رام الله-واثق نيوز-نصير أحمد الريماوي-لقد عدت إلى المنزل بعد يوم عمل شاق في قطاف ثمار الزيتون.. اغتسلت..أديت صلاة المغرب..تناولت عشائي مع أسرتي..وجلست أستريح أشاهد التلفاز، فكانت شاشته تعج بالأحداث الدامية والمجازر في غزة هاشم بفعل القصف الصهيوني- الأمريكي الهمجي، وحالة من الاستنفار بين الأهالي من أثر هذه المشاهد المروِّعة..ثم أديت صلاة العشاء.. بعد ذلك توجهت إلى فراش النوم عند الساعة العاشرة ليلا تقريبا، وخلدت إلى النوم من أجل الاستيقاظ مبكرا للعمل في اليوم الذي يليه، وكان ينام بجواري حفيدي الرضيع..هاجمني النعاس.. أغمضت عيني فرأيت في المنام شجرة خضراء اللون، كثيفة ووارفة الظلال، ويجري بجوارها نهرهادر.. أثناء ذلك استيقظ الطفل على غير عادته..يبكي وهو نائم..غريب.. يا ساتر تستر..قلت في نفسي:خيرا إن شاء الله.. ثم سكت الطفل..ما أن وضعت رأسي على الوسادة مرة ثانية- عند الساعة الحادية عشرة والربع- حتى جاء زوجتي اتصالا من الجارة، وقالت لها: ابن "معين" تصاوب ونقلوه إلى المستشفى..نهضت مسرعا..ركبنا السيارة ثم خرجنا إلى مستشفى سلفيت..رأيته مسربلا بدمائه الزكية، وشاخص البصر بين أيادي الأطباء وهم يحاولون أنعاشه..ثم لفظ أنفاسه الأخيرة..عن قصة حياة الشهيد التقيت مع والدته ووالده...
تقول "فاتنة"والدته: لقد كان عمر الشهيد(6) سنوات في أول احتكاك له مع جنود الاحتلال خلال الانتفاضة الثانية(انتفاضة الأقصى)، أذكر في ذلك اليوم أن جنود الاحتلال اقتحموا بلدتنا "بيت ريما"، وتصدى الشباب لهم، وصارت مواجهات من شارع لشارع.. حينها كان "أحمد" يجلس بجانبي في المنزل، وعندما اقترب جنود الاحتلال من منزلنا، خرج ليرى ما يجري، فشاهد الشباب وهم يرشقون العربات العسكرية بالحجارة، حمل حجرا صغيرا بين يديه الطريتين وضربه نحو الجنود وهرب إلى داخل المنزل، شاهده بعض الجنود واقتحموا منزلنا، واعتقلوه ثم وضعوه داخل الجيب العسكري، وأنا أصيح من خلفهم خوفا عليه، وأقول لهم: إن الطفل مريض.. الطفل مريض..ابني صغير.. لكنهم لم يكترثوا لكلامي..صار الجنود يدورون به في شوارع البلدة من الظهر حتى العصر ثم أفرجوا عنه، عندما عاد إلى المنزل، سألته عما جرى معه، قال لي:كلما كنت أحاول رفع رأسي إلى أعلى داخل الجيب يمنعوني، ولا يسمحون لي، وصرت أقرأ سورة الفاتحة، وأقرأها ثانية، وثالثة، ورابعة..... لقد كان خوفي عليه كثيرا لأننا أجرينا له عملية جراحية في الأنف لإزالة لحمة كانت تؤثر على السمع عنده..
لقد ولد "أحمد" بتاريخ 27/3/1995م... وكَبِر مع كِبَر معاناة شعبنا، وتعلم للصف التاسع الأساسي، بعد ذلك، آثر العمل في مجال مهنة الحدادة والألمنيوم مع شقيقيه "صهيب" الأسير المحرر من معتقلي" عوفر والنقب" في عام 2015م، و" مصعب" الأسير المحرر من معتقل"نفحة" الصهيوني في عام2016م، ولا يفوتني ذكر أن والده" معين العالم" هو الأخر أسير محرر وأُفرج عنه من معتقلات الاحتلال في عام 1985م.
اعتقل في شهر10 واستشهد في شهر10، وفي اليوم العاشر لمعركة طوفان الأقصى ..
تضيف والدته بصوتها المكلوم: إن شهر(10) هو شهر استشهاده.. سبحان الله العظيم..أما احتكاكه الثاني مع الاحتلال فكان بتاريخ 29/10/2018 م عند الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل..كنّا نائمين.. سمعت صوت ماكنة تفجير باب المنزل المزعجة ..استيقظت، ورأيت قرابة(40) جنديا صهيونيا بأسلحتهم يقتحمون المنزل تباعا، وبعضهم يحاصر المنزل من الخارج.. سألوا الأولاد بعدما استيقظوا:" شو اسمك، وأنت شو اسمك ؟ حتى وصلوا "أحمد".. كان يرتدي شباحا وشورتا فقط على جسمه.. قيّدوا يديه خلف ظهره وأعصبوا عينيه بإحكام ... صرت أصيح في وجوههم، وأقول: أريد أن ألبسه ملابس شتوية..أعادوني تحت تهديد السلاح.. قال لي بعضهم:"بدنا نسير فيه برا في الجبال".. فأكثرت إلحاحي.. أسرعت وخلعت البنطال عن شقيقه "خباب" الذي يصغره وألبسته إياه فورا .. خرجوا به مشيا على الأقدام، في الظلام الدّامس، من البلدة حتى مستعمرة ( بيت آريه ) الصهيونية المقامة على أراضي قريتي "عابود واللبن الغربي" التي تبعد قرابة (5) كيلو مترات مرورا بالطرق الجبلية الوعرة، والوديان السحيقة باتجاه عين سابونا وعين الزرقاء وصعودا باتجاه المستعمرة، ومن هناك نقلوه مرهقا إلى معتقل (عوفر)..
تكمل والدته : بعد أسبوع من اعتقاله، اتصل بنا من داخل المعتقل، وذكر لنا، كان الجنود -أثناء الطريق بين الجبال- يسقطونه عن السلاسل الصخرية التي تصادفهم، ويرمونه فوق النباتات الشوكية الحُرجية المحاذية للطرق الوعرة، وأنه لم يستطع النهوض والوقوف على ساقيه وقدميه من شدة الألم، وظل طريح فراشه لمدة أسبوع.. ثم حكموا عليه بالسجن لمدة عشرة شهور مع دفع غرامة مالية مقدارها(9,500) شيقل إسرائيلي.
تضيف والدته: لقد كان الشهيد يتمتع بخصال حميدة، ذو خلق، ودين، ويساعد الناس، ويتصدق دون أن يعرف أحد، ويُؤثِر الأصدقاء، والأقارب، وكل من يقصده على نفسه، وأصرّ خلال شهر 1/2023م من العام الجاري على إكرامي بأداء العمرة معا، ذهبت معه ومع المعتمرين من البلدة.. قال لي بعض أصحابه ونحن نطوف حول الكعبة، ونستدعي: إن أحمد كان يطوف ويدعوا ربّه - بحرارة المشتاق- أن يمنحه الشهادة، و إن يرجع شهيدا!!!عندما عدنا إلى أرض الوطن وزع على كل من جاء للتهنئة: مسابح، ومياه زمزم، وسجاد للصلاة.. اللّه يرضى عليه، رضا ربي ورضا قلبي، لقد حقق لي حلما بزيارة قبر الرسول صلوات الله وسلامه عليه.. الحمد لله ربّ العالمين..
بعد أداء العمرة، امتلأ قلبه بالإيمان، وأصبح لا يقطع له فرضا، وتعلق قلبه بالمسجد، ويحث الأصدقاء على أداء الصلوات وفعل الخير للناس، وكان كثير الإلحاح في طلب الذهاب إلى أداء الصلاة في المسجد الأقصى المبارك في أيام الجمع، وبخاصة خلال شهر رمضان المبارك الذي صادف يوم 23/3 حتى21/4 من العام الجاري بالرغم من الحواجز العسكرية المميته، لدرجة أن هذه الإلحاح أثار استغراب والدته ووالده وإخوته مما أثارخوفها عليه... لقد استغل هذا الشهر الفضيل الذي تكثر فيه العبادات، وقرر في بداية شهر نيسان كسر الحواجز المانعة لوصول الشباب إلى المسجد الأقصى متحديا المخاطر التي قد تواجهه مهما كلفه الثمن.. استيقظ عند الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل خلال الشهر الفضيل وانطلق مع شقيقه "صهيب" من البلدة باتجاه قرية "بيت سيرا" جنوب غرب رام الله، عندما وصلا عند الحاجز هناك منعهما جنود الاحتلال من المرور..عادا وسلكا طريقا آخر باتجاه مخيم قلنديا، فوجدا المنطقة محاصرة، ومنعهما جنود الاحتلال من المرور باتجاه القدس، لم يبق لهما طريقا آخر سوى الركوب في باص يحمل لوحة صفراء اللون(إسرائيلية) مع ثلاثين راكبا، وجلسا في المقعد الخلفي.. عندما وصل الباص عند محسوم مدخل أريحا العسكري.. توقف الباص للتفتيش..أختبأ " أحمد وصهيب" مخفوضي الرأس إلى الأسفل خلف المقاعد..ألقى الجندي نظرة على الباص من الخارج ثم سمح بالمرور، ولم يرهما..بذلك تمكنا من دخول مدينة القدس، وأديا صلاة الجمعة مع المصلين..كم كانت فرحته غامرة بنجاحه في زيارة الأقصى المحاصر والجريح لا توصف؟!
لقد عانى الشهيد كثيرا عقب استشهاد صديق عمره"محمد زغلول الريماوي" الذي أعدمه جنود الاحتلال في منزله بتاريخ18/9/2018م أمام أهله، وترك له ذكرى عبارة عن "موس كبّاس" صغيرأعطاه إياه قبل استشهاده، وقال له: احتفظ به للذكرى، خليه معك يا أحمد..
تقول الوالدة: هذا "الموس" صارعزيزا على "أحمد"، وخاصة بعد استشهاد رفيق عمره، وراح يحرص عليه دائما، في ليلة من الليالي،تعرض منزلنا لاقتحمام من قبل جنود الاحتلال..فتشوه وعبثوا وخرّبوا فيه بحجة البحث عن "خباب" شقيقه الذي يصغره فلم يجدوه...صادروا جميع سكاكين المطبخ، ومعها "الموس" العزيز على "أحمد" للأسف الشديد.. عندما عرف "أحمد" بالخبراشتاط غضبا، وحزنا عليه لأنه ذكرى وأمانة من الشهيد.. بعد فترة وجيزة، تم اعتقال "خباب" حاجز عسكري صهيوني قرب قرية"عابود" المجاورة لنا بتاريخ16/7/2023م، من قبل جنود الاحتلال.
حَلِم أنه في عرس كبير، وكلما فتح عينيه لا يرى الناس!!! ..
تكمل الوالدة: قبل يومين من استشهاده كان نائما بجانبي، وقال لي: إذا حسيتي يا أماه أنك مشتاقة لأحد في مقبرة البلدة، لا تروحي هناك، ولا تبكي..تَصدَّقي، وترحَّمي، واقرَئي القرآن أفضل لك.. أجبته:"بروح وما بعيط".. وأضاف: أنا يا أماه قلقان على أخي"صهيب" لأنه سيبقى في الورشة يعمل لوحده!!!!، سألته: "لماذا،وأنت وين بدك تروح؟ هل تريد فتح مشروع لوحدك؟؟".. لقد أثار كلامه احساسي، ورغبتي في معرفة ما يقصده، لكنه لم يفصح لي بشيئ.. في إحدى المرات اطلعني على حلم رأه في منامه، وقال لي: حلمت أنني في عرس كبير وكلما افتح عيني لا أرى الناس!!!
وتكمل والدة الشهيد والدموع تترقرق في مقلتيها: في يوم استشهاده بتاريخ 17/10/2023م شفت في منامي ضربة أصابت "أحمد"، وأصابتني ضربة أخرى بصدري، ونور أبيض يشع من خلفي..تطلعت عليه لم أجد فيه شيئا.. صحيت وأنا أصيح، وموجوع، وصار معي ضيق نفس، وفقدت شهية الأكل.. كمان رأيت في منامي حمامة بيضاء اللون نازلة من السماء باتجاهي، وأنا جالسة في ساحة، وحطت على حِجري!!!!
آخر شيء طلبه منّي أن أعطيه البيجامة الرياضية(تريننج) سوداء اللون الشتوية التي ابتاعها وارتداها في مكة المكرّمة والمدينة المنوّرة عندما ذهبنا لأداء العُمرة..فسألته: الجو حار وهذه البيجامة شتوية..ردّ علي: أثناء الليل برد..صرت أبحث في المنزل عنها، وهو يدور.. ويدورمن حولي بشكل غريب.. ويتطلع في وجهي و يلف.. ويلف من حولي، و يُصرّ على ارتدائها، ويرفض ارتداء دونها، لأنه كان يشعر بأنها لازمته في رحلته الدينية..أخيرا عثرت عليها وأعطيته إياها..ارتداها مسرورا..ثم رتب لحيته، ثم سألني: كيف شايفتيني يا أماه؟ أنا مزبّط الآن، وهل لحيتي حلوة؟؟
أجبته: حلوة..صرت بتجنن!! ..
هذا الحوار الذي دار بين أحمد والوالدة، وحركاته من حولها الملفتة للنظر دفعت شقيقه "مصعب" - الذي كان حاضرا- إلى القول: يبدو "حمادة" شكله بيودع يا أمي!!!
أما والده"معين" فقد اعتقله الاحتلال وهو طالب في الصف الثالث الإعدادي بمدرسة بني زيد الثانوية، وكان من العشرة الأوائل في مدرسته دائما، وبذلك قضى على مستقبله التعليمي.. و قد تحرر من الأسر في عام 1985بعدما حُكم عليه لمدة تسع سنوات، أربع منها فعلية وخمس منها مع وقف التنفيذ، قضى منها مدة أربع سنوات في معتقلات الاحتلال: رام الله، ونابلس، والخليل.. يقول هو الآخر:منذ أن رأت والدته منامها الغريب المذكور أعلاه أضحى أكلها قليلا ومرضت، وأصابتها حالة من القلق عليه، وانقباض في قلبها، ولم يعرف النوم طريقا إلى عيونها ولا تعرف طعما له...لقد كان يأتيني وأنا أعمل في بساتين الزيتون.. يساعدني في قطف الثمار، وتحضير المفارش تحت الأشجار، وجمع الثمار المتساقطة عليها، وتعبئته في الأكياس ويشدّ من أزري.. يتحمل عبئا ثقيلا في العمل دون أن يَكِل ولا يمِل، ويطلب منّي أن استريح، وكلما أطلب منه ألا يتعب نفسه.. يرد عليّ: ولا يهمك يا بابا...لكنه استشهد في منتصف الموسم، الله يرضى عنه، وأن يحشره مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا..
من الجدير ذكره، أن أصدقاء الشهيد وشباب البلدة هبّوا هبة رجل واحد بعد الانتهاء من بيت العزاء، ونظموا حملة تطوعية، وساعدوني على اكمال قطف ما تبقى من ثمار الزيتون، جزاهم الله خيرا..لقد شعرت حينها أن كل شباب الوطن أولادي، وأن روح ابني تسري في عروقهم...
بعد أدائه العُمرة، تعلّق قلبه بالصلاة والمسجد، وفعل الخير ..
يتابع والده: كان الشهيد دائما يتردد على المسجد، ويواظب على أداء الصلوات في مواعيدها، و يغضب عليّ إذا نسيت ولم أوقظه لأداء صلاة الفجر، وكنّا نصوم النوافل كل إثنين وخميس من كل أسبوع معا اقتداء بسنة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وعند تناول طعام الفطور بعد أذان المغرب، كان يحضرلي التمور والطعام.. كنت أحب شهامته، ورجولته، وعندما يقتحم جيش الاحتلال البلدة يخرج مسرعا للمواجهة، ولا يحسب حسابا للخوف أو الموت.. كنت اسمع والدته أحيانا وهي تقول له: "أريد تحويش الفلوس لك لنبني لك بيتا ونزوجك".. يرد عليها: أنا لا أريد من هذه الدنيا الفانية شيئا سوى رضا الله، فلا أريد زواجا، ولا بناء بيتا..خذي نقودي واصرفي ما شئت.. تقول له: طيب نريد وضع النقود في البنك لتوفيرها لك... يقول لها: هذا حرام وفيه رِبا..
كان الشهيد يساعد الناس في ضيقهم ما استطاع.. وفي آخر أيامه، غَدا شقيقه"صهيب" يشعر بتراجعه في العمل داخل ورشة الحدادة الخاصة بهم، ويهتم في خدمة والدته أكثر، ويعمل كل ما بوسعه لإدخال الفرح والسرور على قلبها، ويقول لها دائما: إذا تحتاجين شيئا اصرفي يا أماه من نقودي ولا تهتمي..وذهب معها إلى العُمرة بتاريخ11/1/2023م، وعاد بهمة عالية وقوة للصلاة وفعل الخير..لقد كان كريما ومحبوبا..
كان الشهيد يحب دائما بعد الانتهاء من عمله الذهاب إلى كرم زيتونهم الذي يدعى"لمليك" بصحبة، إخوته، وأخواله، ووالدته،والأصدقاء.. يشعلون تنور الحطب، وتُعِد الوالدة خبز القمح المُحمص الساخن، وتطهو الطعام الشهي على النار في أحضان الطبيعة.. يأكلون ويتسامرون..
مواقف له تجلّت فيها الرحمة ..
قبل خمسة أيام من استشهاده، حدثني خاله" عبد الرحمن": ذهبت مع الشهيد إلى الكرم المذكور، كالعادة بعد مغيب الشمس مشيا على الأقدام.. أثناء الطريق، سمعنا صوت حركة غريبة بين أشجار الزيتون المحاذية للطريق، التفتنا فوجدنا أتانا تتألم، وملفوف أسلاك حول قوائمها الأربع، وغائرة في جلدها ولحمها حتى العظم، وجراحها تنزف دما، ولا تستطيع السير..قال الشهيد:أريد العودة إلى المنزل لاحضار قطّاعة أسلاك..ذهب وأنا جلست انتظر بجوارها ثم عاد سريعا، وقطّعنا الاسلاك اللعينة، وفككنا أسرها، ثم أحضرنا لها الماء من منزل مجاور، وشربت كمية كبيرة من شدة العطش حتى ارتوت.. ثم تابعنا سيرنا إلى الكَرم فوجدنا هناك إخوتي، وأولاد شقيقتي الثانية..سهرنا معا، ورأيت الشهيد يبحث عن علبة "كريم الفيزالين" - كانت مخبأة هناك - حتى عثر عليها.. أخذها معه.. ونحن عائدين إلى البلدة، وجدنا الأتان ما زالت لم تبرح مكانها.. فتح الشهيد علبة "الفيزالين" وشرع بوضع "كريم الفيزالين" على جميع جراحها...هكذا تكون الرحمة والرفق بالحيوان..
تناول طعام العشاء، وأدى صلاة العشاء في المسجد ..
في صباح يوم الاستشهاد الثلاثاء 17/10/2023م استيقظ باكرا.. اغتسل.. وتوضأ ثم توجه إلى المسجد.. صلى صلاة الفجر جماعة ثم عاد إلى المنزل.. وقال لوالدته: لم أنم سوى ساعتين أثناء الليل..وتوجه إلى فراش النوم، وراح يغطُّ في نوم عميق، ولم توقظه والدته من نومه إلا عند الساعة التاسعة صباحا، طبعا بعدما جهزت له طعام الفطور المحبب لقلبه، والمكون من، البيض المسلوك،والبطاطا المشوية مع الشاي المُنَعنع.. تناول طعامه كالعادة..ارتدى ملابس الشغل، ثم قصد باب الله متوجها إلى ورشة الحدادة مع شقيقه"صهيب" لفتحها والبدء بالعمل، لكن للأسف، كان التيار الكهربائي مقطوعا عن البلدة في تلك الفترة بسبب العطل الذي أصاب المحوِّل الكهربائي المغذي للبلدة، والموجود قرب الحاجز العسكري، نتيجة اطلاق الرصاص عليه من قبل جنود الاحتلال.. أحضر كرسيا له ولأخيه وجلسا أمام الورشة.. بعدما أعد الشهيد الشاي بالميرامية، جلسا أمام الورشة يرتشفا الشاي الساخن.. وهو يوزع ابتساماته المعهودة للمارة.. قال له "صهيب": يجب أن ننهي ما تبقى علينا من عمل من أجل الذهاب لمساعدة الوالد في قطف ثمار الزيتون، لهذا يجب الاستيقاط مبكرا كل يوم..
أجابه الشهيد: أشعر بثقل وتعب كبيرين في جسمي، ولا استطيع النهوض مبكرا يا أخي لأني مواظب على قيام الليل والذهاب لأداء صلاة الفجر كل يوم.. فنصحه شقيقه بضرورة الذهاب إلى الطبيب لإجراء الفحوصات اللازمة، ولم يكن يعلم أنه يخفي عنه شيئا.... ذكرت لي والدته أنها لم توقظ "أحمد" لصلاة فجر الليلة الفائتة، بسبب اقتحام جيش الاحتلال للبلدة، ومن خوفها عليه..
"منذر الريماوي"زوج خالته قال: ليس من عادتي الذهاب إلى ورشة الحدادة، لكن في هذه اليوم بالذات، ذهبت إليها فوجدت" أحمد" جالسا على الكرسي، ويستمتع مع أخيه باحتساء الشاي.. وهو مبسوط..ثم رجعت أدراجي إلى البيت..لحظات، عاد التيار الكهربائي إلى المنزل- بعد قيام طاقم شركة كهرباء محافظة القدس باصلاح الخلل- عدت ثانية إلى "أحمد"، وقلت له: لقد عاد التيار الكهربائي يا "أحمد".. ورفعنا الأمّان الكهربائي عنده معا، ثم باشر بعمله كالمعتاد.. تركته وذهبت إلى عملي...سبحان الله، لقد كنت محظوظا برؤيته مرتين في هذا اليوم..
عند مغيب الشمس، ذهب إلى منزل جده" غانم البرغوثي" بعد صلاة المغرب، وتناول معه طعام العشاء المكون من، خبز الطابون، والفلافل، وزيت الزيتون، والبصل ...فروى لي جده: كنا جالسين معا، وقال لي: أريد الصعود إلى سطح منزلكم يا سيدي حتى إذا جاء جنود الاحتلال نواجههم!!..رفضت طلبه، وقلت له: يا سيدي، يوجد في المنزل أطفال صغار، ونساء ومن المفروض أن نتجنب أذاهم، ويمكن أن يقصفونا بالغاز المدمع والرصاص..لقد اقتنع من كلامي، وكنّا في هذه الأثناء نشاهد على شاشة التلفاز معا مجازر الاحتلال البشعة، وقتل الأطفال الأبرياء، وقصف المباني السكنية على ساكنيها، والمستشفيات، وكانت المشاهِد تهز البدن، والمشاعر الإنسانية..فثارت ثائرته، وسمعته يردد: إذا لم نخرج لمواجهة الاحتلال فمن لغزة هاشم وللأقصى إذا، ولشعبنا الذي يواجه حرب إبادة أمام مرآى العالم دون تحريك ساكن عربيا ودوليا؟؟ وكانت أمه موجودة عندنا.. كلما كان يريد الخروج تحاول أمه منعه، إلا أنه رفض الانصياع لها.. تطلع في وجهها بغرابة، وحدَّجها بنظرات وهو يبتسم..كأنها نظرات الوداع الأخير! ثم قال لهما: أريد الذهاب إلى المسجد لأداء أربع ركعات صلاة العشاء مع اقتراب موعد أذان العشاء.. ثم خرج هائجا، ومليئاً بالاصرار لنصرة ضحايا الإرهاب الصهيوني والأمريكي والتحدي وهو في عنفوان شبابه.. لم نره بمثل هذه الحالة من قبل..رأيته كأن الشرار يقدح من عينيه مثل قدح الخيول الأصيلة في المعارك.. في هذه الليلة، من اليوم العاشر لمعركة "طوفان الأقصى" ضد الاحتلال الصهيوني الذي استشهد فيها نتيجة قضف الطيران الحربي الإسرائيلي العشوائي (1100) مواطن بريئ، ما بين: أطفال، ونساء، ومرضى، وشيوخ، وأطباء، وممرضون، وتدمير مستشفيات على من فيها، وقطع الماء، والغذاء، والكهرباء عن المواطنين في قطاع غزة، وشن حرب تجويع ضد شعبنا هناك، صارت بلدتنا في حالة غليان، وهيجان كباقي قرانا ومدننا الفلسطينية، ونظم المواطنون المسيرات الجماهيرية الحاشدة بعد صلاة العشاء تنديدا بهذه المجازر التي ترتكب ليل نهار- حيث وصل عدد المجازرإلى(1031)مجزرة حتى تاريخ5/11/2023م- وحرب الإبادة الجماعية، وحرب التجويع، والحرب الصحية، وسياسة التهجيروالتطهير العرقي.. طافت المسيرة شوارع البلدة ثم توجهت نحو نقاط المواجهة مع جنود الاحتلال عند الحواجز العسكرية المتموضعة على المدخل الرئيس لقرى بني زيد قرب قرية "النبي صالح" منذ الإنتفاضة الأولى..
استشهد "أحمد" بعد أن خاض معركته مجاهدا مقبلا غير مدبر ..
الشهيد "أحمد" توجه إلى قرية النبي صالح قبل المسيرة، وصعد على جبل" الشيخ" مقابل مستعمرة"حلميش" ومقابل الحاجز العسكري المذكور آنفا..قال لي أحد شهود العيان: لقد بحثت عن "أحمد" ولحقت به عند الساعة(9,30) ليلا، فوجدته يقف على قمة الجبل، ومصوّب نظره باتجاه الحاجز العسكري..
قلت له: مكانك يا شيخ في المسجد وليس هنا..
ردّ علي: لا.. مكاني الصحيح هنا للمقاومة وجها لوجه، وليس في الجامع..
انتظرنا حتى وصول مسيرة الشباب الحاشدة..نزلنا عن قمة الجبل، وتوجهنا إلى مقدمة المسيرة المتجهة نحو جنود الاحتلال..بدأت المواجهات بإلقاء الحجارة، والمفرقعات النارية تجاه الجنود، واشعال اطارات السيارت ودفعها تجاه الجنود.. صارت الرؤية شبه معدومة من كثافة الدخان المتصاعد من الاطارات المشتعلة، لا نرى الجنود ولا هم يرونا..كان الشهيد أثناء ذلك، يُكبِّر..يكبِّر، ويشحذ في همم الشباب، وينادي عليهم: تقدموا يا شباب..ولا تخافوا.. تقدموا يا شباب.. وكان الشهيد يتقدمهم وهو يحمل في يديه قطعا من القماش، واندفع بسرعة خلف الدخان المتصاعد باتجاه الجنود الذين كانوا على بعد (60) مترا تقريبا في الجهة الشرقية، ونحن في الجهة الغربية، و يريد اشعال ثلاثة اطارات كانت موجودة على الشارع في منطقة "الحلة" من ناحية الجنود.. ولحق به ثلاثة شبان شجعان مثله.. صاروا مكشوفين بالكامل للجنود، ورأيت قناصا كامنا بجانب الجيب العسكري ويصوِّب سلاحه نحوهم.. كان الشهيد ومن معه مُنشغلين في اشعال الاطارات ودفعها باتجاه الجنود، بدأ الشباب ينادون عليهم.. ويطلبون منهم العودة عندما أطلق الجنود الرصاص، فقال له"ع،ز" الذي لازمه: هذه الرصاصات لم تُصبنا هذه المرة يا "أحمد" وقد اخطأتنا، خلينا نرجع.. لأني حاسس أن الرصاصات اللاحقة ستصيبنا!!.. لكن الشهيد استمر، وقال له: لا تخف..وحمل الاطارات وهو يتقدم، ويصيح: الله أكبر.. الله أكبر.. في هذه الاثناء، أطلق القناص ثلاث رصاصات نارية، أصاب" عز" برصاصتين في الخاصرة واليد، بينما الرصاصة الثالثة أصابت الشهيد" أحمد " مباشرة صدره وعضلة قلبه، ورئته اليمنى، وقطعت شريانه الأورطي.. وقع الإثنان على أرض الشارع.. حاول الشاب الثالث سحب الشهيد، فقال له: أتركني.. وانقذ "عز"..وباشر في نطق الشهادتين وهو يتطلع نحو السماء، رافعا سبابته اليمنى..طبعا لم يستطع الشباب- في بادئ الامر- رؤية ما حصل معهما بسبب كثافة تصاعد الدخان بينهما وانعدام الرؤية..بدأ الشاب الثالث بالصياح: اسعاف يا شباب.. تعالوا بسرعة.. تصاوب أحمد وعز..تعالوا تصاوب أحمد وعز..اسعاف..هبّ عدد من الشباب لمساعدتهم.. سحبوا الشهيد والجريح، وضعوهما في سيارات خاصة.. كان الشهيد يتألم من شدة الإصابة القاتلة.. وكان ذلك عند الساعة(11) ليلا، ثم نقلوهما على وجه السرعة إلى طوارئ المركز الصحي في البلدة، ومن ثم إلى مستشفى سلفيت القريب من البلدة.. حاول الأطباء عدة محاولات إنعاش قلب الشهيد النازف بغزارة لكن دون جدوى.. لفظ أنفاسه الأخيرة، وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها إلى جوار الصِّديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.. وسط الهتافات الوطنية..حمله الشباب على الأكف من داخل المستشفى.. طافوا به حول المستشفى ثم نقلوا جثمانه الطاهر في سيارة الإسعاف إلى البلدة في نفس الليلة، ووضعوه في غرفة الموتى.. لقد استشهد "أحمد" بعد أن خاض معركته مجاهدا مقبلا غير مدبر..
كنت متوقعا استشهاده هذه الليلة ..
نعود إلى والده:في هذا اليوم عدت إلى المنزل مساء مرهقا من التعب بعد يوم شاق قضيته في قطف ثمار الزيتون لوحدي..تناولت طعام العشاء..أديت صلاتي المغرب، والعشاء ثم خلدت للنوم من التعب..عند الساعة الحادية والنصف ليلا، عاد"كتيبة" ابن عمه إلينا، ثم سمعت حركة هيجان الناس، وهدير ماتورات السيارت، وزماميرها قرب المنزل..زوجتي سألت"كتيبة": أين أحمد يا كتيبة؟
-إنه جريج، ونقلوه إلى مستشفى سلفيت..
-لا تكذب علي..
أثناء ذلك جاءت زوجة "يوسف" خال الشهيد، وقالت: لا تخافي يا أم صهيب، إنه جريح.....ثم قالت لي: غيِّر ملابسك يا أبا صهيب بسرعة!!!..عندئذ أيقنت أن أحمد أصابه مكروه أو استشهد..لقد كنت متوقعا استشهاده هذه الليلة بسبب ما شاهده عبر التلفاز من مجازر قصف المستشفى الأهلي العربــــي( المعمداني) جنوب مدينة غزة بصاروخ خلال عملية"السيوف الحديدية"** العسكرية الصهيونية العدوانية. وذكرت صحيفة"وول ستريت جورنال"الأمريكية بتاريخ 18 اكتوبر2023م أن الصاروخ الذي قصف المستشفى أمريكي من نوع (MK-84).
لقد حدث ذلك أثناء الليل، وأدى إلى استشهاد مدنيين أبرياء، منهم: أطفال، ونساء، وشيوخ، وممرضين، وأطباء، وكانت اشلاؤهم متناثرعلى الأرض في مشهد أثار الحميّة والاصرارفي نفوس الفلسطينيين على مقاومة منفذي هذه الجرائم الوحشية وهم،جنود الاحتلال الصهيوني والجنود الأمريكان ومن والاهم..
تابع الوالد: طفقت والدة الشهيد تبكي وتولول، وتردد:خذوني إلى أحمد..خذوني إلى أحمد..جهزنا أنفسنا بسرعة، وذهبنا إلى مستشفى سلفيت..عندما وصلنا هناك، وجدنا أن شباب البلدة قد أعادوه في سيارة إسعاف إلى البلدة، ويرافقها موكب كبيرمن السيارات..ثم وضعوا جثمانه الطاهرداخل غرفة الموتي في المركز الصحي الموجود في البلدة..وهناك دخلت وزوجتي إليه، ورأيناه، وقبّلناه ودعونا له.. وفي ثاني يوم، تم تزيين جثمانه الطاهربالورد، وبالأعلام الفلسطينية، وتُوَشِح رأسه الكوفية الفلسطينية، وأدينا الصلاة عليه في مسجد أبو بكر الصدّيق، وتم تشييعه بعرس وطني، وبجنازة جماهيرية مهيبة إلى مثواه الأخير وسط ترديد الهتافات الوطنية والدينية، وألقت القوى الوطنية والإسلامية الكلمات التي ركزت على التنديد بالجرائم الصهيونية الوحشية، وعلى استمرار كفاح شعبنا حتى تحقيق حقوقه السياسية المشروعة في الحرية والاستقلال من براثن الاحتلال النازي، كما أمّ بيت العزاء جماهير غفيرة من كل حدب وصوب، رغم الحواجز العسكرية البغيضة المتناثرة على مداخل القرى والمدن الهادفة إلى تمزيق التواصل بين المواطنين، كما أعلنت القوى الوطنية والاسلامية الحداد في البلدة على روحه الطاهرة، وأُغلقت المحلات التجارية أبوابها، وتوقفت الحياة العملية ليوم واحد.. وتوشحت بالسواد..وتكرما له تم تصميم آرمة مضيئة تحمل صورته ووضعها على أحد أعمدة الكهرباء في الشارع الرئيس داخل البلدة، وتنظيم المسيرات الكشفية الطلابية التضامنية، والقاء الكلمات التأبينية الصباحية في مدارس بني زيد المنددة بجرائم الاحتلال التي طالت الطلاب والطالبات والمعلمين والمعلمات، وتحدثت عن مناقب الشهيد.
ها هي "بيت ريما" تقدم إبنائها الشهيد تلو الشهيد من أجل فلسطين وتضمهم في أحضانها، وهذه هي قصة بطل آخر من أبطال بيت ريما الأشاوس ذهب على طريق الحريَّة والاستقلال..
قال تعالى:" رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا". صدق الله العظيم
__________
* معركة "طوفان الأقصى": هو اسم العملية التي أطلقتها المقاومة في غزة، ونفذت الهجوم المفاجئ برا وجوا وبحرا على العدو الصهيوني صباح يوم7/10/2023م، وأسرت عشرات الجنود، وقتلت المئات وجرحت ما يزيد على 2500 جندي، ودمرت معدات عسكرية، ودبابات، واقتحمت وسيطرت على عدد من المستعمرة الصهيونية العسكرية المقامة على الأراضي الفلسطينية، وعلى(11) معسكرا في غلاف غزة في بادئ الأمر. وقد جاءت العملية ردا على اقتحامات الأقص المبارك والاعتداء على النساء المرابطات بالضرب، وتعذيب الأسرى والتضييق عليهم داخل المعتقلات بعد مجيئ حكومة صهيونية متطرفة وفاشية على سدة الحكم في الكيان الصهيوني، واستمرار الحصار الخانق على قطاع غزة منذ أكثر من 18 شهرا، وتجاهل حقوقنا السياسية، وسياسة العدوان الشرسة على مخيماتنا في المحافظات الشمالية ومدن الضفة، وازدياد الاعتداء على المواطنين والقتل اليومي، وهدم المنازل وعلى حركات المقاومة،وازدياد المشاريع الاستعمارية، وتصريحات"إيتمار بن غفير" وزير الأمن المتطرف الخطيرة الذي دعا فيها إلى تهجير الفلسطينيين أو قتلهم، والمخطط لترحيل أهل قطاع غزة إلى سيناء، والتخطيط للهجوم على الضفة وغزة بعد الانتهاء من أعيادهم كشف عنه "السنوار" في خطابه. كل هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى هذا لرد الطبيعي من المقاومة وشعبنا الأعزل.
**- السيوف الحديدية: هو اسم العملية العسكرية الصهيونية للعدوان على غزة.