الكاتب: سمير الجندي
في القدس القديمة، حيث الأزقة تضيق لتتسع للذاكرة، وحيث الحجر يحفظ أسماء الذين مروا فوقه، كانت هناك امرأة يعرفها الجميع: الست أميلا.
القابلة التي دخلت كل بيت مقدسي تقريبا، واستقبلت أول صرخة حياة لذكور الحي وإناثه، كما لو أنها بوابة العبور بين الغيب والوجود.
لم تكن امرأة عادية.
كان صوتها جهوريا، يمشي أمامها في الأزقة قبل أن تصل.
وكانت هيبتها تجعل النساء يلتزمن الصمت حين تتكلم، فلا تقبل خطأً ولا تسامح في تقصير، لكنها، رغم ذلك، كانت تحمل قلبا يعرف طريق الرحمة.
كانت أول من لمس وجوهنا عندما جئنا إلى هذا العالم.
وأنا أيضا، كنت واحدا من أولئك الذين حملتهم يداها الصغيرة القويتان نحو الحياة.
لا أعرف لماذا أذكرها اليوم.
ربما لأنني أحب كل من كان يحنو على أمي.
كانت أمي امرأة يفيض قلبها بالدعاء.
في صلاتها، وفي قراءتها للقرآن، وفي لحظات صمتها الطويلة، كانت ترفع يديها إلى السماء، تدعو لنا، ولأطفال الحي، ولجيراننا… وللست أميلا أيضا.
كنت أظن أمي مباركة؛ لأنها لم تحمل في قلبها حقدا على أحد.
كانت تحب الناس ببساطة، كما تحب الضوء الذي يتسلل من نافذة الصباح.
في حارتنا القديمة، كان بيتنا يقابل فرن الحاج يتم.
ومن نافذتنا، كانت رائحة الخبز الساخن تزور البيت طوال النهار، وتتسلل أحيانا إلى المساء، كأنها ضيف يعرف الطريق دون أن يدعى.
وكان هناك حوش الشاي…
زقاق صغير، لكنه لا ينتهي من الحكايات.
كل حكاية فيه تفتح بابا لحكاية أعمق، وكل حجر فيه يخبئ قصة لم ترو بعد.
في بيت آل العلمي، كانت هناك بئر عميقة.
عميقة إلى حد أن الصدى فيها يبدو كأنه يأتي من زمن آخر.
ذات يوم، سقط أحد الرجال فيها.
فنزل آخرون لإنقاذه.
اجتمعت نساء الحي أمام البيت.
كان الدعاء يرتفع من أفواههن كأنه حبل خفي يتدلى في جوف البئر.
أما الأطفال، فقد منعوا من الاقتراب.
قالوا إن البئر غادرة، وإنها قد تخطف طفلا كما تخطف الظلال.
ثم جاء حزيران…
ذلك الحزيران الذي لا يشبه بقية الشهور.
خرج رجل من تحت القنطرة قرب بيت العلمي، يحمل مسدسا صغيرا.
وقف في وسط الزقاق، ورفع يده نحو السماء، وأطلق النار.
كان يحاول — بصدق يشبه المعجزة — أن يصطاد طائرة مقاتلة كانت تدور فوق الحي.
أطلق كل رصاصاته.
لكن هدير الطائرة ظل يدور.
ودوي القنابل ظل ينفجر.
وفي وسط ذلك كله، ارتفع صوت تعرفه الأزقة جيدا.
صوت الست أميلا.
كانت تصرخ بالرجال:
"استعدوا… استعدوا للدفاع!"
ثم التفتت إلى الفتيان وقالت:
"احملوا الحجارة…
اقذفوا بها كل من يجرؤ على دخول حينا!"
لم تكن مجرد قابلة.
كانت يومها قائدة.
وقف الرجال والنساء، والفتيان والفتيات، يسمعون كلامها دون نقاش.
كان في صوتها يقين يجعل الطاعة أمرا طبيعيا.
كانت قوية.
صلبة كحجارة القدس.
وعصية على الألم.
ولعل هذا ما جعلها تدخل البيوت لتستقبل الحياة، وتخرج إلى الأزقة لتدافع عنها.
رحم الله الست أميلا…
المرأة التي فتحت أعيننا على الدنيا،
وعلمتنا — دون أن تقصد —
أن الحياة التي تبدأ بيد رحيمة،
تستطيع ان تحمى بقلب شجاع...



