الكاتب: جمال زقوت
لم تعد غزة مجرد ساحة حرب أو ملف إنساني مفتوح على الكارثة، بل تحوّلت إلى نموذج مكثّف لإعادة تعريف أدوات العقاب في "النظام الدولي المعاصر". ففيها تتداخل العقوبات الاقتصادية، والإجراءات القسرية، والحصار طويل الأمد، مع العمليات العسكرية المباشرة، ضمن بنية واحدة تتجاوز المفاهيم التقليدية للنزاع المسلح. وفي هذا السياق، لم يعد كافيًا الحديث عن القانون الدولي الإنساني أو منظومة حقوق الإنسان بمعزل عن التحولات العميقة التي جعلت من “الإجراءات القسرية الأحادية” و“العقوبات سواء المباشرة أو غير المباشرة” أدوات لإعادة تشكيل حياة الشعوب، لا مجرد وسائل ضغط سياسي.
في قلب هذا التحول، تتكشف غزة، بوصفها الحالة الأكثر حدّة لاختبار حدود الشرعية الدولية. فالحصار الممتد منذ سنوات، وما رافقه من تقييد منهجي للحركة والإمدادات وإعادة إعمار البنية التحتية، لم يعد ممكنًا فصله عن سياق أوسع يتداخل فيه الأمني بالسياسي والإنساني، وصولًا إلى إعادة إنتاج شروط الحياة ذاتها. ومع استمرار العدوان الجاري، تتعمق الإشكالية القانونية والأخلاقية حول طبيعة الفعل الدولي؛ هل ما يجري هو تطبيق لادوات "أمنية” تقليدية، أم أنه نمط متكامل من العقاب الجماعي يعيد تعريف مفهوم السيطرة ذاته؟
في هذا السياق، لا يقتصر النقاش على توصيف السياسات أو آثارها الإنسانية، بل يتصل مباشرة بمسألة المسؤولية الجنائية الدولية. فبعض التوجهات التشريعية أو السياسات المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين، والتي تمس الحق في الحياة،سواء عبر فتح المجال لعقوبة الإعدام أو من خلال ممارسات تندرج ضمن القتل خارج نطاق الضمانات القضائية الواجبة، لا يمكن النظر إليها بوصفها تشريعات داخلية معزولة.
تكتسب هذه التدابير دلالتها الجنائية عندما تقترن بالتنفيذ أو تندرج ضمن سياسة عامة أو نمط سلوكي ممنهج، بما يعكس نية مؤسسية وتسلسلًا قياديًا واضحًا. وفي هذه الحالة، يمكن أن تُستخدم هذه الوقائع كقرائن سياقية ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، لا سيما فيما يتعلق بجرائم الحرب أو الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني.
ومن ثم، فإن توثيق هذه التوجهات وربطها بسياقها الميداني والسياسي لا يكتسب أهمية وصفية فحسب، بل يشكل جزءًا من بناء ملف إثبات قانوني تتراكم قيمته عبر الزمن من خلال اتساق الأدلة، لا من خلال لحظة التقاضي وحدها.
وفي هذا الإطار، لا تعود غزة مجرد حالة إنسانية مأساوية، بل تصبح مختبرًا مفتوحًا لاختبار فعالية النظام القانوني الدولي ذاته؛ من أدوات المقررين الخاصين في الأمم المتحدة، إلى آليات المساءلة الدولية، وصولًا إلى قدرة هذا النظام على التعامل مع حالات تتداخل فيها أدوات الحرب والحصار والتشريع في منظومة واحدة معقدة. وهكذا، ينتقل السؤال من مستوى السياسة إلى مستوى البنية؛ أي نظام دولي هذا الذي يُعاد فيه تعريف العقاب، وتُختبر فيه حدود القانون، وتُترك فيه حياة البشر بين أدوات القوة وغياب المساءلة؟
من العقوبات إلى بنية السيطرة
لم تعد العقوبات مجرد أداة ضغط سياسية، بل تحولت إلى بنية قائمة بذاتها في إدارة الصراعات، تُستخدم في كثير من الأحيان خارج الأطر الجماعية، وتُفرض وفق منطق القوة أكثر مما تستند إلى القانون. وفي قلب هذا التحول، تبرز “الإجراءات القسرية الأحادية” بوصفها من أكثر أدوات النظام الدولي إثارةً للجدل، ليس فقط بسبب آثارها الاقتصادية، بل لما تُنتجه من نتائج إنسانية قد ترقى إلى إعادة تشكيل حياة شعوب بأكملها.
في هذا السياق، يكتسب تعيين الفلسطينية زينه جلّاد مقرّرةً خاصةً معنيةً بتأثير هذه الإجراءات على حقوق الإنسان، من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أهمية تتجاوز الطابع الإجرائي. فآلية التعيين في منظومة المقررين الخاصين لا تقوم على انتخابات سياسية مباشرة، بل وفق معايير تشمل الخبرة والاستقلالية وعدم الارتباط الحكومي المباشر. ومع ذلك، فإن هذا البناء “الحيادي ظاهريًا” لا ينفصل عن توازنات القوى الدولية التي تُلقي بظلالها على طبيعة الملفات المطروحة وحدود الحركة المتاحة للمقررين أنفسهم.
غزة: اختبار الشرعية وحدود القانون الدولي
يأتي هذا التعيين في لحظة دولية تتسع فيها رقعة الحروب، و تتآكل فيها الحدود الفاصلة بين الأمن والعقاب الجماعي، بما يعيد طرح سؤال الشرعية وهو من يملك حق فرض العقوبات، وبأي معيار تُقاس نتائجها؟ غير أن هذا السؤال يظل ناقصًا ما لم يُربط بالحالة التي تُعرّي هذه الإشكالية بأقصى درجاتها وهي قطاع غزة.
غزة كمنظومة حصار وجريمة إبادة جماعية
الحصار المفروض على غزة منذ ما يقارب عقدين لم يعد إجراءً أمنيًا ظرفيًا، بل تحول إلى نظام سيطرة شامل يعيد تشكيل الحياة اليومية لمليوني إنسان. ومع جريمة الإبادة الجارية، لم يعد ممكنًا فصل الحصار عن العمليات العسكرية، إذ تتداخل أدوات التجويع، وتدمير البنية التحتية، وتقييد الحركة والإغاثة، ضمن منظومة واحدة تُنتج أثرًا تراكميًا يتجاوز مفهوم العقوبة إلى إعادة هندسة شروط البقاء نفسها. إن توصيف ما يجري بوصفه مجرد “نزاع” لم يعد سوى تبسيط سياسي يفقده قدرته التفسيرية.
في هذا الواقع، تصبح غزة الاختبار الأكثر حدّة لحدود النظام القانوني الدولي. فإذا كانت “الإجراءات القسرية الأحادية” تُناقش عادة خارج إطار الشرعية الجماعية، فإن ما يجري في غزة يطرح سؤالًا أعمق حول شرعية استخدام أدوات الحصار والعقاب الجماعي حين تتحول إلى بنية دائمة لإخضاع مجتمع بأكمله.
المقرّرون الخاصون: تأثير بلا أدوات تنفيذ
يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن لآليات أممية بلا أدوات تنفيذ أن تُحدث فرقًا فعليًا؟ الإجابة الواقعية أن تأثير المقررين الخاصين لا يُقاس بالقرار، بل بالتراكم. فإعادة تعريف الحالة قانونيًا، ورفع كلفة الإنكار السياسي، وبناء أرشيف حقوقي يمكن أن يتحول لاحقًا إلى أدوات مساءلة. إنه تأثير بطيء، لكنه ليس هامشيًا إذا ما جرى توظيفه سياسيًا بشكل منظم.
التكامل بين الولايتين: تفكيك النظام وأدواته
في هذا الإطار، لا يمكن فصل هذا المسار عن الدور الذي تقوم به فرانشيسكا البانيزي، المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فبين الولايتين تقاطع واضح، مهمة البانيزي تفكيك بنية الاحتلال بوصفه نظامًا قانونيًا وسياسيًا، بينما تكشف ولاية جلّاد البعد الأقل ظهورًا، والمتمثلة في أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات الجماعية والحصار بوصفها وسائل لإدامة هذا النظام.
هذا التكامل، إذا ما فُعّل، لا ينتج مجرد تراكم تقارير، بل يفتح إمكانية بناء سردية قانونية متكاملة؛ الأولى تكشف طبيعة النظام القائم، والثانية تكشف أدوات تشغيله اليومية.
في غزة، يتجلى هذا الترابط بأقصى درجاته؛ حصار طويل، وحرب مفتوحة، وتدمير ممنهج لبنية الحياة، في نموذج يُسقط الفواصل بين القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، ويضع النظام الدولي أمام مرآة عارية.
غياب الاستراتيجية وتحويل التوثيق إلى قوة ضغط
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في طبيعة هذه الآليات، بل في غياب استراتيجية سياسية فلسطينية قادرة على تحويلها إلى أدوات ضغط فعّالة. فبدون جهد فلسطيني ودولي منظم لتغذيتها بالحقائق الميدانية الدقيقة، وربط مخرجاتها بمسارات مساءلة أوسع، ستبقى فعاليتها محصورة ورمزية، مهما اتسع خطابها.
وفي لحظة تتسع فيها الحروب و تتآكل فيها القواعد، يغدو السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل ما يزال الإنسان معيار السياسة الدولية، أم أن السياسة باتت تُدار على حساب الإنسانية وحقوق الشعوب لا من أجلها؟



