غزة - واثق نيوز-رغم فقدانه إحدى ساقيه في قصف إسرائيلي، يواصل المواطن نهاد المسارعي العمل في ورشته للحدادة بمخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، متحديًا الإعاقة وتداعيات الحرب الصعبة.
ويسعى المسارعي (53 عامًا) لتأمين لقمة عيش أبنائه، مجسدا قدرة الفلسطينيين على الصمود والإرادة في مواجهة الدمار والخسائر الجسدية والنفسية التي خلفتها الهجمات الإسرائيلية على المدنيين في غزة.
ويعمل المسارعي في ورشته، بساق وحيدة وإرادة كاملة، ليضرب مثالا حيا للعزيمة والصبر في مواجهة الواقع المرير الذي يعيشه الفلسطينيون منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وخلال عامي الإبادة، واجه الفلسطينيون في القطاع دمار المنازل، وفقدان الأحبة، ونقصا حادا في الموارد الأساسية، إلى جانب إصابة آلاف المدنيين بإعاقات جسدية ونفسية جعلت العودة إلى الحياة الطبيعية مهمة شاقة، وأحيانا مستحيلة.
وفي ظل هذه الظروف القاسية، لم تكن معاناة المسارعي استثناء، بل هي جزء من واقع يومي فرضته الهجمات الإسرائيلية المتكررة على المدنيين ومراكز الإيواء، حيث تحولت المدارس والمنازل إلى أهداف، وسٌلب كثيرون حياتهم أو أطرافهم في لحظات خاطفة.
ويستعيد المسارعي لحظة إصابته، فيقول: "كنت أعمل في مدرسة في النصيرات لجأ إليها نازحون. وبينما كنا نتناول الطعام مع المعلمين والمدير، قُصفت المدرسة، مات كل من كان بجانبي، وكنت الناجي الوحيد".
ويضيف: "استيقظت في المستشفى وعلمت بعد ثلاثة أيام أن ساقي اليسرى قد بُترت".
ويوضح أن إصابته غيّرت مجرى حياته بالكامل، إذ لم يتمكن من مغادرة منزله لمدة عام كامل، عانى خلاله من حالة نفسية قاسية.
وتابع والدموع تغالبه: "بعد الإصابة، لم أكن أستطيع حتى الذهاب إلى الحمام دون مساعدة، الأمر الذي أرهقني بشدة".
ويعاني مصابو حرب الإبادة الإسرائيلية من صدمات نفسية عميقة، نتيجة فقدان الأطراف أو الأحبة أو المنازل، في ظل غياب برامج دعم نفسي حقيقية، ما يجعل العودة إلى الحياة الطبيعية تحديًا مضاعفًا.
ورغم الألم، قرر المسارعي العودة لمهنته الشاقة والخطرة بدافع الحب والإبداع ومسؤولية الأبوة.
ويقول: "إذا لم يكن لديك دخل، فلن يطرق أحد بابك، عدت إلى الحدادة من أجل تعليم أطفالي وتأمين معيشتهم".
وتفاقمت البطالة في غزة إلى مستويات قياسية، مع توقف معظم الأنشطة الاقتصادية، فيما يعتمد غالبية السكان على المساعدات الإنسانية المحدودة، وسط قيود مشددة على إدخال المواد الخام ومستلزمات العمل.
ويشير المسارعي إلى أنه كان سابقا يقوم بجميع الأعمال بنفسه ويصعد إلى الأسطح، أما اليوم فيعاني من فقدان التوازن ويحتاج إلى مساعدة من حوله، لكنه يواصل الحضور لورشته على كرسيه المتحرك، بدعم من شبان المخيم الذين يساندونه.
ويفتخر المسارعي أن أحد أبنائه يدرس في تركيا والآخر في تونس، معتبرا ذلك ثمرة صبره وكفاحه.
وفي رسالة مؤثرة لمن فقدوا أطرافهم مثله، قال: "عودوا إلى عملكم، ولا تكونوا عبئاً على أحد. انسوا أنكم فقدتم يداً أو ساقاً أو عيناً، وتحدوا
الصعاب. نحن في غزة، نعمل، ننتج. نحن هنا".
ورغم كل الصعوبات، يواصل فلسطينيون كُثر في غزة التمسك بالحياة والعمل والإنتاج، في مشهد يعكس قدرة الإنسان على الصمود حتى في أقسى الظروف، ويجسد إرادة البقاء في وجه الدمار.