الكاتب : عيسى قراقع
دخلت على مكتبه في وكالة معا، لفت انتباهي وجود صورة لشاب جميل وصغير في العمر على طاولة المكتب معلقة على صدره لوحة تحمل رقم 7014355، وهي صورة التقطت خلال وجوده في السجون الإسرائيلية في سنوات الثمانينات. نظرات حزينة مندهشة تندفع بين عينيه، تحول ناصر اللحام هذا الشاب المنتفض المندفع الجريء الى رقم ساكن وجامد في تلك السجون الظالمة، ربما ادرك انه بين ليلة وأخرى تحول من انسان الى مجرد رقم، صار الرقم هو اسمه وكوشانه وهويته ومساحة حياته السابقة والقادمة.
اختصروا عمره وحيويته في سبعة ارقام. السجانون ينادون عليه برقمه وعليه ان يحفظه جيدا، ينهض على نظام العدد اليومي صبح مساء، ان لا يتأخر، ان لا يخربش، والا فإن هراوة ستضربه على رأسه او يعاقب في الزنازين الانفرادية او يتعرض للشتائم والاهانات. كل سجين اصبح له رقما مكونا من عدة خانات ضمن نظام متسلسل يساوي في النهاية اكثر من مليون اسير واسيرة اعتقلوا في سجون الاحتلال منذ عام 1967، وعلى ناصر اللحام ان يحفظه باللغة العبرية بشكل سليم، وان لم يفعل ذلك سيحرم من السجائر ووجبة الماء الساخن والقهوة والشاي.
صرت رقما لا ملامح لي، لا وجه ولا قلب ولا لسان، أصبحت مجرد رقم، شيء بلا قيمة، نزعوا عني الصفة الإنسانية، لست من بني ادم، صرت مجرد رقم في ملف او في حياة محشورة متزاحمة الأرقام، الرقم معلق على صدري على طريقة النازيين في تعاملهم مع المعتقلين في سجونهم، هذا الرقم يقودني الى الجنون او القهر او الموت تعذيبا او مرضا وفي كل الأحوال انا مجرد رقم يتغير ويستبدل ويسحق، يبهت او يلمع، رقم ليس له في دنيا المستعمرين أي حساب.
عندما نظرت الى صورة ناصر اللحام المرقمة، عادت بي الذاكرة الى الوراء، الاف الاسرى الذين جردوا من انسانيتهم وروحهم وصاروا قطيعا وارقاما وارهابيين ومجرمين يتعرضون للطمس والهدر والقمع وتشويه صورتهم وسلبهم كل حقوقهم الإنسانية والمعيشية، ليس لهم هوية ولا مكان الا بين مجموعة ارقام تحركها ماكنة القمع الإسرائيلية ونظام السيطرة في السجون. صورة ناصر اللحام توجعنا، تقشعر لها الابدان، كيف يتحمل ان ينظر الى صورته طوال هذا الوقت؟ هذا الرقم هو اسمك خلال الزيارة او لقاء المحامي او الصليب الأحمر، هذا الرقم هو جسدك خلال عمليات القمع، لا اب لك ولا ام ولا أصدقاء ولا عائلة، انت رقم متجمد لا تتحرك في المكان والزمان، انت رقم لا تتوجع ولا تتألم ليس لك ماض ولا حاضر ولا مستقبل.
انت يا ناصر رقم، عليك ان تقول للسجان يا سيدي، ليس لك قرار، انت رقم عليك ان تنام الساعة العاشرة ليلا بعد إطفاء الكهرباء، ليس لك وقت واحلام، انت رقم لا تقرأ كتابا فليس لك عقل ودماغ، انت رقم لا تحمل قلما لتكتب فليس لك يد، يدك يد السجان، انت مجرد رقم لا تشكو ولا تغضب ولا تشعر فليس لك قلب واحاسيس وشوق وحبيبة وراء الجدران.
الرقم هو سياسة العنف والإرهاب الإسرائيلية المستمرة بحق اسرانا في سجون الاحتلال فهم ارقام، يقتلون في اقبية التعذيب، لا يحاسب أحدا لانهم ليسوا اكثر من ارقام، لا يقدم لهم العلاج والدواء، الأرقام لا تمرض ولا تحتاج الى رعاية صحية، لا يقدم لهم الغذاء الكافي، الأرقام لا تشبع ولا تجوع ولا تعطش، يكفي اربع حبات من الفاصولياء ونصف بيضة وبضع غرامات من اللحمة المجمدة، وثلاث كسرات من الخبز ورائحة قهوة في كأس ماء. الرقم هو هذه الهندسة الاستعمارية للبشر بطحنهم وعيا وفكرا وادراكا، الأرقام ليس لها حقوق وهي مجرد طلاسم غامضة في مفاهيم حقوق الانسان، عقرب الاحتلال بكل اجهرته ومستوياته العسكرية والأمنية والسياسية هو الذي يحرك هذه الأرقام، غرفتك مرقمة، الزنزانة مرقمة، مدة حبسك مرقمة، هم لا يعرفوك الا رقما او هدفا، لا يقرأون أي معنى لهذه الأرقام، انت مخفي متواري تحت هذه الأرقام.
يقاس عمر دولة الاحتلال الاسرائيلي وبقائها بالارقام، بعدد الحروب التي تخوضها وعدد القتلى الفلسطينيين، ارض اكثر وسكان اقل، تطهير عرقي، مسح الناس جوا وبحرا وبرا، تنظيف فلسطين من سكانها من اجل دولة تلمودية يهودية نقية. انت يا ناصر مجرد رقم، كان يأتيك الهواء من فتحة ضيقة لتتنفس، شعاع الشمس في ساحة الفورة له مدة محددة، حبات البطاطا والرز تأتيك محدودة لا تزيد ولا تنقص، سطور رسالتك على ورق الصليب الأحمر معدودة، كلماتك على شبك الزيارة مع امك معدودة، انفاسك واشتياقاتك وسلاماتك معدودة، ابتساماتك معدودة، حركات اصابعك معدودة، لقد انتهى مفعولك بمجرد ان دخلت سجون الاحتلال، هنا الحديد والابواب والسلاسل والأرقام.
انت يا ناصر في المحكمة العسكرية مجرد رقم، مدة الحكم بحقك هي مجرد رقم، لا يفهم القضاة ان تحت الرقم انسان يغضب او يشعر بالظلم، تجديد اعتقالك الإداري هي ارقام لا تحسب بالشهور والسنوات، ليس هناك من يفهم ماذا يوجد وراء هذه الأرقام، لا يرون بشرا وتعذيبا واضطهادا وعمرا يضيع بين سنوات هذه الأرقام. ما هذا الرقم الذي يسمى مؤبد، لا يوجد حتى في علم الرياضيات والفلك، مؤبد مؤبدين خمسة مؤبدات واكثر، هل هو اسم للجحيم في السجون؟ هل هو الانتظار حتى تتبدل الأرقام او يمحوها الصدأ عن الجسد والقضبان، لم يقرأوا ما كتبه الأسير ناصر أبو سرور عن هذا المؤبد عندما قال:
هنا في المؤبد ترتدي الجدران ظلها متى تشاء وتخلع من تشاء عن ظله
تنام زنزانتي قبلي كأني الذي يحرس ويشيخ حارسي الجندي لا اكبر تتوقف الأيام عن عدها واتوقف
مؤبد يعطيك كل الوقت ويأخذ وقتك كله.
انت يا ناصر مجرد رقم، انت ميت كالشهداء الذين يحتجزونهم ويستبدلون أسماءهم بأرقام هناك في الثلاجات الباردة او ما يسمى مقابر الأرقام، وانت ميت ان مررت عن حاجز عسكري ونرفزت في وجه الجندي، حياتك مجرد رقم واحد يسمى رصاصة، وانت ميت ان لم تحفظ الخريطة الجغرافية وتفهم ان حركتك مرقمة بين المعازل والكنتونات، لا تتجاوز الجدار او المستوطنة، عليك ان تنتبه انك رقم والمسافات مغلفة ولست اكثر من رقم يدور في دائرة. كل شيء صار أرقاما، اقرأوا تقارير مؤسسات حقوق الانسان عن هذه الأرقام التي تحصي عدد البيوت المهدومة، عدد الشهداء، عدد الاسرى، عدد المستوطنين والمستوطنات، عدد الاقتحامات والمداهمات كأنه لا يوجد ما يختفي وراء هذه الأرقام، وان هناك شعب ودم ولحم وعظم وقهر وحقوق قومية وسياسية ووطن ينزف وضحايا يبحثون عن انسانيتهم وسط المجازر والجرائم الصهيونية المستمرة.
هذا الرقم الذي اسمه ناصر اللحام تمرد على الرقم، خلعه من اسمه وقلبه ومن على صدره، انتفض الانسان الأسير، انتزع حقوقه الإنسانية ومكانته وقيمته واستعاد ملامحه في صراع الارادات والبطولات والمعجزات خلف قضبان السجون، انتزع الرقم وبنى سلطته الثورية بديلا عن سلطة السجان، تحرك الرقم الذي يسمى ناصر اللحام، لم يتوقعوا ان هذا الرقم صار صحفيا واستاذا يطل على دولة الاحتلال من على شاشات الفضائيات، لم يتوقعوا ان هذا الرقم انتزع الثقافة والكتاب والقلم واسس مدرسة وجامعة حتى داخل السجون، تحرك الرقم، ظهر الوجه الإنساني للشعب الفلسطيني وكشف الوجه البشع لدولة الاحتلال، ظهر الوجه الأخلاقي الحضاري للشعب الفلسطيني، وكشف وجه الخطيئة والعنصرية والتطرف لوجه الاحتلال، تحرك الرقم، انتفاضات وهبات وصلوات وصمود واعلام وكوفيات، اعراس واغاني وافراح وزيت وزيتون وحياة.
اعيد اعتقال الصحفي ناصر اللحام يوم7 تموز 2025 ، ليتحول من محلل ومذيع للاخبار الى شاهد على الإبادة الدموية في غزة، والى شاهد وضحية على الإبادة المتوارية بحق الأسرى خلف القضبان بعد أن صار هدفا عسكريا لسلطات الاحتلال.
وهناك وبدون قلم وميكرفون وشاشة يكتب تقريره بدمه وعذاباته، وهناك حيث ينقطع الصوت وتمارس كل أشكال التعذيب والانتقام، مازال ناصر يحكي على خط النار بلا درع الا الحقيقة، فعندما انطفأت الكاميرا صار ناصر رواية مشتعلة.
استشهد خلال حرب الإبادة البشعة على غزة أكثر من 230 صحفيا، واعتقل المئات، وهذا لم يحدث حتى في الحربين العالميتين الاولى والثانية، هؤلاء الشهداء ليسوا ارقاما،انهم لغات ونبضات وأصوات وعقول وعيون، رأت الجحيم الصهيوني فنقلته إلى كل أرجاء الكون ،لينكسر الصمت والخوف ويتوقف نزيف الموت قبل أن يدفن الشاهد والمشهد، وتحترق الصورة والنص.
نظرت إلى صورة ناصر المرقمة، وتذكرت أنه قال لي يوما أن أسوأ ما في الحياة الجنون والسجن، فكيف الان وقد اجتمع كل مجانين تل ابيب الشاذين مع ناصر في السجن؟ وقد أصبح السجن ساحة للاعدام ، ولاشباع غرائز وشهوات الجلادين ونزعاتهم المجنونة.
ناصر يا صاحب العينين المتعبتين كالمخيم
انت الان في الزنزانة
لكن صوتك يمر في الحارات
وفي شاشات الجوال
خبر عاجل
ناصر يتكلم
غزة بخير رغم الالم
الكاتب : وليد الهودلي
أتحدث من واقع خدمتى ٣٤ سنة في مصلحة مياه محافظة القدس كعلاقات عامة واتحاد مقدمي المياه في التوعية والترشيد، ما جرى من اعتداء من قبل المستوطنين بالأمس على آبار عين سامية هي كما أعلنت مصلحة المياه كارثة مائية، وينعكس ذلك مباشرة على تعطيش قرى شرق محافظة رام الله والبيرة قاطبة، وتنذر بالخطر الداهم لما هو قادم الأيام القريبة حيث أن هذا الحدث يبيّن أن موضوع تعطيشنا على أجنداتهم وهذا يعتبر من احسن المحفّزات لشهية العدوان والانتقام التي تغلي مراجلها في صدورهم، ومع العلم أن مياه مدينة رام الله والبيرة وبيتونيا وما حولهما من قرى ومخيمات تغلق من عندهم بمفتاح وهكذا اغلب المحافظات الفلسطينية بل بعضها أعظم كارثية مثل محافظتي الخليل وبيت لحم وهذا بالطبع عدا عما فعلوه في مياه غزة قبل السابع من أكتوبر بكثير حيث دمّروا الخزان الجوفي وجعلوه غير قابل للاستخدام البشري لأنهم كانوا يسحبون منه لمستوطناتهم أضعاف مما تزوده أمطار الشتاء طيلة سنوات احتلالهم للقطاع منذ سنة 1967 .
ملاحظات مفصلية وهامة في جشع الاحتلال المائي ومأساة المياه الفلسطينية :
لمحة تاريخية:
أبار عين سامية تمت البداية معها قبل سنة 67 أيام الحكم الأردني ثم طوّرت في ثمانينات القرن الماضي من خلال آبار إضافية ثم توقّف التطوير بعد اتفاق أوسلو لجعل المياه من القضايا المؤجلة. لذلك بقيت آبار عين سامية على حالها وتراجع إمدادها مع التزايد السكاني ليكتفي بالقرى الشرقية دون أن تصل إلى خزان الجبل الطويل في مدينة البيرة. ثم فيما بعد لم تعد كافية لهذه القرى. وصارت رام الله تشتري مياهها من الشركة الإسرائيلية التي تنهبها مجانا وتبيعها بالكمية والسعر الذي تحدده كما يحلو لها.
لذلك فإن الاعتداء على آبار عين سامية يشكّل نموذجا لما هو أوسع وأشمل وينذر بعواقب جسيمة إن لم تقابل هذه الخطوة بحراك يناسب حجم هذا الخطر.
هل هناك وفرة مياه فلسطينيا في الجغرافية الفلسطينية؟
الضفة الغربية على خزان مياه ضخم وفيه من الوفرة ما يكفي لولا التحكم الكامل للاحتلال في مياه الضفة، ويتم استغلال هذا الخزان بشكل شبه كامل من قبل الإسرائيلي فمثلا قرابة 70% من مياه تل أبيب تؤخذ من هذا الخزان، المستوطنات تسبح في مياهنا وتفوق حصة المستوطن من المياه عشرين ضعف الفلسطيني، ولا مجال للمقارنة ، والمياه الفلسطينية من بحيرة طبريا الى نهر الأردن كلها تستغل أبشع استغلال حتى أن مياه طبريا تم سحبها من الشمال لزراعة النقب، هناك وفرة ولكنها بغالبيتها العظمى للاسرائيلي والفتات يباع للفلسطينيين، وهناك مشاريع تحلية تعد لبيعها تجاريا لنا بينما هم ينهبون مياهنا دون أي حساب او اعتبار.
باختصار الاحتلال كما يحتل الأرض يحتل المياه ولا يوجد ذرة سيادة على مياهنا على الاطلاق، ممكن الحديث عن آبار حفرت قبل قيود أوسلو وها هم يعتدون عليها قطعان المستوطنين.
أين موضوع المياه في الاتفاقيات والسياسات؟
تم ترحيلها بناء على اتفاقية أوسلو مع القضايا المؤجلة وبقيت حصة الفلسطينيين ثابتة دون أية مراعاة للتزايد السكاني والتغيير الديمغرافي الفلسطيني، وثم تقييد مشاريع المياه بموافقة ثلاث جهات يستحيل أن تتفق على شيء، وهي الإدارة المدنية وشركة ميكروت واللجنة الفلسطينية المشتركة، وهذه الأخيرة لم تجتمع سوى مرة واحدة ولم تتخذ أي قرار لتطوير أي مشروع للمياه يشمل حفر آبار أو خطوط ناقلة من الشمال حيث الوفرة الى الجنوب حيث شح المياه ... الخ. وفلسطينيا تقاسمت إدارة المياه عدة جهات منها سلطة المياه ومجلس إدارة قطاع المياه ودائرة مياه الضفة الغربية بقسميها قسم تابع للإدارة المدنية وقسم تابع فلسطينيا ، ومؤسسات كثيرة تحت مسمى إدارة تقديم خدمات المياه منها مصلحة مياه محافظة القدس ومصلحة مياه بيت لحم وبلديات نابلس والخليل وطولكرم وأريحا وجنين ... الخ .
أستطيع القول أن أزمة المياه تحل على حساب المواطن الفلسطيني، يتم تخديره صيفا وترحيل الازمة لتخف شتاء وهكذا، لم يشهد الشارع الفلسطيني أي حراك يتوجه لأصل المشكلة لا سياسيا ولا شعبيا.
بقينا في حالة إدارة الازمة بدل السعي نحو الحل، مياهنا تنهب بأبشع الطرق من قبل احتلال جشع الى أبعد الحدود مخترقا كل القوانين والأعراف الدولية بخصوص المياه، انتظار الكارثة دون حراك اكبر الكوارث. مثلا هل سمعتم بالدعوة لمظاهرة أو مسيرة احتجاجية أو متابعات إعلامية أو قانونية على الساحة الدولية؟ قد يكون ذلك في فترات الصيف القائظة ولكن بشكل خجول باهت ضعيف لا يسمن ولا يغني من عطش ولا يعبّر عن الكارثة.
اعتداءات المستوطنين على آبار عين سامية قد تدفع لمن يعلق الجرس ورمي حجر كبير في بئر مياهنا قد يحرّك مياهنا السياسية الراكدة.
الكاتب: حنا عميره
بات واضحا وضوح الشمس ان المفاوضات مع نتنياهو لن تؤدي إلى أي نتيجة ما دام انه يعلن صباح مساء ان هدفه القضاء نهائياً على حركة حماس وهذه معادلة غير منطقية وغير قابلة للفهم او للأدراك! فكيف يقوم نتنياهو بالتفاوض غير المباشر مع حماس من ناحية بينما يعلن في نفس الوقت ان هدفه هو القضاء عليها! ما هذا التضارب العجيب؟ لكن العديد من الباحثين والمحللين والصحفيين الإسرائيليين، الذين انضمت اليهم صحيفة نيويورك تايمز الأميركية قد نجحوا في فك لغز معادلة نتنياهو ، بالقول ان إطالة أمد الحرب تخدم هدف بقائه في الحكم، وتمنع تشكيل لجنة تحقيق رسمية-من المرجح ان تدينه- في احداث السابع من أكتوبر، وتمكنه من الاستعداد اكثر لخوض الانتخابات العامة القادمة في إسرائيل، كما انها ربما تعطيه المساحة الزمنية لتعزيز انقلابه الأمني والقانوني, ولهذا فهو يريد إطالة زمن الحرب واطالة زمن المفاوضات في نفس الوقت، لان كلا المسارين يستخدمهما لتغطية الواحد على الاخر، ومن اجل تنفيذ أهدافه المباشرة ولخداع الرأي العام الداخلي والخارجي.
طبعا كل هذا ان لم يكن ليحدث الا بمباركة أميركية، لأنه يحدث بمساحة مكفولة اميركيا، ومضمونة بطوق نجاة أميركي. وهذا ما أكدته حرب ال 12 يوما ضد إيران.
لقد اكدت حرب نتنياهو على غزة ان أهدافها غير قابلة للتطبيق، وان اقتلاع الشعب الفلسطيني تحت شعار التهجير الطوعي غير قابل للتحقيق، وان القضاء على حماس نهائيا هو أيضا غير قابل للتطبيق، وإنما الغاية منه احداث المزيد من اعمال القتل والتدمير على امل شطب قطاع غزة من الخارطة، ومن ثم التفرغ للضفة الغربية لفرض وقائع تصفية القضية الفلسطينية.
كل هذه اضغاث أحلام لدى قادة الصهيونية الدينية اليمينية المتطرفة التي تحاول تعزيز سيطرتها نهائيا على مقاليد الحكم في إسرائيل وتستخدم التوراة كوشان طابو لتأكيد سيطرتها وهيمنتها للحيلولة دون قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967.
اعتقد ان الخطوة السليمة او الإجراء السليم في هذه المرحلة هو تسليم ملف التفاوض إلى الكل الفلسطيني بإشراف ومشاركة عربية، وإغلاق باب التطبيع الذي يسعى اليه الرئيس ترامب، وذلك إلى ان يتحقق مسار سياسي شامل يفتح أفقا لحل القضية الفلسطينية،
علينا الاستفادة من تجاربنا المرة السابقة وفي مقدمتها تجربتنا في أوسلو، والتوقف عن الرهان او السير نحو أي حل جزئي جديد، لأنه لن يتحول باي حال كما هو واضح الى حل نهائي ينهي الحرب. وهذا يعني ان علينا التوقف عن انتظار ضغوط الرئيس ترامب، وعن التفاوض الانفرادي على حل جزئي، لأنه مسار مسدود لن يؤدي إلى نتيجة. ولن يخفف من الأثمان التي ندفعها يوميا. هذا ما تمليه حكمة الاستفادة من أخطاء الماضي.
الكاتب : الدكتور نصر الشقيرات
اعتادت أقلام المحبين والمترحمين على من نفقدهم من الأعزاء، أن تجتهد في استحضار مناقبهم ومآثرهم معاً، وربما يرتبط ذلك بحجم الحزن الشديد على رحيلهم، وأحياناً أخرى يتعلق الأمر بخسارة الفرد وكذلك حال المجتمع لنماذج اجتماعية وثقافية ومهنية ارتبطت بمقدار ما نشطوا به بين الناس من العطاء والبذل وما تميزوا به من اخلاق حميدة وآداب جمّة، وبالمحصلة يكون على كل من عرفهم وتعامل معهم ونال قسطاً من نصحهم وحديثهم الثري المُفعم بالعلم والأمل والمحبة ، أن يذكرهم للأجيال فما أحوجنا لمثلهم النادرة قدوة لنا على الدوام.
الدكتور موفق خزنة كاتبي، هو واحد من أبرز أعمدة الطب والثقافة والأدب والحكمة في عمّان بل والأردن، ولن أبالغ إذا قلت وبكل موضوعية أن المرء يكفيه بأن يستمع لأحاديث الناس عنه، ليعلم ويُدرك حجم هذه القامة العلمية المعرفية، بوصفه طبيباً بارعاً ، والانسانية كمعالج للفقراء، والأدبية والفكرية الفذة ، حيث لمس بمؤلفاته الموسوعية عقول وأذهان وحتى مشاعر الجميع ممن حظي بفرصة الاطلاع عليها، والتي جاءت راصدة وفاحصة بإتقان وتميز لموضوعات متنوعة شملت تاريخ المدن وتحديداً مدينة عمّان، وأبحاث في الطب ومقالات وكتابات وازنة في الشعر وعلوم الحديث الشريف والقرآن الكريم، وحتى في القصة والرواية، رجل نبيل تحسبه ممن تعلم وسار على أثر طبقة مفكري حضارتنا العريقة الاوائل من أمثال الطبري والمقريزي وغيرهما.
كان رحمه الله رجلا متواضعا له طبعه وخصاله وميزاته التي يُمكن لك الشعور ببعضها إن لم يكن معظمها بعد مدة قصيرة من الجلوس معه، لا يرهق ذهنك ابداً بتعدد الموضوعات التي يطرحها ولا يشتت فهمك للاشياء بالاستطراد، بالرغم من سعة اطلاعه وثراء أفكاره وغزارة معلوماته، تجده ابن عصره باهتمامه بكل القضايا المعاصرة له، كما أنه صاحب نصيحة موفقة كأسمه، وله رأي سديد لا يغيب عنه جانب الا وقد عالجه بحثاً وارشاداً .
عرفت الدكتور موفق خزنة كاتبي رحمه الله، من خلال قراءة مؤلفاته وأبرزها كتاب " محطة عمّان في الاربعينيات من القرن العشرين كما عشتها وعرفتها"، كما أني كنت محظوظاً بأن تتلمذت في كل مراحل دراستي الجامعية على يد شقيقته الاستاذة الدكتورة غيداء خزنة كاتبي استاذة الفكر والتاريخ الاقتصادي في قسم التاريخ في الجامعة الاردنية، وجمعت من نعم الله علي، أن كانت الدكتورة غيداء حفظها الله الاستاذة المشرفة عليّ في الماجستير والدكتوراة ، فتعلمت منها الكثير وسنحت لي الفرصة أن أجالس الدكتور موفق في أكثر من مناسبة، استمع له بشغف ووعي ، مستفيداً من علمه وتجاربه ومسترشداً بنصحه ومستمعاً لجميل أحاديثه .
رحم الله الفقيد الدكتور موفق خزنة كاتبي ونسأل الله له الرحمة والمغفرة وأن يسكنه تعالى جنات النعيم ، فكم ترك في قلوب عارفيه ومحبيه من حزن، ولكن العزاء بما ترك لنا وللاجيال من مؤلفات وذكرى طيبة، وحفظ الله شقيقته الاستاذة الدكتورة غيداء خزنة كاتبي من كانت وما زالت وستبقى بعون الله للوفاء وللمعرفة والعلم نبراساً نهتدي به دائماً.
الكاتب : مروان أميل طوباسي
منذ العدوان الإسرائيلي المباغت على مواقع داخل الأراضي الإيرانية في ١٣ حزيران الماضي ، دخلت المنطقة مرحلة جديدة حساسة من التصعيد المتبادل كانت قد دخلتها منذ عدوان الإبادة على غزة امتدادا لما سبق من احداث بدءا من جريمة التهجير والنكبة عام ١٩٤٨ ، بلغت ذروتها مع الرد الإيراني النوعي غير المسبوق الذي استهدف مواقع عسكرية إسرائيلية وأميركية حيوية وأستراتيجية ، بما في ذلك قاعدة العديد في قطر ، بعد سرعة الولايات المتحدة بقصف منشآت المفاعلات النووية في إيران لانها لم تكن لتسمح لإسرائيل فعل ذلك لوحدها حتى ولو كانت لا تمتلك القنابل المناسبة لهذا العمل العسكري ، وذلك قبل أن تُعلن عن تفاهمات لوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل .
في خضم هذا التصعيد ، ظهرت أصوات تزعم أن ما جرى لا يتعدى "مسرحية أميركية لتوزيع الأدوار" بين طهران وتل أبيب وواشنطن . وهو بإعتقادي تحليل سطحي لا يستند إلى معطيات واقعية ، ويستخف بالعقل وبعمق التحليل السياسي المطلوب للتحولات الحاصلة في موازين القوى الإقليمية والدولية ، وللرغبة الجامحة والمتوحشة لاستكمال تنفيذ المشروع الإستعماري "الشرق الاوسط الجديد" من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل وبموافقة أوروبية غربية ، في وقت انشغلت فيه قوى أخرى كروسيا والصين في بؤر توتر من الحروب العسكرية والأقتصادية تشعلها الولايات المتحدة والناتو بهدف الهيمنة الأوسع ، والتي باتت تتآكل شيئا فشيئاً بحكم طبيعة مسار التاريخ السياسي .
وبغض النظر عن أتفاقنا أو أختلافنا مع النظام في إيران ، وهو أمرٌ مشروع في ظل تنوع الرؤى داخل مجتمعنا السياسي الفلسطيني ، فإننا هنا نتحدث عن دولة يمكن الاختلاف أو التفاهم معها ضمن أطر السياسة والردع او حتى حول مشروعها بمقابل المشاريع الأخرى بالمنطقة في غياب مشروع عربي ، وذلك بما يجب ان يكون في اطار ما يحققه ذلك من مصلحة لشعبنا بعيدا عن النزعات الطائفية الدينية ، في وقت اعتقد فيه ان إيران قد أدركت أخطائها المتعلقة في نشر مفهوم ولاية الفقيه في عدد من دول المنطقة وما تركه ذلك من تداعيات سلبية على مجتمعات تلك الدول والعلاقات الوطنية فيها .
أما حين يتعلق الأمر بإسرائيل ، فنحن أمام كيان استعماري ينشر ارهاب الأحتلال والأستيطان لا يتيح مجالا لأي اتفاق معه او الوقوف في صفه تحت أي مبرر في مواجهة الموقف الإيراني. فإسرائيل كأداة المشروع الإستعماري الغربي بالمنطقة وصاحبة الفكر الصهيوني تواصل محاولات إلغاء الآخر ، وتمارس عدوان التصفية الوجودية لشعبنا ولقضيتنا التحررية من خلال جرائم الإبادة والتهجير والتطهير العرقي بحق شعبنا وشعوب اخرى منذ حوالي قرن من الزمن .
لذلك ، فإن ما حدث لا يمكن تفسيره بمنطق المسرحيات والمؤامرات الجاهزة . لقد جاء الرد الإيراني مدروساً وواضحاً ومؤثرا بالعمق الإسرائيلي الذي منعت الرقابة العسكرية نشر تفاصيله كاملة حتى اليوم ، وتضمن استهدافاً مباشراً لمنشآت حيوية وعسكرية إسرائيلية واسعة لم تشهدها دولة الأحتلال من قبل ، وتوسع لاحقاً ليشمل قاعدة العديد الأميركية في قطر باعتبارها أرضا أمريكية بمفهوم القانون الدولي ، وفرض معادلة جديدة لا يمكن تجاهلها ، وهو ما تمثل سابقا برد حزب الله كطرف مقاوم الى حد ما في مواجهة العدوان والتوسع الإسرائيلي ، لكن ليس بنفس القدر من حجم النيران الصاروخية الإيرانية التي استخدم بعضها لأول مرة .
فهل من المنطقي أن تُقدم إسرائيل على تنفيذ هجوم داخل إيران نفسها ، بكل ما يحمله ذلك من تبعات خطيرة ، لو كان الأمر مجرد مسرحية منسقة مع طهران وواشنطن؟ وهل كانت واشنطن لتصمت على استهداف إحدى أهم قواعدها العسكرية بالشرق الأوسط ، حتى وإن تم تفريغها ، لو لم يكن هذا الفعل خارج السيطرة ؟
أما وقف إطلاق النار ، فلا علاقة له بتفاهم مسبق ، بل كان نتاج حسابات معقدة لدى جميع الأطراف ، خاصة بعد صراخ الوجع الاستغاثي الإسرائيلي امام واشنطن للتدخل حين بات الأمر واضحاً في أن اسرائيل قد لا تتحمل مزيدا من الضربات والأستنزاف الطويل والهجرة المعاكسة ، وان الاستمرار في التصعيد سيقود إلى خسائر كبيرة في قطاعات مختلفة والى مواجهة إقليمية شاملة قد تستدعي حينها تدخل روسيا والصين وفق اتفاقيات التحالف مع إيران .
لذلك فإن ردّ إيران على الأعتداءات الإسرائيلية هو في جوهره موقف سياسي وميداني ضد المشروع الأستعماري الغربي بالمنطقة الذي يسعى لتأمين تفوق اسرائيل وفتح كافة المسارات الجوية والبحرية بل والبرية أمامها لمحاولات توسعها الإستعماري ، وليس مجرد تصفية حسابات إقليمية كما يروّج البعض . وهذا ما ينبغي إدراكه عند قراءة السياق الأوسع للصراع .
لقد دخلنا مرحلة جديدة من التوازنات ، تُصاغ فيها قواعد اشتباك مختلفة عن السابق . مرحلة لم تعد فيها واشنطن مضطرة لحماية أمن إسرائيل دون أن تُستهدف مصالحها ، ولم تعد فيها تل أبيب تمتلك القدرة على الضرب دون أن تتلقى الرد .
من يُروج لفكرة "المسرحية" بما في ذلك مسألة اخلاء منشأة فوردو النووية قبل ضربها ، والذي يبدو أنه لم يكن مسرحية ، بل عمل خداع استخباراتي إيراني بتعاون روسيا ، يُكذب الرواية السطحية التي تحاول تصوير الرد الإيراني كجزء من "تفاهم" غير معلن . هذا الادعاء يغفل عن فهم طبيعة الصراع الإستعماري الطويل في منطقتنا عن قصد او بدون قصد ، ويفضل التفسير التآمري المريح من خلال اعتماد "نظرية المؤامرة" باعتبارها نظرية محببة للعقل العربي التقليدي من جهة ، ولقطع الطريق أمام التحليل السياسي العميق والجاد للواقع الجديد الذي يتشكل أمام أعيننا بالأقليم وخاصة بالوطن من تحديات كبيرة حالية وقادمة من جهة أخرى .
إن ما جرى لا يجب التعامل معه بخفة أو عبر تفسيرات تآمرية جاهزة ، بل يجب أن يُقرأ في سياقه الطبيعي كجزء من صراع مفتوح بين مشروعين متناقضين :
- الأول ، مشروع الهيمنة الأميركية–الإسرائيلية الذي يستهدف شعوب المنطقة وحقوقها وسيادة دولها وأمنها القومي .
- والثاني ، مشروع تحرري يسعى لإعادة صياغة التوازنات وفرض كلفة على الأحتلال والعدوان ، رغم تعقيداته والصعوبات التي يواجهها .
اليوم ، ليس المطلوب هنا أن نُصفق لهذا الطرف أو ذاك في مسار الصراعات الدولية ، بل أن نقرأ اللحظة التاريخية بعينٍ واعية وبما له علاقة بمصلحة مسارنا الكفاحي الوطني التحرري والخلاص من الأحتلال ، هذا الحق الذي تقف بمواجهته الولايات المتحدة باستمرار . ما جرى وما زال يجري ليس عرضاً مسرحياً بل صراع إرادات ومعادلات ، والصمت أو الإنتظار او التردد فيه لا يخدم موضوعياً مواجهة المشروع الإستعماري .
وفي هذا الإطار ، من المهم القول أن ما تم حول "وقف إطلاق النار" بين إيران وإسرائيل لا يعني نهاية الحرب أو تراجع مشروع الهيمنة . فوقف إطلاق النار لا يُلغي طبيعة الصراع ولا يُنهي أسباب التصعيد ، بل هو تعبير عن توازن مؤقت فرضته الوقائع على الأرض ، وخشية من انفجار إقليمي واسع كما ذكرت ، قد تخرج فيه الأمور عن السيطرة . وبالتالي ، فإن أي تهدئة تُروج الآن ليست سوى مؤقتة برأيي في سياق صراع مفتوح يُحدد مساره في اطار الصراع والمتغيرات الدولية ورغبة إيران في اطار تحالفاتها وعضويتها بمجموعة البريكس لان تكون لاعباً مهماً بالمنطقة بمقابل الدور الإسرائيلي والتركي والسعودي . وهنا فان عملية وقف اطلاق النار ، ليست نقطة بداية لتسوية حقيقية أو تراجع في المشروع الأستعماري الإسرائيلي الأميركي ، بل مؤشرا على تخلخلها ، الامر الذي يتوجب البناء عليه .
ومن جهة ثانية ، فأن الحديث المتداول عن "هدنة" أو "وقف لإطلاق النار" بين حماس وإسرائيل في ظل تصاعد اعمال الإبادة كما بعمليات المقاومة النوعية بالأيام الاخيرة بغض النظر عن تفاوت الآراء حول بداية ٧ أكتوبر من حيث الحسابات لا من حيث مفهوم مبدأ المقاومة كحق شرعي ضد الأحتلال الذي يتوجب ممارسته وفق ظروف تمكين صمود شعبنا وخدمة هدف سياسي فلسطيني له علاقة بالاستقلال الوطني ، وهو ما لا يجب فهمه كمسرحية مرة أخرى أو نهاية لمسار الحرب . فإسرائيل لم توقف عدوانها يوماً ولن توقفه طالما لم يُفرض عليها ، لا على غزة ولا على الضفة والقدس ولا على تجمعات شعبنا الفلسطين في أسرائيل نفسها وفي شتات الدول المجاورة . فما يجري هو أقرب إلى إعادة تموضع مؤقت لمحاولة فرض شروط سياسية جديدة ، تحت مسميات "إنسانية أو تفاوضية " ، بينما تستمر في تنفيذ مشروعها الإستعماري التفكيكي الأحلالي ضد شعبنا الفلسطيني ومنع اقامة دولة فلسطينية وفق ما قاله نتنياهو اليوم خلال لقاءه ترامب الذي بدوره أيد رؤية نتنياهو تلك في فهمه "للسلام" . ورغم حاجة شعبنا الماسة اليوم في غزة لوقف القتل والتدمير والإبادة من خلال وقف إطلاق النار ، الا ان ذلك يعني بالنسبة للأحتلال اعادة ترتيب أدوات الهيمنة واولوياتها وعزل شعبنا في غزة "بغيتوهات رفح" تحضيرا لتهجير اعداد كبيرة منهم في اطار ما يسمى "الطوعي" الى دول يجري الترتيب معها وفق تصريحات نتنياهو في واشنطن تحت شعار "حرية الاختيار" ، ومن ثم ترتيبات أدارة القطاع برباعية عربية دولية بإشراف أمريكي وبمشاركة مؤسسة غزة الانسانية الأمريكية المتورطة بالاجرام والإبادة ، ودون مشاركة السلطة الوطنية الفلسطينية وفق ما يخرج من تسريبات ، والتي يتم تقويض دورها بالضفة الغربية من جهة اخرى ، رغم سياسات الصمت والأنتظار والبحث عن دور . ومن ثم انتقال أسرائيل الى مواصلة التهويد والضم الأستيطاني للأرض بالضفة كما تم بالقدس لمحاولات تنفيذ "مشروع أسرائيل الكبرى" الحائز على دعم الترامبية ، وتصفية القضية الوطنية التحررية لشعبنا وتطويع أنظمة الإقليم من خلال ما يسمى بالدرع الإبراهيمي .
اليوم المسوؤلية الوطنية جسيمة وكبيرة ومفصلية ، فهل نرتقي بها الى مستوى مجريات الاحداث ومواجهتها لحماية وجودنا ووجود شعبا تحديدا في مواجهة هجمات وارهاب المستوطنين اليومية ، واعادة تقييم وإيضاح مشروعنا الوطني التحرري برؤية استراتيجية جامعة موحدة وواسعة تمثل الكل الفلسطيني في اطار منظمة التحرير كجسم فاعل ومستنهض ومُعبر عن فكر التحرر الوطني ، كما ايضا استنهاض "فتح" كحركة تحرر لا كأطار وظيفي او حزبا للسلطة يشكلها الوظيفي التي يجب ان تغادر مربع الصمت والأنتظار في مواجهة ما يجري من حيث وضوح البرامج والأدوات وعقد الأنتخابات العامة كحق اساسي لشعبنا ، فيها تتجدد وتتغير الهيئات القيادية ، فالتاريخ السياسي متحرك ومتغير ولا ينتظر أحداً .
الكاتب : بن معمر الحاج عيسى
في الوقت الذي ترتجف فيه غزة تحت نيران القصف، وتتهشم البيوت على رؤوس الأطفال، ويذوب الوقت في حرارة المجازر المتواصلة، تتحرك الخيوط الخفية لمخطط أكثر فتكًا من القنابل: التهجير الجماعي. ليس من قبيل التهويل أن نتحدث اليوم عن نكبة جديدة تُنسج في ظلال الصمت الدولي المريب، ولكن من قبيل الاستقراء العاري للواقع، والقراءة الجادة في نوايا تل أبيب التي تتجلى يوما بعد يوم في سياساتها وتصريحاتها. بنيامين نتنياهو، الذي يركب موجة الدم من أجل البقاء السياسي، لا يخفي رغبة جامحة في إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في القطاع عبر هندسة جهنمية تنطلق من سياسة الأرض المحروقة وتنتهي إلى ترحيل الأهالي إلى الجنوب، فإلى محور فيلادلفيا، ثم رفح، ثم… مصر. المشروع ليس جديدًا، لكنه يعود الآن بنَفَسٍ أكثر وقاحة، مدعومًا بخطاب أمني ملفق عن "حماية الحدود"، وبتواطؤ صامت أو متواطئ من قوى تدّعي الحياد، بينما تبرر الإبادة الجماعية تحت لافتة الدفاع عن النفس. السيناريو الأكثر رعبًا، الذي تتداوله بعض التقارير الاستخباراتية المسربة، هو محاولة إسرائيل خلق "منطقة أمنية" خالية من الفلسطينيين على طول الحدود مع مصر، تمهيدًا لدفع مئات آلاف المدنيين إلى المعبر، وتشكيل ضغط إنساني ودولي على القاهرة لفتح الحدود، وإبقاء المهجّرين في ما يسمى بـ"المنطقة العازلة".
الخطير في هذا السيناريو أنه لا يستند فقط إلى رؤية أمنية إسرائيلية، بل يلقى صدى ضمنيًا في دوائر غربية ترى في قطاع غزة عبئًا إنسانيًا يجب التخلص منه بأي وسيلة، حتى ولو كانت جريمة تطهير عرقي جديدة. من جهة أخرى، يراهن نتنياهو على المعادلة القديمة: الضغط بالدمار لإجبار السكان على النزوح، ثم فرض الحل على الأرض كأمر واقع، بينما تتولى الآلة الإعلامية الكبرى تسويق الحدث كـ"إعادة تموضع" أو "إخلاء مؤقت". لكن ماذا عن رد الفعل الفلسطيني؟ الواقع أن غزة، رغم الجراح، أثبتت أنها ليست سهلة الكسر، وأن سكانها الذين عاشوا كل أشكال الحصار والدمار لم يرفعوا الراية البيضاء، بل تمسكوا بترابهم كما يتمسك الجذر بالحياة. الفلسطيني اليوم أكثر وعيًا من أن يقع في فخ الخديعة، وقد بات يدرك أن الخروج من غزة هو باب نحو التيه الأبدي. أما رد الفعل العربي، فهو ما يزال يتأرجح بين بيانات الشجب ونوبات الغضب الموسمية، فيما تلتزم بعض العواصم الصمت الثقيل، خوفًا من تداعيات الفوضى أو امتعاض العواصم الكبرى. مصر، التي تقف عند خط التماس، تدرك جيدًا أن السماح بمرور هذا المخطط هو شرارة نار قد تشتعل في خاصرتها، وتحول سيناء إلى معسكر للاجئين وغليان أمني لا يمكن احتواؤه. وعليه، فإنها تحاول،، فرض معادلة معقدة: منع الانهيار الإنساني دون أن تُستدرج إلى أن تكون شريكًا في التهجير القسري. في المقابل، يبقى موقف الشعوب هو النقطة المضيئة الوحيدة في هذا المشهد الكابوسي، حيث تتصاعد موجات الغضب، والمظاهرات في العواصم، والوعي المتنامي بحقيقة ما يحدث في غزة كجريمة مكتملة الأركان، لا مجرد حرب. إن ما يُحاك لغزة اليوم ليس مجرد معركة عسكرية، بل معركة وجود، معركة إرادة شعب في مواجهة آلة نفي جماعي. وإذا ما تحقق هذا السيناريو المرعب، فإننا سنكون أمام لحظة تاريخية سوداء، تشبه ما حدث في دير ياسين وصبرا وشاتيلا، لكنها بوسائل أكثر حداثة، وبشراكة أوسع، وبتواطؤ إعلامي مخجل. إن الواجب الإنساني والسياسي والأخلاقي يحتّم علينا أن نُطلق الصرخة الآن، لا غدًا. أن نكتب، ونُعرّي، ونُوثّق، ونُحرّك الشارع، ونفضح اللعبة قبل أن يُكتب على وجه غزة خاتم النكبة الجديدة. فرفح ليست بوابة خروج، بل هي خط الدفاع الأخير عن شرف القضية. وغزة، الجريحة العنيدة، لن تقبل أن تُطوى خريطتها في ملف لجوء جديد، ولن تسمح للتاريخ أن يُكتب بمداد النسيان.
الكاتب : وسام زغبر
في خطوة تعكس عمق العلاقة الكفاحية بين الشعبين الفلسطيني والجزائري، أقدمت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية على إدراج أربعة أسئلة عن الثورة الجزائرية وثوارها الأبطال ضمن امتحانات الثانوية العامة لعام 2025، في مادة التاريخ. قرار يحمل دلالات سياسية وتربوية، ويعكس وفاءً فلسطينيًا متجذرًا لمواقف الجزائر التاريخية الداعمة للقضية الفلسطينية.
لم تكن هذه المبادرة إجراءً تعليمياً عابراً، بل تعبيرًا واعيًا عن ارتباط الثورة الفلسطينية بالثورة الجزائرية، التي شكّلت مصدر إلهام لحركات التحرر العربي والعالمي. لقد خاض الشعب الجزائري واحدة من أنبل الثورات ضد الاستعمار الفرنسي، وقدّم مليون ونصف المليون شهيد في سبيل الحرية، وهو ما يجعل إدراجها في المنهاج الفلسطيني رسالة تقدير لهذا الإرث النضالي العظيم.
إن ترسيخ تاريخ الثورة الجزائرية في عقول الطلبة الفلسطينيين يعزز الوعي بجذور النضال المشترك، ويُربّي جيلاً يُدرك أن معركته ضد الاحتلال امتدادٌ لمعركة عربية واسعة ضد الاستعمار والهيمنة. كما أنها خطوة تستحضر ثوابت الجزائر في دعم فلسطين، قيادةً وشعبًا، ومواقفها التي لم تتبدل في كل المنعطفات.
ليست مجرد أسئلة امتحانية، بل هي رسالة سياسية وتربوية: الوفاء لا يُنسى، والنضال لا يُدرّس فقط بل يُورّث. وفلسطين، وهي تصوغ وعي طلابها، تعترف بجميل الجزائر وتردّ التحية بأجمل منها.
إن إدراج الثورة الجزائرية في امتحانات التاريخ الفلسطينية لا يُعدّ مجرد لفتة رمزية، بل هو فعل تربوي مقاوم يحمل أبعادًا استراتيجية في تشكيل الوعي الجمعي الوطني. في زمن تتعرض فيه السردية الفلسطينية لمحاولات طمس وتزييف، تصبح العودة إلى تجارب نضالية أصيلة – كالجزائر – ضرورة لتثبيت هوية النضال وتجذيرها في أذهان الأجيال الجديدة.
هذه المبادرة تؤكد أن فلسطين لا تُقاتل وحدها، وأن الذاكرة العربية، إذا ما أُحسِن استحضارها، يمكن أن تكون حاضنة للمقاومة، وسلاحًا ثقافيًا في مواجهة المشروع الصهيوني. التربية هنا تتحوّل من مجرد تلقين إلى مقاومة فكرية، ومن المنهاج إلى الميدان، تسير المعرفة جنبًا إلى جنب مع الكفاح.
* عضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين
الكاتب : نبهان خريشة
في تطور لافت يعكس ما يشبه التحول في مزاج المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تجاه الحرب على غزة، نُشر مؤخرًا مقطع فيديو جوي على حساب المراسل العسكري "إيتاي بلومنتال"، يُظهر مشهدًا نادرًا لفلسطيني يخرج من بين أنقاض حي مدمر ويتجه راكضًا نحو دبابة إسرائيلية، ملقيًا عبوة ناسفة عليها، بعد لحظات من استهداف دبابة أخرى بصاروخ مضاد للدروع. المشهد لا يمكن عزله عن السياق العام للحرب، ولا عن توقيته الحساس، بل يبدو وكأنه يحمل رسائل تتجاوز حدود التوثيق الميداني، إلى ملامسة حدود السياسة والعقيدة القتالية والقرار الاستراتيجي داخل الجيش الإسرائيلي نفسه.
اللافت في هذا الفيديو، الذي لا يمكن أن يكون قد وصل إلى الصحفي بلومنتال دون ضوء أخضر عسكري، هو التناقض الصارخ مع ما تدّعيه الرواية الإسرائيلية الرسمية من سيطرة عسكرية على الأرض وإنهاك قدرات المقاومة. فالمشهد، الذي صُوّر من الجو، أي من قبل طائرة استطلاع عسكرية أو مسيّرة إسرائيلية، يوثّق لحظة فشل استخباراتي وتكتيكي في منع فلسطيني من تنفيذ هجوم مباشر على دبابة في وضح النهار، وفي منطقة يُفترض أنها "مسيطر عليها ميدانيًا" من قبل الجيش الإسرائيلي. نشر فيديو بهذه الدقة والوضوح، في توقيت بالغ الحساسية، لا يمكن تفسيره إلا في إطار التوجه المقصود نحو خلق مناخ يهيّئ الرأي العام الإسرائيلي لتقبّل خيار لم يكن مطروحًا بجدية قبل أشهر: الانسحاب من غزة، أو الموافقة على هدنة لتبادل الأسرى على الأقل.
توقيت نشر الفيديو ليس عابرًا؛ فقد جاء في الليلة التي تسبق تقديم خرائط إسرائيلية جديدة في مفاوضات الدوحة، وهي خرائط يُتوقع أن تحدد معالم المرحلة القادمة في غزة، على ضوء التفاهمات المحتملة لتبادل الأسرى. الخرائط الأولى، المعروفة إعلاميًا بـ"خرائط سموترتش"، والتي حملت توجهات واضحة نحو الضم والسيطرة الإدارية المباشرة على القطاع، لم تحظَ بدعم الجيش الإسرائيلي، الذي يدفع منذ فترة إلى ما يُعرف بـ"ترتيبات أمنية محدودة"، ونموذج لا يشبه الاحتلال المباشر، بل يتقاطع مع ما جرى في جنوب لبنان عام 2000. ومن هنا، يمكن اعتبار نشر الفيديو رسالة غير مباشرة بأن الخرائط القادمة لا تتماشى مع قناعات الجيش، وأن التصعيد لم يعد يخدم المصالح الأمنية والعسكرية، بل يضاعف الكلفة البشرية والمعنوية واللوجستية للقوات المتبقية في الميدان.
ما يزيد من وضوح هذا التوجه هو غياب الرقابة العسكرية الصارمة على الفيديو، وهو أمر نادر في الظروف الطبيعية، فكيف في زمن حرب؟! فقد جرت العادة أن تكون الرقابة العسكرية الإسرائيلية شديدة الصرامة تجاه كل ما يُنشر عن العمليات القتالية، خشية من تسريب معلومات لـ"العدو" أو من هزّ ثقة المجتمع الإسرائيلي بالجيش. لكن في هذا المشهد، بدا وكأن الجيش نفسه قرر استخدام أدوات الإعلام لتوجيه رسالة ضمنية، ليس فقط للداخل الإسرائيلي، بل أيضًا للمفاوضين في الدوحة، فحواها: لم نعد نمتلك رفاهية الاستمرار في هذه الحرب المفتوحة، وحان وقت المساومة الجدية على إنهائها، ولو على حساب طموحات اليمين المتطرف.
هذا المشهد يعكس بوضوح تباينًا داخليًا آخذًا بالاتساع في إسرائيل بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية حول مستقبل قطاع غزة. في حين يتمسك سموترتش وبن غفير بخيارات الضم والتطهير والهيمنة المباشرة، يتحرك الجيش في مسار آخر، لإدراكه لمحدودية الإنجاز العسكري، واستنزاف الجنود في بيئة معادية لا يمكن السيطرة عليها دون كلفة هائلة. الجيش، الذي خسر جنوده في كمائن داخل الأنفاق وفي ساحات الاشتباك المفتوحة، لم يعد قادرًا على بيع وهم "الانتصار الكامل" للرأي العام، خاصة في ظل قدرة الطرف الآخر على استعادة زمام المبادرة، حتى بعد أشهر من القصف والاجتياح.
نشر الفيديو لا يبدو حادثًا عرضيًا، بل خطوة محسوبة ضمن ما يشبه الحرب النفسية المعاكسة، موجّهة هذه المرة للداخل الإسرائيلي، لإعادة تشكيل وعيه تجاه خيار الانسحاب باعتباره ليس هزيمة، بل ضرورة استراتيجية. وفي خلفية هذه الصورة، يمكن رصد تغير في الخطاب الإعلامي لبعض المؤسسات القريبة من الجيش، والتي بدأت تدفع نحو تبنّي نموذج "ما بعد الحرب"، بما يتضمنه من هدنة طويلة الأمد، وتبادل أسرى، وتفكيك تدريجي لمسرح العمليات.
السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا المشهد: هل بدأ الجيش الإسرائيلي فعلاً بتجهيز الرأي العام الإسرائيلي لقبول النهاية؟ وهل بات واضحًا في صفوفه أن لا أفق لحسم عسكري في غزة، وأن المعركة القادمة يجب أن تُدار على طاولة المفاوضات، لا بين أنقاض المنازل في مدن وبلدات قطاع غزة؟ ربما نعم. فقد تُرك الفيديو يتكلم بلغة لم تعد كلمات الجنرالات قادرة على التعبير عنها، لغة تقول بوضوح: "لقد وصلنا إلى حدود القدرة، وحان وقت التراجع بخسائر أقل."
الكاتب : عبد الحميد البابا
نسمع التنظيمات الفلسطينة بلا إستثناء توجه الانتقادات واللوم للرئيس "أبو مازن" ، بما فيهم قيادات من حركة "فتح" ، بل ان بعض الشخصيات الفلسطينية تخرج عن الادب وتوجه الشتائم ، وخاصة الذين بالخارج ، ويحملون الجنسيات الاجنية ، ولم يكلفوا انفسهم بزيارة الوطن ، وليس الدفاع عن الوطن او الصمود فيه.
لا اريد ان ادافع عن الرئيس ، ولكن كمحللين علينا ان نقف مع انفسنا ، ونصارح انفسنا اين أخطأنا ، ومن يتحمل نتيجة الخطأ .
منذ بداية التسعينيات ، وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية، وحصار منظمة التحرير ، وضح الرئيس "ابو مازن" موقفه انه لا يمكن استعادة حقوقنا الا بالعمل السلمي ، وحينها ادار الرئيس "ابو مازن" مفاوضات اوسلو ، والتي وضعت خارطة الطريق من اجل اقامة دولة فلسطينية .
لقد قام اتفاق اوسلو على معادلة الارض مقابل السلام ، اي اننا سنحصل على دولة مستقلة اذا استطعنا توفير السلام لدولة اسرائيل ، والسلام لا يأتي الا بحفظ الامن والاستقرار .
بعد توقيع اتفاق اوسلو ، وبدء محادثات استلام منظمة التحرير جزء من الاراضي الفلسطينية ، بدأت حركة "حماس" عملياتها التفجيرية، وبالتحديد قبل شهر من استعادة قطاع غزة والضفة الغربية ، وكانت في حينه المفاوضات قد اقتربت من نهايتها ، قامت "حماس" بعمليتين تفجيريتين في شهر نيسان 1994 ، وكان الهدف منها ضرب اتفاق السلام مع اسرائيل .
وبعد عودة منظمة التحرير الفلسطينية للوطن ، بدأت عملية اعادة البناء بقيادة الشهيد ياسر عرفات والذي قام بإنشاء ميناء ومطار في قطاع غزة ، كان المواطن الفلسطيني يقلع من مطار فلسطين ، ويمر عبر معابر فلسطينية ( مراقبة دوليا واسرائيليا) ، ولكننا نتعامل مع الضابط ورجل الجمارك الفلسطينيين .
خارطة الطريق التي وضعها الشهيد ياسر عرفات وكان مهندسها الرئيس "ابو مازن" ، كانت على هذا الاساس الارض مقابل السلام ، ولكن العمليات الفلسطينية كانت تعيق التقدم في عملية السلام ، فاسرائيل تجيد فقط لعبة الحرب ولا تجيد لعبة السلام ، ونحن للأسف لاعبنا اسرائيل اللعبة التي هي تجيدها لا اللعبة التي نحن نجيدها ، نحن اصحاب حق ، نريد حقنا الذي اقره العالم لنا ، ويقف معنا ، واسرائيل تجيد لعبة الحرب ، فنحن لعبتها المفضلة .
الرئيس "ابو مازن" وضع قوانين اللعبة ، وهي عملية السلام ، ولكن من أوصلنا لهذا الوضع هم من حاولوا تغير قوانين اللعبة ، واللعب مع اسرائيل لعبتها المفضلة وهي الحرب ، فحركة "حماس" هي جزء من حركة الاخوان المسلمين التي كانت دائما تتعامل وفق مصالحها وليس وفق مصالح شعوبها ، فعندما شعرت ان منظمة التحرير تتقدم بعملية السلام ، عملت بالطريق المعاكس ، ولكن اذا عدنا للوراء قليلا ، عندما كانت منظمة التحرير تمارس الكفاح المسلح ، كان الاخوان المسلمين يهاجمون شهداء المنظمة ويصفونهم بأقذع الأوصاف، وعندما كانت منظمة التحرير ترفع شعار الوطنية والقومية العربية في الستينيات والسبعينيات كان الاخوان يعملون ضمن الرجعيات العربية ، وفي التاريخ الحديث كان الاخوان المسلمين الحزب السني الوحيد الذي شارك في حكومة الاحتلال الامريكي "حكومة برايمر" ، وفي التاريخ المعاصر تم توقيع اتفاق السلام بين اسرائيل والمغرب عندما كان الاخوان المسلمين يشكلون الحكومة المغربية ، وهم من وقع الاتفاقية .
ان ما يوحد الشعب الاسرائيلي ويقوي الحكومات الاسرائيلية هي صناعة الحرب ، وما يضعفها صناعة السلام ، فلكل لعبة قوانينها وضوابطها ، فلعبة كرة القدم لها قوانينها ، ولعبة كرة الطائرة كذلك ، فلا يجوز ان نلعب كرة قدم بقوانين كرة الطائرة ، وهكذا السياسة لعبة السلام لها قوانينها ، ولعبة الحرب لها قوانينها ، فعلينا ان لا نلوم عملية السلام التي أوصلتنا لهذا الوضع بل نلوم من حاول تغيير قوانين لعبة السلام ، ولعب بقوانين الحرب . علينا ان نسألهم ما انجزتم للشعب الفلسطيني بقوانين الحرب ، سيقولون قدمنا قوافل الشهداء ، مع كل الاحترام والتقدير للشهداء الذين هم أنبل بني البشر ، ولكن ليس هدفنا تقديم قوافل الشهداء من الاطفال والنساء والابرياء ، بل هدفنا الحرية وضمان حياة افضل لهم .
انظروا لوضعنا الفلسطيني حاليا ، لو استمرينا بقوانين السلام لأصبح قطاع غزة مثل أفضل دول العالم ، لأن الشهيد ياسر عرفات هكذا خطط لقطاع غزة ، ولما وجدنا المستوطنين والاستيطان بالضفة كما هو حاليا ، فقد عرض علينا خلال عملية السلام 94% من الضفة الغربية ، وفي عام 2018 عرض علينا ترامب 62% من الضفة ، وحاليا نطالب بتوفير الطعام لسكان قطاع غزة ، وأعلى مطالبنا انسحاب الجيش الاسرائيلي من القطاع ، فلا أحد يتحدث عن دولة مستقلة او الاقصى ، فحديث الناس بالضفة وقطاع غزة ، توفير لقمة الطعام. ان من أوصلنا لهذا الوضع وهو من أراد مصلحة حزبه وتنظيمه على مصلحة الشعب .
اليوم نسمع السياسين والنقاد ينتقدون الرئيس "أبو مازن" ، ولكن عليكم ان تعودوا للتاريخ هل سرتم وفق ما خطط الرئيس ، او سرتم وفق ما خططتم انتم واحزابكم ، فلا تلوموا الرئيس "أبو مازن" ، بل لوموا انفسكم على ما اقترفتم بحق شعبنا .
رحم الله شهداء قطاع غزة وشهداء شعبنا العظيم .
*لواء متقاعد
الكاتب : وليد الهودلي
جمعتني ذكريات ولادته حيث اجتمع مع طفلتي في ذات السجن اذ كانت مع أمّها شريكة لقيدها.
قبل ثمانية عشر عاما كانت أمّه تلده وهي مكبلة من قدمها ويدها في سرير مستشفى ولادة خاص لنساء يُصنفن "إرهابيات فلسطينيات"، وكان له أن يقضي بواكير طفولته في السجن. ثم رأى الحياة بكل أبعادها بعيدا عن زوايا السجن القاسية بعد سنتين.
أسمته أمه يوسفا لانه وليد المدرسة اليوسفية التي يحلو للاسرى أن يسموا السجن بهذا الاسم، تيمّنت أن يكون له نصيب من الصفات التي تجلّت بها شخصية يوسف عليه السلام، الصبر والعفة والحكمة وقيادة الامّة وخلاصها السياسي والاجتماعي والاقتصادي .
كتب اسمه وليدا في ملفاتهم وبقي حرّا بعيدا عن أن تطاله أيديهم المجرمة إلى أن بدأت هذه الحرب وفتح الاجرام آفاقا واسعة من خلال ما يسمّى الذكاء الصناعي للقتل والابادة. لا بدّ وان دخلت صورته وهو طفل في سجونهم الى تلك الريسيفيرات الضخمة الباحثة عن كل صغيرة وكبيرة، رسم له شكله الجديد بعد هذه السنوات الطويلة ووضعه على لائحة القصف، وكما هو معروف أعطى دائرة يجوز فيها ان يقتل عشرين بريئا حوله من أجل إصابته. هذا مصنف على أنه قنبلة موقوتة يحمل في أعماقه أسرارا في جيناته الوراثية، فماذا من الممكن أن يكون وقد ولدته في السجن أمه الارهابية.
لا بدّ وأنّه نزح كثيرا وجاع طويلا وخاض كل أشكال الرعب وألوانه، رأى بأم عينه كل أشكال الاستهداف بالصواريخ الثقيلة الرعيبة من الطائرات الصاعقة والمسيّرة بكل أنواعها وقصف الدبابات والبوارج البحرية، خرعت جدران قلبه وأفزعته من نومه مرارا وتكرارا. هرب من الموت إلى الموت وسار طويلا على حوافّه المذهلة.
ودقّت ساعة الموت ولحظة الفراق، كيف ودّعته أمّه الربّانية التي يرونها إرهابيّة، كيف مرّ عليها شريط حياته من لحظة ولادته في السجن إلى لحظة شهادته، بقلب خنساويّ سكنه الايمان الحقيقي بعمق ترضى بما كتب الله وترى مستقبل هذا التوحش زوالا ونهاية قريبة بإذن الله.
الكاتب : أحمد عثمان جلاجل
في فجر ثقيل من تموز، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منزل الصحفي الفلسطيني ناصر اللحام في بلدة الدوحة ببيت لحم، لتعتقله كما اعتقلت من قبله الحقيقة نفسها، وكما سجنت الكلمة، وحاصرت الرواية، لم يكن ما جرى مجرد عملية أمنية عابرة، بل فصلًا جديدًا من الحرب المعلنة على الوعي الفلسطيني.
ناصر اللحام، أحد أبرز الأصوات الصحفية في فلسطين، لم يكن مجرد ناقل خبر أو محلل سياسي يظهر في فضائية ليرد على أسئلة مقدّمة الأخبار. كان ولا يزال، شاهدًا على وجع البلاد، ورائيًا لما بين السطور، وضميرًا مهنيًا نادرًا جمع بين الحرفية والشجاعة والالتزام الوطني.
ليس اعتقالًا فرديًا... بل اعتداء على مؤسسة كاملة ..
اعتقال اللحام لا يجب أن يُقرأ كحادثة معزولة، هو اعتقال لرمز يمثل خطًا إعلاميًا فلسطينيًا صلبًا، حاول دومًا أن يكون عادلًا حتى في أصعب اللحظات. هذا الاعتقال يفتح باب الأسئلة عن مستقبل الإعلام الفلسطيني تحت الحصار الإسرائيلي المستمر: هل يريد الاحتلال صحفيين يكتبون كما يشتهي؟ هل باتت المهنية تهمة؟ وهل بات الحياد خطرًا؟
في بلد محتل، الحقيقة مقاومة، والصحفي مقاتل، والكلمة جبهة.
ناصر اللحام لم يكن عسكريًا، ولا سياسيًا من الصف الأول، لكنه كان رأس حربة في الدفاع عن الوعي الفلسطيني، وركيزة أساسية في التوازن الإعلامي وسط سيل التضليل والتزييف. ولهذا بالتحديد، تم اعتقاله.
السجن لا يحجب الصوت ...
في لقاءاته، كان اللحام يحرص على الابتسام حتى حين يتحدث عن الحرب. يرفع عينيه إلى الكاميرا، كما لو أنه ينظر في عيون كل فلسطيني، ويقول الحقيقة كما هي: مؤلمة، بلا مكياج سياسي، لكنها واضحة ومُشرّفة.
واليوم، حين يُسجن هذا الصوت، فإننا لا نخسر شخصًا فقط، بل نخسر نافذة كانت تطل بنا على فلسطين، وتحمينا من أن ننسى أو نتعوّد أو نستسلم.
السجن لا يصنع الصمت بل العكس، أحيانًا، يزيد من صدى الصوت، والتاريخ الفلسطيني مليء بشهادات على أن الزنازين لا توقف الحكاية، بل تضيف إليها معنى جديدًا. فناصر اللحام في زنزانته الآن، ليس مجرد معتقل، بل رمز حيّ لمعركة طويلة خاضها صحفيونا منذ بدايات الاحتلال وحتى هذه اللحظة.
الرسالة الأوضح: نحن مستهدفون لأننا نحكي ..
إن اعتقال اللحام يأتي في وقت تتعرض فيه الصحافة الفلسطينية لحملة شرسة: أكثر من 190 صحفيًا اعتُقلوا منذ أكتوبر الماضي، والمئات استشهدوا، والمكاتب الإعلامية دُمّرت، والكاميرات صارت هدفًا عسكريًا مشروعًا.
ليست صدفة أن يكون الصحفي هدفًا. بل لأن الاحتلال يدرك جيدًا أن روايته المزيّفة تنهار تحت مجهر الحقيقة. ولأن كاميرا فلسطينية صغيرة قد تهز عرشًا من الأكاذيب، فالصمت أفضل بالنسبة له من الصورة، والزنازين أكثر أمنًا من المنابر.
من هنا نبدأ ..
ليس من المبالغة أن نقول إننا جميعًا، كصحفيين فلسطينيين، نشعر أن ناصر اللحام هو مرآتنا، وإذا مرّ اعتقاله مرور الكرام، فإننا سنخسر ما تبقّى من المسافة بين المهنة والمذلة.
إن التضامن مع اللحام يجب ألا يكون عاطفيًا فقط، بل فعليًا، منظمًا، يمتد إلى الهيئات الدولية، والمؤسسات القانونية، والنقابات، ومجالس الصحافة في العالم، كما يجب أن يتحول إلى حملة لحماية الصحافة الفلسطينية برمّتها.
حين تتحول الكلمة إلى تهمة ..
في زمن الاحتلال، يصبح القلم سلاحًا، والصورة جريمة، والمعلومة تهديدًا. لكن الصحفي، مهما سُجن، يبقى أملًا.
ناصر اللحام خلف القضبان الآن، لكن فكره ما زال بيننا، وأثره أعمق من أن يُحاصر. فهل نتركه وحيدًا؟ أم نكتب كما علّمنا، ونقاوم كما فعل، ونرفع الصوت كما أراد؟