جوائز منها جائزة بوكر الدولية. كما حصل على جائزة الكتاب الوطني للأدب المترجم عام 2019 عن روايته «بارون وينكهيم هوم كامينغ» (عودة البارون وينكهيم).
ويعد كراسناهوركاي أول مجري يحصل على جائزة نوبل منذ الكاتب إيمري كيرتيس الذي حصل عليها عام 2002.
ويحذو كراسناهوركاي حذو عظماء في الأدب من بينهم إرنست همينغواي وألبرت كامو وتوني موريسون في الفوز بهذه الجائزة المرموقة.
ولد الكاتب في 5 يناير/كانون الثاني 1954 في غيولا بجنوب شرق المجر، وتستقطب كتبه قراء خصوصا في ألمانيا حيث عاش على مدى سنوات، وفي المجر حيث يعتبر من أعظم كتاب البلاد على قيد الحياة.
تأسست جوائز نوبل بناء على وصية رجل الأعمال الثري السويدي ألفريد نوبل الذي اخترع الديناميت. وتُمنح الجوائز منذ عام 1901 لأصحاب الإسهامات المتميزة في العلوم والأدب والسلام.
وأضيفت لهذه الجوائز لاحقا جائزة للاقتصاد، ويمولها البنك المركزي السويدي. وتتولى لجان متخصصة من مؤسسات مختلفة اختيار الفائزين.
وبعد أكثر من قرن من الزمان على انطلاقها، لا تزال جوائز نوبل راسخة في تقاليدها. وتُمنح الجوائز خلال احتفالات تحضرها العائلتان الملكيتان في السويد والنرويج، تليها مآدب فخمة تُقام في العاشر من ديسمبر/كانون الأول ذكرى وفاة ألفريد نوبل.
الحياة صخرةٌ في الأعالي لا وزن لها ولا شكل
إذا ما تدحرجت
قتلت كل ما في طريقها
ولن يصرخ "هُبَلْ" ذاك
الجاثم تحتها
في الحالتينِ سيقبض الله
عليك
مُتلبّسًا بالبكاء.
لا تَكُن شغوفًا
ساعة وفاتك
فلديك من الحبيبات ما
يملأ ثلاجة الموتى
تعالَ لنختصر العمر في
سطر واحد
في حرم هذه التجربة
تذكّر أنّك شارع مزدحمٌ
بالشياطين
وأن الطريق إلى الجنة
لم يعُد شفافًا كما ظننت
حتى أحلامك التي
استُبدلت
بصحنٍ مملوء بالفستق
قد أنهى غسل شفتيه
بخمر عتيق
من آخر حانة أغلقت
أبوابها
لخللٍ بسيط في هرموناتها
الجنسيّة.
في غرفة التحقيق جلست
مغلوبًا على أمرك
والأسئلة مُعقدة
فكيف لجسدك الهزيل
أن يحتمل ضربتين؟
ثلاث غرف للتعذيب في
قلبك ورأسك المُتهالك يحمل
واحدة بمنافعها
يبصقُ الحظ في وجهك
بعد أن عُلّقت قدميكَ
ببطن سقف يابس
كُن طريّا في العَد واخلع
ثيابك كلها
ونم فارغًا خفيفًا مثل ذُبابة
لعلّ رؤوس أصابعك تفتح
قلبها وتنتفخ
كفيلق جُندٍ يسعى
إلى النجاة من الحرب.
أو مُت كغابة مطمئنة في
مقتبل العمر
كي لا تُصاب بالحسرة
أو تفتح مجالًا للثرثرة .
نابلس-رام الله-واثق نيوز-ريتا نجار، فنانة تشكيلية فلسطينية من محافظة نابلس، مواليد العام ٢٠٠٤، درست الفنون التشكيلية في جامعة النجاح الوطنية. وتعمل على القضية الفلسطينية من خلال الفن، حيث تتمحور أعمالها حول الأرض والهوية والذاكرة، إضافة إلى الأمل والمعاناة التي يعيشها ابناء شعبنا. وهي تعتبر الفن وسيلة نضال مختلفة؛ وتحمل في طياتها الأمل، وتوصل صوتنا كفلسطينيين إلى العالم بلغة بصرية.
وفي حديث مع "واثق نيوز" قالت نجار : أتنقل في تجربتي بين أساليب وخامات متعددة مثل : الرسم، المكس ميديا، والأعمال التركيبية، في محاولة لخلق فضاء تعبيري حر يواكب تعدد وجوه التجربة الفلسطينية. وشاركت في عدد من الورشات والمعارض، منها: معرض غزة لحظة تحوّل في مؤسسة عبد المحسن القطان، إضافة إلى معارض جماعية في جامعة النجاح، ومعرض "جلد وحناء " في المتحف الفلسطيني .
وتقول : أطمح أن تكون أعمالي مساحة للتأمل والمقاومة، وأن تسهم في إعادة تشكيل صورة فلسطين في الذاكرة البصرية، لتكون في الوقت ذاته وسيلة لإيصال صوتنا ومعاناتنا وآمالنا كشعب فلسطيني إلى العالم.
وحول لوحاتها العديدة قالت نجار ان بعض الأعمال تعكس ، محاولات الاحتلال لطمس الهوية العربية الفلسطينية ،من خلال تغيير أسماء المواقع الجغرافية، كما تركز اللوحة التي تعبر عن ذلك على مدينة يافا ورمزها البرتقال الذي يمثل المدينة ويعكس تاريخها الثقافي ، لتؤكد أن هذه الأسماء الأصلية ستظل عالقة في ذاكرة الناس، لتبقى شاهداً على التاريخ والتراث.
اما لوحة "أمل" فهي عمل تركيبي يفتح باب الروح على سر الأمومة، فالأطفال هم حياة أمهاتهم ومعنى صمودهن، وحضورهم حياة ونور يقاوم الموت ، وغيابهم صمتٌ عميق يترك الفراغ شاهداً على فقدان المعنى.
وفي هذا العمل الفني، يستعرض الفنان حسب نجار ، تجليات الهوية الفلسطينية من خلال رموز ثقافية وتاريخية تعبر عن عمق الانتماء وثراء التراث. ويظهر في الصورة مشاهد من الحياة اليومية الفلسطينية، مع إبراز قيمة المحافظة على الهوية في مواجهة محاولات الاحتلال لطمسها ونسبها إليه. ويمثل هذا العمل دعوة للتأمل في الكفاح المستمر من أجل الحفاظ على الهوية الوطنية، ويبرز الفنان استخدام الألوان الترابية التي تعكس عمق الأرض الفلسطينية، ويعكس روح المقاومة والإصرار على البقاء.
أما لوحة "جمال مسلوب" ، فتقول نجار : يقدم هذا العمل الفني مشهدين متباينين يجسدان الواقع الفلسطيني.في المشهد الأول، تظهر المستوطنات كعنصر غريب وناشز في البيئة الفلسطينية، تتألق بألوان رمادية تعكس الدمار والتأثير السلبي الذي تتركه على الأرض. حيث تبدو ككتل صماء تفتقر إلى الروح، متشابهة ومكررة كأنها نسخ مستنسخة بلا ملامح، فتشوه بانغلاقها ورتابتها جمال الطبيعة الفلسطينية. بينما يستعرض المشهد الثاني جمال الطبيعة الفلسطينية، حيث تتجلى المناظر الخلابة بوضوح، بعيدًا عن وجود هذه المستوطنات. ويعكس العمل الصراع بين التوسع العمراني والموروث الطبيعي، ويحث المشاهد على التأمل في واقع الحياة الفلسطينية.
أما لوحة "رحمة" فيصور هذا العمل امرأة حامل تجسد معاناة المرأة الفلسطينية الحامل في قطاع غزة بسبب الحرب ، حيث يتجسد رحم المرأة على شكل وردة مغروسة بالارض التي حولتها الحرب الى صحراء قاحلة لا تصلح لحياة تلك الزهرة. وتحاول جذورها التمسك بهذه الارض لكن لا فائدة، وذلك دلالة على صعوبة الحياة التي تعاني منها المرأة الحامل في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها غزة بسبب الحرب ، حيث تعيش في خوف دائم على نفسها وعلى طفلها التي تحمله ،كما تعاني من نقص الرعاية الطبية اللازمة لها ولطفلها ، الامر الذي يهدد حياة جنينها وحياتها هي الاخرى .
الكاتب : د. عبد الرحيم جاموس
في البداياتِ،
حينَ يختلطُ الضبابُ بالريح،
ويتهاوى في العتمةِ صوتُ المسافرين...
تحتاجُ الأرضُ إلى مَن يُشعلُ قنديلًا،
ويخطُّ على جدارِ الليلِ ...
أولَ ملامحِ الفجر ...
*
القيادةُ ليستْ صُدفةً
ولا إرثًا من حجرٍ بارد،
إنّها حُلمٌ يتفتّحُ في وجدانِ الجماعة،
وتجسيدٌ لنداءِ القلوبِ التوّاقةِ ...
إلى طريقٍ لا يضلُّ...
*
القيادةُ
رُؤيا تستبقُ الزمن،
وعزمٌ يعبرُ حقولَ النار ...
كأنّهُ ماءٌ يَسكبُ الأملَ ...
في صَدورِ العطاشى ...
*
هيَ إرادةٌ ...
تشقُّ جدارَ المستحيل،
وتصوغُ من شظايا الانكسار ...
أنشودةَ نهوضٍ ...
تُعلِّمُ الأجيالَ أنَّ الكبوةَ ليستْ قدرًا،
بل مَعبرًا إلى الصعود ...
*
القيادةُ ...
حَسمٌ يُقيمُ العدلَ على حافةِ السيوف،
ويرفضُ أن يُساوِمَ على الحقِّ ...
في أسواقِ الضجيج ...
*
هيَ أنْ تكونَ صدى الجموع،
ونبضَهم إذا خذلتهم الطرقات،
أنْ ترفعَ رايةً لا تنكسر،
وتقولَ للريحِ:
لن تقتلعَ جذورَنا ...
ما دامَ فينا قائدٌ ...
يُبصرُ أبعدَ من حدودِ الأفق،
ويَستمدُّ من التاريخِ صلابته،
ومنَ الغدِ وعدَهُ...
*
هكذا تُختم الحكاية:
القيادةُ ليستْ مَقامًا ولا لقبًا،
إنّها ميثاقُ دمٍ وعهدُ وفاءٍ،
ومصيرُ شعبٍ يمشي نحوَ الفجرِ ...
مستندًا إلى صوتِ قائدٍ ...
يقولُ للحياةِ:
كوني...
فتكون ...
رام الله-واثق نيوز-صدرت عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان وبيروت الرواية الجديدة للدكتور وليد الشرفا، أستاذ السيمياء والخطاب في ماجستير الإعلام الرقمي- جامعة القدس، وهي الإصدار الخامس بعد رباعيته اللافتة: رباعية الشواهد، التي سردت النكبة والنكسة والخيبة وتحولات الكينونة الفلسطينينة عبر مسيرة الصدمات بأسلوب سردي مغاير أو “برواية أخرى”.
ويقدم د. الشرفا الرواية بأسلوبيات سردية جديدة، حيث يشكل الحب المولد الأول للحكاية والمعنى بأسلوب وبلغة تراجيدية، وتدور أحداث الرواية في مدينة نابلس في مرحلة ما بعد الانقسام الفلسطيني، وتصور حالة الارتباك النضالي بين السلطة والثورة وبين الانقسام وتشظي الهوية الوطنية.
أمكنة الرواية مثل أزمنتها محطمة ومحاصرة، حيث التحول التراجيدي من أحلام الحب حول موقد يطل على نابلس بكل ما يحمله الخيال الحميمي من تخيلات وعوالم افتراضية مؤجلة، عبر تحولات نضالية وصلت إلى الاغتيال والاشتباك، ومن ثم الانتقال من أحلام الدفء إلى واقع الصقيع والبرد في ثلاجة الموتى بعد احتجاز جثمانه.
تدور أحداث الرواية في البلدة القديمة من مدينة نابلس، وهي الثالثة التي تكون نابلس مكانها الرئيس بعد “وارث الشواهد” و “ليتني كنت أعمى”، ويعكس السرد حميمية عالية بالعلاقة مع المكان، تسيطر اللغة التراجيدية والمضامين الأسطورية على الحكاية التي ترويها لماء، وهي خطيبة عماد التي تبقى على العهد حتى لاينكسر ظل الأبطال.
تصور الرواية هواجس الحب والموت والبرد والدفء بلغة شعرية عالية ومكثفة، تعتبر امتدادًا لأسلوبية الشرفا السردية، وتسيطر على الرواية لغة الأحلام والكوابيس والمفارقات والوصايا، وتتداخل فيها الأصوات كما الأمكنة والأزمنة بشكل يربك القارئ أحيانا، لكن القارئ يكتشف صعوبة سرد الحكاية دون هذا التداخل وتلك التداعيات.
يشكل مشهد النهاية ذروة المحاكمة التاريخية للأسطورة وللقوة وللهزيمة والنصر، حيث الحوار الأخير بين الجندي المسيطر عليه في بيت عماد الذي اتخذ قرارا بهدمه، وبين تواريخ وحوارات الموت والولادة حيث لا تكون القوة دائمًا هي الحكم، فهذه المرة لن يهدم البيت علينا وحدنا.
في “أن يأتي الليل دونك”، يكمل الشرفا راية التجديد السردي في الرواية الفلسطينية بأسلوب متفرد حيث الأغاني واللوحات والدخان والهواجس وحتى الاستدراكات، تكمل الدلالة السردية في توليد مركب للمعنى ينطلق من حساسيته الفنية وثقافته المعرفية الأكاديمية في هذا المضمار.
نابلس-واثق نيوز-ريتا نجار، فنانة تشكيلية فلسطينية من نابلس، مواليد ٢٠٠٤، تدرس الفنون التشكيلية في جامعة النجاح الوطنية. وتعمل على ايصال عدالة القضية الفلسطينية بريشتها من خلال الفن، حيث تتمحور أعمالها حول الأرض والهوية والذاكرة، إضافة إلى الأمل والمعاناة التي يعيشها شعبنا. وتعتبر الفن وسيلة نضال مختلفة؛ وسيلة تحمل في طياتها الأمل، وتوصل صوتنا كفلسطينيين إلى العالم بلغة بصرية.
وقالت ل" واثق نيوز": أتنقل في تجربتي بين أساليب وخامات متعددة مثل: الرسم، المكس ميديا، والأعمال التركيبية، في محاولة لخلق فضاء تعبيري حر يواكب تعدد وجوه التجربة الفلسطينية. شاركت في عدد من الورشات والمعارض، منها: معرض غزة لحظة تحوّل في مؤسسة عبد المحسن القطان، إضافة إلى معارض جماعية في جامعة النجاح، ومعرض "جلد وحناء " في المتحف الفلسطيني.
واختتمت بالقول : أطمح أن تكون أعمالي مساحة للتأمل والمقاومة، وأن تسهم في إعادة تشكيل صورة فلسطين في الذاكرة البصرية، لتكون في الوقت ذاته وسيلة لإيصال صوتنا ومعاناتنا وآمالنا كشعب فلسطيني إلى العالم.