الكاتبة : د. رولا خالد غانم
إذا كان الأدب أحد الوسائل للخطاب فأنا اخترت به طريقا وجسرا للتعبير عن هموم شعبي والتأكيد على حقه في الحرية والعودة،،،
وفي كل رواية كتبتها كانت لدي حكاية مختلفة عن الأخرى لكن الجوهر واحد وهو التأكيد على الهوية الفلسطينية وحق العودة، أوليست الحكاية سر اندهاشنا الدائم؟ فكلما قال أحد منا قصة أصغت مسامعنا ومداركنا إليه، والحكاية أول شيء في كتاب الإبداع، حتى العبادات والمعتقدات حتى التهجد والصلوات جميعها أتت عبر الحكاية والسرد، أو لم يقل القرآن الكريم: "نحن نقص عليك أحسن القصص"؟
إن الابداع منشؤه أنني أريد أن أخبرك بالسر الذي علمت جوهره، وهذه الطريقة في الإخبار هي الأسلوب والهوية التي تشكل تجربة الفرد المبدع، ولا إبداع دون طريقة أو أسلوب ودون حكاية.
وأنا اتكأت في معظم رواياتي على أسلوب الفلاش باك "الاسترجاع"، وهو سرد الماضي من نقطة الزمن الحالية وجاء على لسان كبيرات السن للأولاد والأحفاد، لما تحمله ذاكرتهن من حكايات وجع، فهن شاهدات على قضية الشعب الفلسطيني ويلعبن دورا مهما في الحفاظ على التراث والهوية الوطنية الفلسطينية، ويعكسن تجاربهن وثقافتهن، ومما جاء في رواية نبضات محرمة:
"أخذت الحاجة راضية التي غزا الشيب شعرها وحفر الزمن على جلدها خطوطا لكل منها حكاية تستعد لأن تقص على أحفادها الذين لا يملون سماع قصصها رواية حياتها".
"كانت تسكن في وسط مدينة طولكرم في بيت قديم يتم ترميمه كل عام ورثته عن أهل زوجها الذين سكنوه منذ أن تهجروا من قرية أم الزينات تلك القرية التي كانت تستلقي على سفح جبل الكرمل بالقرب من مدينة حيفا، وتأسر بجمالها الفتان كل من يراها.
كانت الحاجة راضية تعشق بيتها الآيل للسقوط وترى في جدرانه المهلهلة حكايات صمود".
فالرواية عندما تكون أصيلة تكون وثيقة تاريخية، أعني الرواية المكتوبة، وحتى الشفوية تكون أحيانا مصدرا للخبر التاريخي وهنا يعتمد المؤرخون على الاستماع لجمع المعلومات لعدم توفر وثائق مكتوبة، وهي لتوثيق تجارب الأفراد وشهود العيان لكتابة التاريخ وحفظ الهوية والذاكرة.
والرواية بجميع أشكالها تحفظ الذاكرة من النسيان وتسهم في الحفاظ على الهوية الفلسطينية وتوثيق تاريخ الشعب الفلسطيني الذي حرصنا عليه.
ومما جاء في رواية تنهيدة حرية: "لاحظت سلمى ميول ميرا إلى استدراجها نحو الحديث عما في صندوقها الأسود من ذاكرة، لكنها لم تكن ترغب بإلقاء قصص ماضيها على مسامع حفيداتها، وشعرت بأن ذلك سيفتح جروحا غائرة جاهدت نفسها حتى تتعافى منها"
تقول الحاجة سلمي: "ما زالت الذكريات عالقة في ذهني صورة والدي وهو عائد من حقله يحمل فأسه على كتفه وهو يتصبب عرقا بعد يوم حافل بالشقاء، ما زالت تلك الصورة راسخة في مخيلتي ووالدتي التي كانت تستقبله بكوب الشاي وابتسامة مصطنعة محاولة التخفيف من أعبائه..عاشا حياة قاسية وحلما مطولا بالعودة إلى يافا التي هجرا منها..عاشا قيد الانتظار..ودفنا وحلم العودة نائم بين أجفانهما".
الخلاصة :
الرواية الشفوية هي المادة الخام التي يصنع منها الروائي كتابه..وما دام في الحياة جدات يهمسن في آذان أحفادهن حكاياتهن..فلا قلق على مستقبل الرواية..
إنما القلق الحتمي هو في تخلي الجد والجدة عن نقل حكاياتهم إلينا، وتخلي كتّاب الرواية عن الإصغاء لخبراتهم.
الرواية ذاكرة لا تمحى وصوت حق لا يصادر، وقد لعبت دورا محوريا في بلورة الوعي الوطني وتحرير العقول وأسهمت في حفظ الذاكرة الفلسطينية وتوثيق تاريخ الشعب الفلسطيني.



