الشاعر: يوسف حنا
.
تُداهمني الكتابةُ ككائنٍ هلاميّ،
يجرُّني من معصمي إلى تخومِ أشياءَ لا تُسمّى؛
فأصيرُ ظلًّا يُمسكُ قبضةَ ريحٍ خريفيّةٍ ويظنّها قلبًا،
وأرتشفُ من فناجينِ البحرِ قهوةً مُرّةً
تتركُ زَبَدَها في حنجرتي كأنّه نشيدٌ غريق.
.
أَمشي في ممرّاتٍ
تنامُ فيها الأَساطيرُ على هيئةِ حجارة،
كلُّ حجرٍ يُخفي وجهًا،
وكلُّ وجهٍ تتركه امرأةٌ محفورًا بأَظافرِ الحنين،
أو تُمرّرهُ همسةُ تنهيدةٍ
فتُزهِرُ الورداتُ بأصابعٍ لا تُرى.
.
في الظهيرةِ،
حين تنكسرُ الشمسُ ككأسٍ من ذهبٍ سائل،
أَسمعُ الكمانَ ينزفُ وترًا وترًا،
فأَمدُّ يدي إِلى جراحِه،
كأَنّي أَلمسُ النقطةَ الأولى في شهوةِ الخلق،
حيثُ تتكوّرُ الأُنثى كسرٍّ أَزليٍّ بين اللّغةِ والنار.
ثمّ أُزيحُ ستائرَ السطور،
فأَرى ما لا يُقال:
نملٌ يضيءُ دروبَهُ في عتمةِ القرى،
يحملُ حكاياتٍ أََثقلَ من الكون،
وكلُّ حبّةِ ترابٍ تصيرُ مجرّةً
تمشي على أَرجلٍ دقيقة.
.
ومن أَقصى الحيّ،
تأتيني رياحُ نباحٍ بعيد،
كأَنّ الكلابَ تحرسُ أَحلامًا
سقطتْ من نومِ الآلهة،
فأَتحسّسُ الصوتَ كما لو أَنّه جسدٌ،
وأُعيدُ تشكيلهُ في فمي كتعويذةٍ منسيّة.
.
هناك،
حيثُ العاشقاتُ يطرزنَ الغيمَ بمناديلَ من ضوء،
أَطردُ الموجَ من أَجسادهنّ،
كي لا يغرقَ القمرُ في تفاصيلِ أَصابعِهنّ،
وكي يبقى قوسُ القزحِ مفتوحًا كجرحٍ جميل.
وعلى أَوراقِ الذاكرة،
تنحني الأَسماءُ مثلَ صلواتٍ خفيّة،
ثمّ تُطلِقُ النساءُ ارتعاشاتُ الفرح
كسربِ طيورٍ يهربُ من قفصِ الغمام،
ويتركُ في السماء أَثرًا
يشبهُ ضحكةَ الأَرضِ
حين تتذكّرُ أَنّها كانت حلمًا.
.



