الكاتب: سمير الجندي
يا سادة يا كرام…
احكي لكم حكاية ليلة لو حضرها ابن بطوطة لدونها في أسفاره، ولو سمع بها جحا لترك حماره وجاء يشاركنا الضحك.
القصة تبدأ في بيت غسان، غسان الجميل، الرجل الذي إذا فتح باب بيته شعرت أنك دخلت سوقا من أسواق الكرم.
دعانا عبد الرزاق إلى سهرة قال عنها: “مجلس بسيط”…
لكننا حين وصلنا اكتشفنا أن كلمة “بسيط” عند أبي غسان تعني مائدة تكفي حيا كاملا!
الأطباق مصطفة كأنها في مهرجان دولي للطعام:
كسكسي يتبختر بالبخار…
سلطات تلمع ألوانها مثل فسيفساء تونس…
وفاكهة كأنها خرجت للتو من بستان كتب الله عليه أن يصبح شاعرا.
جلسنا…
أشبال الفتى هنا…
وزهرات أبي غسان وشمعاته وكريماته هناك…
والجميع ينتظر بطل السهرة: حكواتي صفاقس، بل حكواتي تونس كلها، عبد الرزاق كمون.
دخل عبد الرزاق وهو يبتسم ابتسامة فيها نصف الحكاية… والنصف الآخر في جيبه.
جلس… ثم قال:
“يا جماعة الخير… الليلة نحكي حكاية…”
ولم يكمل الجملة حتى انفجر ضاحكا ضحكته الشهيرة التي تشبه طبلة في عرس بدوي.
يمسك ذراعه المتعبة قليلا…
ثم يضحك مرة أخرى…
وكأن الذراع تقول: “يا عبد الرزاق… خلص الحكاية وبعدين نتفاهم!”
وبدون مقدمات… وجدنا أنفسنا نسافر من صفاقس إلى القدس.
صرنا نمشي في الأزقة القديمة:
درج الطابونة…
حوش الغزلان…
حوش الشاي
عقبة الميلوية
حوش البسطامي
والزعتر يفوح من الحكايات كأنه يطبخ في قدر خفي.
هناك ظهرت شهندة… بطلة الحكايات…
امرأة لو كتبت كتابا لاحتاجت خمسين حكواتيا لشرحه.
ثم خرج من الأزقة الأبطال:
تاكسي وز…
علي علعل…
وأخيرا… الكارثة اللغوية… أبو منصور.
أبو منصور هذا يا سادة حالة فريدة في تاريخ البشرية.
رجل يتكلم كثيرا مع نفسه… لكن المعنى يهرب من كلامه مثل قط يهرب من كلب.
مرة قلت لنفسي:
يا رجل… العالم صعد إلى القمر… هل يعقل أنك لا تستطيع فهم جملة من أبي منصور؟
فجلست قرب بقالة أبي إبراهيم أبو غزالة.
كان أبو منصور جالسا على عتبة مسجد الشوربجي مثل فيلسوف يوناني… إلا أن الفلاسفة عادة يفهم الناس كلامهم.
قلت له:
“احكي يا أبو منصور… شو الأخبار؟”
فقال:
“رحت الهوسبيس طلبت جزر… طلع أبو أحمد في القنينة… ما في بشر دخان… كلهم بقر... اليهود… صحتين بدهم يضربوا أم محمد… بس الولد يبكي… نازل الدم... مفكوشة إجر الجندي… الكم طويلة… بس الكندرة بنية…”
ثم سكت.
نظرت إليه…
قلت:
“طيب… وبعدين؟”
قال:
“خلص.”
يا جماعة الخير… جلست أفكر ساعة كاملة…
استعنت بالمنطق…
وبالتاريخ…
وبالجغرافيا…
حتى فكرت أستدعي مترجما من الأمم المتحدة…
لكن لا شيء.
وأخيرا اكتشفت الحقيقة:
كلام أبي منصور يشبه نشرات الأخبار… كثير من الكلمات… والمعنى في إجازة!
حين حكيت هذه القصة في بيت أبي غسان… انفجر المجلس ضحكا.
عبد الرزاق كمون يضحك… ثم يمسك ذراعه… ثم يضحك مرة أخرى.
و غسان يضرب الطاولة من شدة الضحك حتى خفت أن تعلن المائدة استقالتها من الخدمة.
قال أبو غسان وهو يمسح دموع الضحك:
“هذه حكايات شهندائية أصيلة!”
قلت له:
“والله يا أبا غسان… لو عاش أبو منصور في هذا الزمن لعملوه محللا سياسيا في ثلاث قنوات!”
وهكذا مضت الليلة…
نأكل قليلا…
نضحك كثيرا…
ونسافر بالحكايات بين تونس والقدس دون أن نحتاج إلى جواز سفر ولا ختم حدود.
وعندما انتهت السهرة… أدركنا أمرا بسيطا:
بعض الليالي لا تكتب في التقويم…
بل تكتب في الذاكرة.
وسهرة أبي غسان…
كانت من تلك الليالي التي إذا تذكرتها بعد سنوات… تضحك من جديد.



