الكاتب : يونس العموري
من القدس، حيثُ تتشابكُ الأزمنةُ كأغصان زيتونٍ عتيقة، وتتنفّسُ الحجارةُ ذاكرةَ العابرين، أكتبُ إليكم، يا أهلَ الجنوب في جنوب لبنان، يا من تقفون عند تخوم الريح ولا تنكسرون ....
اكتبُ إليكم، لا كمدينةٍ من حجر، بل كقلبٍ يضجّ بالحكايات .. كأمٍّ تحفظ أسماء أبنائها في الدعاء، وكجرحٍ قديمٍ تعلّم كيف يزهر رغم الألم. هنا، في الأزقّة التي مرّت بها خطواتُ الأنبياء، ما زالت الأرواح تعرف معنى الثبات، كما تعرفون أنتم معنى البقاء....
يا إخوةَ المسافة القريبة في الروح، البعيدة في الجغرافيا، نحنُ وأنتم خيطٌ واحدٌ في نسيج هذه الأرض.. إن اهتزّ، لا ينقطع. نتقاسمُ ظلّ الغيمة حين تثقل، ونقتسمُ الضوء حين يطلّ خجولًا من بين الركام. وما بيننا ليس حدودًا، بل صدى يتردّد.. أن الكرامة لا تُقاسُ بحجم الألم، بل بقدرة الإنسان على الوقوف كلّ مرة ...
من هنا، من مدينةٍ تعرفُ كيف تصبر، نرسلُ إليكم حكايةَ الصباح الذي يأتي، مهما طال الليل. نرسلُ إليكم رائحةَ الخبز حين يُخبز على نار الحنين، وصوتَ الأذان حين يعلو كأنه وعدٌ بأن الحياة، مهما ضاقت، تتّسع للرجاء.
كونوا كما أنتم .. وجوهًا لا تنحني إلا للكرامة ، وقلوبًا تعرف أن للثبات ثمنًا، لكنه الطريق الوحيد كي يبقى الإنسان إنسانًا... سلامٌ لكم… من حجارةٍ تحفظ الدعاء، ومن سماءٍ لا تنسى من يرفعون أعينهم إليها.
من القدس العتيقة، المدينةِ التي تحفظُ في حجارتها صدى القرون، وتُخبّئ في هوائها دعاءَ العابرين، أمدُّ رسالتي إليكم، إلى كلِّ قلبٍ نابضٍ في لبنان، من شماله حتى جنوب لبنان، حيثُ للجبال ذاكرة، وللبحر حكاية، وللبيوت روحٌ لا تنطفئ.
يا أهلَ لبنان،
يا من تعلّمتم كيف تُرمَّمُ الروحُ كما تُرمَّمُ البيوت، وكيف تُزرعُ الحياةُ من جديدٍ بين حجارةٍ أنهكها الغبار نكتبُ إليكم من مدينةٍ تشبهكم كثيرًا، مدينةٍ تعرفُ معنى أن يُختبر الصبرُ كلَّ يوم، وأن يُصبح الثباتُ لغةً ثانية... لسنا بعيدين عنكم كما تُوحي الخرائط، فنحنُ وأنتم نلتقي في التفاصيل الصغيرة.. في أمٍّ تنتظرُ عودةَ أبنائها عند الغروب، في نافذةٍ تُفتحُ رغم الخوف، في شجرةِ زيتونٍ تُصرّ أن تبقى خضراء مهما اشتدّت الريح.
من هنا، من أزقّةٍ تعرِفُ وقعَ الأقدامِ القديمة، نقول لكم .. إنّ الأرضَ ليست ترابًا فقط، بل ذاكرةٌ وكرامة، وأنّ الدفاعَ عنها يبدأ من الإيمان بأنّ الحياة تستحق أن تُعاش بكرامة، مهما اشتدّت العواصف. أنتم لستم وحدكم في هذا الامتحان ، فكلُّ مدينةٍ تعرفُ الألم، تفهم لغتكم دون ترجمة.
يا أهلَ الصبر الجميل،
حين تضيقُ الأيام، تذكّروا أنّ الليل، مهما طال، يحملُ في داخله بذرةَ الفجر.. وأنّ الحكايات التي تُكتبُ بالوجع، غالبًا ما تتحوّل إلى نورٍ للأجيال القادمة. قد تتعبُ الطرق، وقد تثقلُ الخطى، لكنّ الأرواح التي تعرفُ طريقها إلى الحقّ لا تضلّ.
نحنُ هنا، في القدس، نرفعُ لكم دعاءً صامتًا، يشبه همسَ الحجارة حين تُلامسها أقدامُ المصلّين، دعاءً بأن تبقى قلوبكم عامرةً بالأمل، وأن تبقى بيوتكم، مهما تهدّمت، قادرةً على أن تُبنى من جديد،
وأن يبقى في وجوه أطفالكم ذلك الضوء الذي لا يُهزم.
إلى لبنان كلّه،،،
إلى مدنه وقراه، إلى ناسه الذين يشبهون البحر حين يغضب، ويشبهون الياسمين حين يهدأ.. نقول إنّ الكرامة التي تُحفظ في القلوب، لا تستطيعُ قوةٌ أن تنتزعها. وإنّ الأوطان، مهما تعرّضت للجراح، تُشفى بأيدي أبنائها، وبإصرارهم على الحياة.
سلامٌ لكم، من مدينةٍ تعرفُ معنى الانتظار، ومن قلوبٍ تؤمن أن الغد، مهما بدا بعيدًا، قادمٌ بخطى ثابتة.
ومن القدس، حيثُ تتعانقُ السماءُ مع أصواتِ الأرض، وحيثُ تختلطُ دقّاتُ الأجراس بنداءِ الأذان كأنّهما نبضٌ واحد، نعودُ فنكتب إليكم، يا أهلَ لبنان، رسالةً أخرى تُشبه النداء… وتُشبه الصلاة.
هنا، حين تدقّ أجراسُ الكنائس مع الفجر، ويرتفع الأذانُ في اللحظة ذاتها، لا يبدو المشهدُ اختلافًا، بل انسجامًا عميقًا، كأنّ المدينة تُعلّم العالم سرّها القديم ... أنّ التعدّد ليس ضعفًا، بل قوّة، وأنّ الأصوات حين تجتمع، تُصبحُ نشيدًا لا يُقهر.
يا أبناء لبنان الجميل ...
يا من تحملون في قلوبكم تنوّعًا يشبه فسيفساء هذه المدينة، اعلموا أنّ الأرض لا يحميها صوتٌ واحد، بل وحدةُ الأصوات، وأنّ الوطن، حين تشتدّ عليه العواصف، لا ينجو إلا حين يقفُ أبناؤه صفًا كأنّهم جدارٌ من نور.
من القدس،،،
حيثُ لا تزالُ الحجارةُ تحفظُ خطى المؤمنين على اختلاف طرقهم، كونوا كما هذا المكان مختلفين، لكن متّحدين، متعدّدين، لكن بقلبٍ واحد... دعوا أصواتكم، مهما تنوّعت، تلتقي عند حبّ الوطن،
كما تلتقي هنا الأجراسُ والأذان دون أن يُلغي أحدُهما الآخر، بل يزيدهُ حضورًا وعمقًا.
يا لبنان،،،،
إنّ الانقسامَ ريحٌ تُبعثر، أمّا الوحدةُ فجذورٌ تُثبّت، وما بين الريح والجذور، تختارُ الأممُ مصيرها. نحنُ هنا، من مدينةٍ عرفت كيف تبقى رغم كلّ شيء، نهمسُ لكم بنداءٍ يشبه الرجاء.. أن اجعلوا اختلافكم قوّة، لا شرخًا، واجعلوا من حبّ لبنان سقفًا واحدًا يظلّ الجميع... ولتكن دقّاتُ الأجراس في خيالكم، مع كلّ أذانٍ يرتفع في قلوبكم، تذكيرًا بأنّ الوطن لا يُحمى إلا بأبنائه مجتمعين، وأنّ الأرض، مهما اشتدّ عليها الألم، تزهرُ حين تتصافحُ الأيادي فوق ترابها.
سلامٌ لكم،
من مدينةٍ تُصلّي بلغاتٍ كثيرة، لكن بقلبٍ واحد، وتؤمن أنّ الوحدة، في زمن الشدّة، ليست خيارًا… بل خلاص... ومن القدس، حيثُ يُقاسُ الإنسانُ بثباته لا بضجيج صوته، نُوجّه كلماتنا إلى كلِّ من يقفُ على تخوم التعب، حارسًا لما تبقّى من كرامة الأرض ومعنى الوطن في لبنان.
إلى أولئك الذين يسهرون كي تنامَ البيوتُ آمنة، والذين يحملون في قلوبهم خوفًا على أهلهم أكثر من خوفهم على أنفسهم، إليكم نقول ... إنّ ما تفعلونه ليس حكايةَ قوّةٍ فقط، بل حكايةُ إنسانٍ يتمسّك بحقّه في أن تبقى الحياة ممكنة.
في القدس، نتعلّم أنّ الحماية ليست فعلَ صراعٍ فحسب، بل فعلُ حبّ .. حبٍّ للأرض، للناس، ولتفاصيل الحياة الصغيرة التي تستحق أن تستمر... وأنّ أعظم ما يمكن أن يُصان، ليس الحجر وحده، بل الروح التي تسكنه.
كونوا، كما هذه المدينة، ثابتين دون أن تفقدوا إنسانيتكم، أقوياء دون أن تنسوا أنّ القوة الحقيقية هي أن يبقى القلب حيًّا، وأن يظلّ في داخلكم متّسعٌ للرحمة، حتى في أقسى اللحظات.



