الكاتب : محمد زهدي شاهين
لم يكن السابع من أكتوبر 2023 مجرد حدث عسكري عابر في سياق صراع ممتد، بل كان لحظة كاشفة، صادمة، عارية من كل الزيف الذي راكمه النظام الدولي على مدى عقود. لحظةٌ لم تُسقط فقط توازنات ميدانية، بل أسقطت قبل ذلك ادعاءات كبرى، كانت تُقدَّم بوصفها حقائق ثابتة، وفي مقدمتها: أن هذا العالم تحكمه قواعد، وأن العدالة فيه – ولو بحدود – ممكنة.
لكن ما جرى بعد السابع من أكتوبر، لا ما جرى فيه، هو ما يستحق التأمل الحقيقي.
لقد انكشف النظام الدولي، لا بوصفه عاجزًا، بل بوصفه محدودًا بإرادته، ومقيّدًا بمصالحه، ومُنحازًا في جوهره. فحين سال الدم الفلسطيني بلا حساب، وحين تحولت المأساة الإنسانية إلى مشهد يومي بلا رادع، لم يكن العالم غائبًا، بل كان حاضرًا… ولكن على طريقته الخاصة: يراقب، يبرر، ويُعيد صياغة اللغة بما يخدم روايته.
وهنا، تسقط الفكرة الأخطر: أن الصمت الدولي هو نتيجة عجز.
الحقيقة الأكثر قسوة أن هذا الصمت كان اختيارًا واعيًا.
لقد أثبتت هذه اللحظة أن النظام الدولي لا يتحرك عندما تُنتهك العدالة، بل عندما تُهدد المصالح. وأن الدم، أي دم، لا يكتسب قيمته الأخلاقية من ذاته، بل من موقعه في خارطة النفوذ. وهكذا، تحولت المأساة الإنسانية في غزة إلى اختبار أخلاقي سقط فيه العالم، لا لأنه لم يفهم، بل لأنه فهم جيدًا… واختار أن يتجاهل.
غير أن المفارقة الأعمق لم تكن في انحياز القوى الكبرى فحسب، بل في التصدعات التي بدأت تظهر داخل هذا النظام نفسه.
لقد شهدنا، وللمرة الأولى بهذا الوضوح، حالة من التململ داخل المعسكر الغربي، ليس بدافع صحوة ضمير مفاجئة، بل نتيجة تحولات أعمق تتعلق بالمصالح. فمع تصاعد سياسات الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، التي اتسمت بنزعة أحادية وتغوّل واضح حتى على الحلفاء، بدأت ملامح التوتر تظهر في العلاقات الدولية.
لم يعد الخلاف مع الولايات المتحدة محصورًا في خصومها التقليديين، بل امتد ليشمل حلفاءها، الذين وجدوا أنفسهم أمام سياسات تضر بمصالحهم الاقتصادية والسياسية، وتضعهم في مواقف حرجة أمام شعوبهم. وقد تعمّق هذا التباعد مع اتساع رقعة الصراع، خصوصًا في ظل السياسات التصعيدية، ومنها العدوان المشترك على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والذي لم يُقرأ في كثير من العواصم باعتباره خطوة لضبط التوازن، بل كمغامرة تهدد الاستقرار وتضر بمصالح متعددة.
وهنا، يجب قراءة المواقف الدولية الناقدة للسياسات الأمريكية بواقعية صارمة:
فهي، في جوهرها، لم تكن انتصارًا للعدالة، ولا انحياز حقيقيي للقيم الإنسانية التي جرى انتهاكها، بل كانت – في جانب كبير منها – تعبيرًا عن تضارب المصالح.
بمعنى آخر، حتى الاعتراض على الانحياز الأمريكي لم يكن أخلاقيًا خالصًا، بل سياسي مصلحي، يعكس خللًا في توازنات القوة، لا صحوة في الضمير العالمي.
وهذا يعيدنا إلى الحقيقة المركزية التي كشفها السابع من أكتوبر:
أن العالم، كما هو، لا يُدار بمنطق الحق، بل بمنطق القوة، ولا يُحرّكه الألم الإنساني، بل حسابات الربح والخسارة.
لكن، ورغم كل هذا السقوط الأخلاقي، فإن ثمة بُعدًا لا يمكن تجاهله:
لقد أعادت هذه الصدمة وضع القضية الفلسطينية في قلب الوعي العالمي، ولكن بصورة مختلفة. لم تعد مجرد ملف سياسي قابل للتفاوض، بل تحولت – من جديد – إلى سؤال أخلاقي كبير، يحرج العالم حتى وهو يتجاهله.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
كلما انكشف النظام الدولي، كلما انكشفت معه حقيقة القضية.
إن السابع من أكتوبر لم يكن فقط حدثًا في تاريخ الصراع، بل لحظة إعادة تعريف:
تعريف للعالم، لحدوده، لزيفه…
ولحقيقة أن الشعوب، حين تُترك وحدها، لا تراهن إلا على ذاتها.
وفي زمن كهذا، لا يعود السؤال: أين يقف العالم؟
بل يصبح السؤال الحقيقي:
هل ما زال بإمكاننا أن نراهن عليه أصلاً؟



