الكاتب : وليد الهودلي
جمعتني ذكريات ولادته حيث اجتمع مع طفلتي في ذات السجن اذ كانت مع أمّها شريكة لقيدها.
قبل ثمانية عشر عاما كانت أمّه تلده وهي مكبلة من قدمها ويدها في سرير مستشفى ولادة خاص لنساء يُصنفن "إرهابيات فلسطينيات"، وكان له أن يقضي بواكير طفولته في السجن. ثم رأى الحياة بكل أبعادها بعيدا عن زوايا السجن القاسية بعد سنتين.
أسمته أمه يوسفا لانه وليد المدرسة اليوسفية التي يحلو للاسرى أن يسموا السجن بهذا الاسم، تيمّنت أن يكون له نصيب من الصفات التي تجلّت بها شخصية يوسف عليه السلام، الصبر والعفة والحكمة وقيادة الامّة وخلاصها السياسي والاجتماعي والاقتصادي .
كتب اسمه وليدا في ملفاتهم وبقي حرّا بعيدا عن أن تطاله أيديهم المجرمة إلى أن بدأت هذه الحرب وفتح الاجرام آفاقا واسعة من خلال ما يسمّى الذكاء الصناعي للقتل والابادة. لا بدّ وان دخلت صورته وهو طفل في سجونهم الى تلك الريسيفيرات الضخمة الباحثة عن كل صغيرة وكبيرة، رسم له شكله الجديد بعد هذه السنوات الطويلة ووضعه على لائحة القصف، وكما هو معروف أعطى دائرة يجوز فيها ان يقتل عشرين بريئا حوله من أجل إصابته. هذا مصنف على أنه قنبلة موقوتة يحمل في أعماقه أسرارا في جيناته الوراثية، فماذا من الممكن أن يكون وقد ولدته في السجن أمه الارهابية.
لا بدّ وأنّه نزح كثيرا وجاع طويلا وخاض كل أشكال الرعب وألوانه، رأى بأم عينه كل أشكال الاستهداف بالصواريخ الثقيلة الرعيبة من الطائرات الصاعقة والمسيّرة بكل أنواعها وقصف الدبابات والبوارج البحرية، خرعت جدران قلبه وأفزعته من نومه مرارا وتكرارا. هرب من الموت إلى الموت وسار طويلا على حوافّه المذهلة.
ودقّت ساعة الموت ولحظة الفراق، كيف ودّعته أمّه الربّانية التي يرونها إرهابيّة، كيف مرّ عليها شريط حياته من لحظة ولادته في السجن إلى لحظة شهادته، بقلب خنساويّ سكنه الايمان الحقيقي بعمق ترضى بما كتب الله وترى مستقبل هذا التوحش زوالا ونهاية قريبة بإذن الله.



