الكاتب : د. مروان إميل طوباسي
بعد أكثر من ثلاثة عقود على "اتفاقيات أوسلو"، لم يعد السؤال الفلسطيني الحقيقي متعلقاً فقط بفشل المفاوضات أو تعثر "عملية السلام"، بل بطبيعة المسار الذي أرادته الولايات المتحدة وإسرائيل للفلسطينيين أن يسيروا فيه منذ البداية . فهل كان الهدف إنهاء الأحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ، أم إدارة الواقع الاستعماري بصورة أكثر استقراراً وأقل كلفة على إسرائيل؟
اليوم ، وبينما يتواصل ويتصاعد العدوان على غزة والمنطقة الإقليمية الأوسع ، ويتعمق الأستيطان والضم التدريجي في الضفة الغربية ، وتُطرح مشاريع جديدة من الوحدات الأستيطانية وعزل المناطق وتحديدا بالقدس وحولها وتهجير ابناء شعبنا ، ومشاريع تحت عناوين "اليوم التالي" و"الإصلاح" و"الترتيبات الإقليمية" و"لجان الإدارة" و"الخطوط الملونة"، يبدو واضحاً أن جوهر المقاربة الدولية تجاه القضية الفلسطينية لم يتغير كثيراً . فرغم اتساع الإعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية ، ما زالت الإرادة الدولية عاجزة عن ترجمة ذلك إلى إجراءات عملية ملزمة تنهي الأحتلال وتفرض احترام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية والرأي الأستشاري لمحكمة العدل الدولية .
ولفهم هذه اللحظة ، لا يمكن فصل اتفاقيات "أوسلو" عن الظروف السائدة آنذاك ، كما والسياق الذي سبقها ، فقد شكلت الأنتفاضة الفلسطينية الكبرى عام ١٩٨٧ نقطة تراكم نوعية لمختلف اشكال النضال الفلسطيني ، ومرحلة تحول تاريخية أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي ، ودفعت نحو إطلاق مؤتمر مدريد للسلام عام ١٩٩١ . لكن ما بدأ تحت ضغط الانتفاضة الشعبية ووحدتها الوطنية الواسعة ، انتهى إلى مسار تفاوضي سري في "أوسلو" انتقل تدريجياً من الحديث عن إنهاء الأحتلال وفق قرارات الشرعية الدولية ، إلى ترتيبات انتقالية مفتوحة زمنياً تقوم على الحكم الذاتي المحدود ، دون ضمانات حقيقية لوقف الأستيطان أو تحقيق السيادة الوطنية الكاملة ، في مقابل نجاح إسرائيل في تقديم نفسها أمام العالم بوصفها شريكاً في عملية السلام بعد سنوات من العزلة والضغوط الدولية .
لقد جرى التعامل مع "أوسلو" بوصفها مشروعاً للسلام كما اراد الأمريكان وشركاؤهم ، بينما كانت في أحد أوجهها إعادة تنظيم للعلاقة بين الأحتلال والشعب الواقع تحت الأحتلال . فلم تتضمن الاتفاقيات التزاماً إسرائيلياً واضحاً بإنهاء الأحتلال الأستيطاني أو الإعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة ، بل قامت على إدارة مرحلة انتقالية تحولت مع مرور الوقت إلى واقع دائم مع الإعتراف بمنظمة التحرير تمهيدا لتقويض دورها الوطني المقاوم كما يجري اليوم مع كل حركات مقاومة الشراكة الأسرائيلية الأمريكية بالمنطقة . وهنا يكمن جوهر الإشكال ، إذ انتقل المشروع الوطني الفلسطيني عملياً من السعي لإنهاء الأحتلال الاستعماري إلى الانشغال بإدارة واقع قائم تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة .
وفي الوقت الذي انشغل فيه الفلسطينيون ببناء مؤسسات السلطة والرهان على التسوية والضغط الدولي ، كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تعيد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والسيطرة الأمنية على الأرض وفق الرؤية الصهيونية طويلة المدى . وهكذا تحولت العملية السياسية إلى غطاء لفرض وقائع استعمارية جديدة ، بينما تعاملت معظم القوى الدولية وتحديدا الغربية منها مع القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة قابلة للإدارة والأحتواء ، لا قضية تحرر وطني لشعب يخضع لإستعمار استيطاني يستهدف الأرض والهوية والوجود .
إن ما يجري اليوم في غزة والضفة الغربية بما فيها القدس طبعا يكشف حدود هذه المقاربة بالكامل . فجرائم الحرب والتوسع الأستيطاني ومشاريع الضم ومحاولات إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني ، تعيد طرح السؤال الفلسطيني في جوهره الأول والأساس ، هل يمكن لشعب واقع تحت استعمار استيطاني أن ينال حريته عبر إدارة الواقع القائم ، أم عبر تغييره وإنهاء شروطه الاستعمارية؟
ولا يقتصر الأمر هنا على فلسطين وحدها ، فالمشاريع المطروحة أمريكياً وإسرائيلياً تمتد إلى الإقليم بأسره . فما يجري في لبنان من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتوسيع نطاق القصف والاحتلال تحت ذرائع أمنية مختلفة ، يعكس بدوره رؤية تقوم على إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية المحيطة بفلسطين بما يخدم التفوق الإسرائيلي ، وما تحدث عنه ترامب حول توسيع اتفاقيات أبراهام في اطار حديثة حول مسار المفاوضات مع ايران . كما تتقاطع تطورات المنطقة مع محاولات إنتاج شرق أوسط جديد يقوم على فرض الوقائع وموازين القوى العسكرية ، أكثر مما يستند إلى قواعد القانون الدولي أو حقوق الشعوب في تقرير مصيرها .
إن أخطر ما تواجهه القضية الفلسطينية اليوم ليس فقط استمرار العدوان الإسرائيلي ، بل خطر تحويل الكارثة المستمرة إلى واقع قابل للإدارة والتكيف ، عبر حلول جزئية أو ترتيبات أمنية أو تحسينات معيشية تحت "شعارات الاصلاح" ، بينما تبقى البنية الإستعمارية ذاتها قائمة وتتوسع .
ولعل هذا تحديداً هو ما كان يفترض أن يشكل جوهر انعقاد المؤتمر الثامن لحركة "فتح" ونقاشاته للوصول الى خارطة طريق تحدد مسار النضال الوطني . فالتحدي المركزي المطروح أمام حركة "فتح" ، بوصفها القوة الرئيسية في الحركة الوطنية الفلسطينية مع الشركاء في منظمة التحرير ، لا يتعلق فقط بإدارة مرحلة معقدة ، بل بإعادة طرح السؤال الوطني الجوهري الماثل أمامنا اليوم والذي يتلخص في ، هل ما زلنا ندير واقعاً استعمارياً مفروضاً علينا ، أم نعيد بناء مشروع سياسي تحرري قادر على إنهائه؟
ومن هذه الزاوية ، كان من المفترض أن يشهد المؤتمر مراجعة سياسية وفكرية عميقة لتجربة العقود الثلاثة الماضية ، وللخيارات التي حكمت المسار الوطني منذ "أوسلو" وحتى اليوم ، وأن يفتح نقاشاً واسعاً حول مستقبل المشروع الوطني وأدوات النضال وشكل علاقة "فتح" بالسلطة وطبيعة الصراع وأشكال المواجهة السياسية مع المشروع الإستعماري الإسرائيلي ومسألة التضامن الدولي والمتغيرات الدولية الجارية . غير أن هذا النقاش ظل محدوداً ان وجد أصلا في بعض لقاءات لجان المؤتمر ، وغابت عنه كثير من القضايا الجوهرية التي يفترض أن تكون في صلب أي مراجعة وطنية جادة او باعمال المؤتمر بعد انتظار عشر سنوات .
كما برزت ملاحظات نقدية تتعلق بالجوانب التنظيمية للمؤتمر ، سواء فيما يخص أسس العضوية وما جرى من استبعاد واستبدال ، أو ما أثير حول آليات انتخاب الهيئات القيادية التي كان يفترض أن تقوم على مبدأ سرية الاقتراع وعلنية الفرز بما يعزز الثقة والشفافية ، وما أثاره ذلك من تساؤلات لاحقة حول الشفافية وطبيعة المشاركة والتقيد بالنظام الداخلي وصناعة القرار داخل المؤتمر بوصفه أعلى سلطة حركية وسيد نفسه .
فالتحدي الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بتجديد الأطر أو انتخاب القيادات ، على أهمية ذلك ، بل بشفافية الإجراءات وبامتلاك إرادة ورؤية سياسية قادرة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة تعريف المشروع الوطني التحرري نفسه في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها فلسطين والمنطقة والعالم ، بما يساهم في الخروج من الأزمة البنيوية التي تعيشها الحركة الوطنية الفلسطينية ونظامها السياسي .
إن المسألة لم تعد تتعلق فقط بإدارة واقع استعماري يتعمق يوماً بعد يوم ، بل باستعادة القدرة على بناء استراتيجية وطنية شاملة تجعل من إنهاء هذا الواقع هدفاً سياسياً عملياً وممكناً ، وتضع له رؤية واضحة وبرنامجاً وأدوات قادرة على تحويله من شعار إلى مسار نضالي قابل للتحقق .
وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام الهيئات القيادية الجديدة لِ "فتح" ، ليس فقط في الحفاظ على وحدتها الداخلية واستنهاض دورها واعادة احياء الحياة التنظيمة ومنهج العمل الديمقراطي ، بل في قدرتها على الإسهام بإعادة بناء مشروع وطني تحرري يعيد الاعتبار لفكرة إنهاء الإستعمار الاستيطاني ، بعد سنوات طويلة من الانشغال بإدارة نتائجه وتداعياته ، فهذه هي مسؤولية المرحلة المقبلة ، كما أنها المعيار الحقيقي الذي سيُقاس عليه نجاح أو إخفاق الهيئات الجديدة .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح"



