الكاتبة : كريستين حنا نصر
الصراع والحرب القديمة الجديدة بين أمريكا وإيران، ومنذ أزمة الرهائن الأمريكيين عندما اقتحمت مجموعة من الطلاب الإسلاميين السفارة الأمريكية في طهران واحتجزت 52 أمريكيًا رهائن لمدة 444 يومًا، أي من 4 نوفمبر 1979 حتى 20 يناير 1981، شهدت هذه السنوات الماضية قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتعاظم نفوذ إيران في بعض الدول العربية، وأهمها العراق واليمن ولبنان وسوريا الأسد، ودعمها للحروب بالوكالة في هذه الدول، وتفاقم الشرخ السني الشيعي في المنطقة، وترجمته إلى حرب طائفية طاحنة في العراق وسوريا الأسد تحديدًا، مع تواجد حزب الله اللبناني مسيطرًا في الأراضي السورية دعمًا لحكم حزب البعث السوري المتمثل في حكم آل الأسد البائد.
وبالطبع، في العراق برزت سيطرة إيران على موارد الدولة العراقية، وتواجد الميليشيات العراقية الموالية لها. كذلك اندلعت الحرب وتفاقم الصراع مع عملية السابع من أكتوبر بين حركة حماس وإسرائيل، وهجوم الحركة على المناطق الحدودية الإسرائيلية، واجتياز السياج الحدودي، والانتهاكات التي تمت بحق المواطنين الإسرائيليين، والتي أشعلت وعمّقت الحرب والصراع بين حركة حماس وإسرائيل في غزة.
ولا تزال تداعيات الحرب والصراع مستمرة إلى اليوم بين السعي إلى بسط السلام في غزة واختراق الهدن المتعددة والحرب الطاحنة بين الطرفين، والتي قُتل فيها الكثير من الجانبين، لكن المتضرر الأكبر هو الشعب في غزة، الذي كان قبل السابع من أكتوبر يعمل في إسرائيل، وبعد هذا الصراع استُبدلت العمالة الفلسطينية من غزة بعمال آسيويين، وتعاظمت الهوة بين الطرفين وتراجعت فرص التعايش بعد عملية حماس في السابع من أكتوبر (طوفان الأقصى) وتفاقم الحرب الطاحنة.
وقد توسعت الحرب بسبب الدعم الإيراني لحركة حماس والصواريخ المتبادلة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران ووكلائها في الإقليم من جهة أخرى في حرب الاثني عشر يومًا. وفي خضم هذه الصراعات والحروب المتقطعة القديمة الجديدة بينهم، والتي تلاها هجوم إسرائيلي أمريكي متمثل بعملية جوية بدأت في 28 فبراير 2026، تزامن ذلك مع مظاهرات للشعب الإيراني وسعيه لإسقاط النظام الحالي الحاكم في إيران في عدة مدن إيرانية، بداية من تجار البازار، وترافق ذلك مع تدهور العملة الإيرانية وارتفاع التضخم وغلاء المعيشة. وقد تم قمع المظاهرات وقطع الإنترنت وخدمة ستارلينك، التي أعلن إيلون ماسك أنه سيمدّ بها الشعب الإيراني، عن كامل إيران، في محاولة لتهدئة الوضع وعدم تفاقم حدة الاحتجاجات.
الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك يهدف أساسًا إلى الملف النووي الإيراني المعقد، والسعي إلى تدمير البرنامج النووي الإيراني ومنع تحويله إلى سلاح نووي خطير، وكذلك تقليص القدرات الصاروخية الإيرانية من الصواريخ الباليستية. وقد أدت حدة القصف الجوي في اليوم الأول إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعشرات المسؤولين والكثير من قادة الحرس الثوري من الصفين الأول والثاني، وإصابة المرشد الحالي الذي انتُخب بعد علي خامنئي، نجله مجتبى خامنئي، والذي لم يتم تنصيبه رسميًا بعد بسبب وضعه الصحي الحرج.
والجدير بالذكر أن الحرس الثوري بقيادة أحمد وحيدي يتولى زمام الأمور حاليًا. وفي المقابل، كان رد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بإطلاق عشرات الصواريخ الباليستية، إضافة إلى طائرات شاهد المسيّرة، مستهدفة عدة مناطق في العمق الإسرائيلي وعدة قواعد عسكرية أمريكية متواجدة في الشرق العربي، ومنها المملكة الأردنية الهاشمية، التي تصدت لهذه الصواريخ دفاعًا عن سيادة الأردن وأمن شعبه وأراضيه.
كما تم إطلاق العدد الأكبر من الصواريخ، بدعم من وكلاء إيران في الشرق العربي، على دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحديدًا دبي، حيث تم استهداف مرافق حيوية وسياحية ومطارات ومبانٍ سكنية وفنادق، الأمر الذي أثّر كثيرًا على الاقتصاد الإماراتي، ولا تزال الأضرار مستمرة حتى الآن نتيجة هجمات بطائرات مسيرة تستهدف أراضيها بين الحين والآخر. كذلك تم استهداف البحرين ذات الأغلبية الشيعية والحكم السني، إضافة إلى وجود أهداف إيرانية مبطنة تجاه جيرانها من الدول الخليجية، ومنها السعودية والكويت وقطر.
ومنذ 28 فبراير وحتى الآن، ورغم الهدنة الهشة، لا تزال الحرب مستمرة مع إغلاق مضيق هرمز وتواجد الألغام في ممراته، وحصار أمريكا للموانئ الإيرانية، واستمرار الجدل بشأن المحادثات الإيرانية الأمريكية التي لم تُعرض حلقتها الأخيرة حتى الآن.
أردت في هذا المقال تحديدًا سرد تاريخ وتطورات هذا الصراع، وعنوانه الأبرز في هذه المرحلة الحالية هو عدم اليقين وتضارب التصريحات بين إيران وأمريكا والوسطاء في المحادثات الجارية في إسلام آباد، وسعيهم إلى تقليص الهوة بين الطرفين، وسط إعلام متخبط يصرح تارة بقرب اندلاع حرب جديدة، وتارة أخرى بإمكانية التوصل إلى اتفاق وحسم الوضع. وكل هذه الأمنيات للوصول إلى اتفاق تبقى، حتى الآن، سرابًا، مع استمرار استحالة الوصول إلى اتفاق، خصوصًا مع تضارب التصريحات بين إيران وأمريكا، وبقاء الوضع الحالي مبهمًا وغامضًا للغاية.
الولايات المتحدة تصرح بإمكانية إعادة واستئناف الهجمات على إيران من جديد، وتحديدًا إذا فشلت كل الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق، وبالأخص فيما يتعلق بالأهداف الأمريكية بشأن الملف النووي الإيراني، واليورانيوم المخصب لدى إيران، واحتمالية السعي الأمريكي لنقله. وقد تعددت السيناريوهات، لكن الوضع ما زال يتمثل في صراع وحرب مستمرة رغم المفاوضات والهدنة الهشة، التي تتسم باستهدافات الطائرات المسيّرة.
وفي السياق ذاته، يستمر مسلسل المفاوضات وسط خلافات متواصلة وعدم التوصل إلى اتفاق نهائي لحل أزمة الحرب وتداعياتها على الشرق الأوسط، وتحديدًا دول الخليج العربي. ورغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية لتجاوز العقبات، فإن لغة التهديد ما زالت تسود المشهد من طرفي الصراع.
وفي الوقت نفسه، تسعى الإدارة الأمريكية إلى إحراز مزيد من التقدم، وسط استمرار الخلافات بشأن مستويات تخصيب اليورانيوم وآلية الرقابة الدولية وأي ضمانات لتنفيذ أي اتفاق محتمل. وبالتوازي مع هذه التطورات، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع القيود المفروضة على حركة الملاحة البحرية المرتبطة بأزمة إغلاق مضيق هرمز، والسعي إلى فتح المضيق بشكل كامل أمام حركة التجارة العالمية المتضررة أصلًا من هذه الحرب، التي أثرت سلبًا على أسعار النفط والطاقة عالميًا، وكذلك على أسعار السلع الغذائية وحركة الطيران وقطاع السياحة، خصوصًا في الشرق الأوسط. كما شدد ترامب على ضرورة إزالة الألغام البحرية لضمان حركة الشحن في الاتجاهين.
في المقابل، تؤكد إيران تمسكها بموقفها التفاوضي، وتشدد على أنها لا تبني قراراتها على التصريحات أو التعهدات السياسية، بل على الإجراءات العملية، وأنها لا تنوي اتخاذ أي خطوات جديدة في هذا الملف قبل أن ترى تحركًا ملموسًا من الطرف الأمريكي.
المشهد يتسم بالضغوط العسكرية والتهديدات المتبادلة، ومن جهة أخرى بمساعي التفاوض والوساطة والهدنة الهشة، ليبقى مصير الاتفاق المرتقب بعيد المنال ومرهونًا بقدرة الطرفين على تقليص هوة الخلافات بينهما. وفي هذا السياق، تزداد التداعيات السلبية على المنطقة والشرق الأوسط اقتصاديًا وأمنيًا وعسكريًا، كما تؤثر على جميع بلدان العالم المتضررة من إغلاق مضيق هرمز. ولا شك أن نتائج المفاوضات سوف تؤثر على مستقبل الشرق الأوسط المتوتر أصلًا والمثقل بالحروب والصراعات منذ عقود، مع سعي بعض دول الشرق العربي، مثل العراق ولبنان، إلى استعادة سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية فقط.
كل المؤشرات تدل على عدم الوصول إلى اتفاق في المستقبل القريب، خصوصًا بعد إعلان ترامب رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية. وفي المقابل، صرحت إيران بأن القيادة الأمريكية أصدرت إنذارات للسفن الإيرانية بالتوقف في مضيق هرمز ومنعها من مواصلة العبور، أي أن الحصار، بحسب الرواية الإيرانية، ما زال مستمرًا على الموانئ الإيرانية. كما أكدت طهران أن ترامب يخون الدبلوماسية للمرة الثالثة ويواصل سياسة الحصار.
هذه التناقضات، وحالة عدم اليقين، وعدم الوصول إلى اتفاق نهائي في مسلسل المفاوضات، الذي لم تُعرض حلقته الأخيرة حتى الآن، تستنزف المشهدين السياسي والاقتصادي بتداعياتهما المستمرة، وتؤثر بطبيعة الحال على الوضع في الشرق العربي، خاصة مع احتمالية اندلاع حروب وصراعات جديدة، ومع هروب الكثير من عناصر داعش من مخيم الهول في شرق سوريا. كما يُقال إن العديد من هذه العناصر متواجدون في منطقة البادية السورية وجنوبي سوريا والمحاذية للعراق والأردن، ما يزيد من خطورة تسللهم عبر الحدود وسعيهم إلى زعزعة الأمن في منطقة الشرق العربي.



