الكاتب : عبد الحميد البابا
نسمع التنظيمات الفلسطينة بلا إستثناء توجه الانتقادات واللوم للرئيس "أبو مازن" ، بما فيهم قيادات من حركة "فتح" ، بل ان بعض الشخصيات الفلسطينية تخرج عن الادب وتوجه الشتائم ، وخاصة الذين بالخارج ، ويحملون الجنسيات الاجنية ، ولم يكلفوا انفسهم بزيارة الوطن ، وليس الدفاع عن الوطن او الصمود فيه.
لا اريد ان ادافع عن الرئيس ، ولكن كمحللين علينا ان نقف مع انفسنا ، ونصارح انفسنا اين أخطأنا ، ومن يتحمل نتيجة الخطأ .
منذ بداية التسعينيات ، وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية، وحصار منظمة التحرير ، وضح الرئيس "ابو مازن" موقفه انه لا يمكن استعادة حقوقنا الا بالعمل السلمي ، وحينها ادار الرئيس "ابو مازن" مفاوضات اوسلو ، والتي وضعت خارطة الطريق من اجل اقامة دولة فلسطينية .
لقد قام اتفاق اوسلو على معادلة الارض مقابل السلام ، اي اننا سنحصل على دولة مستقلة اذا استطعنا توفير السلام لدولة اسرائيل ، والسلام لا يأتي الا بحفظ الامن والاستقرار .
بعد توقيع اتفاق اوسلو ، وبدء محادثات استلام منظمة التحرير جزء من الاراضي الفلسطينية ، بدأت حركة "حماس" عملياتها التفجيرية، وبالتحديد قبل شهر من استعادة قطاع غزة والضفة الغربية ، وكانت في حينه المفاوضات قد اقتربت من نهايتها ، قامت "حماس" بعمليتين تفجيريتين في شهر نيسان 1994 ، وكان الهدف منها ضرب اتفاق السلام مع اسرائيل .
وبعد عودة منظمة التحرير الفلسطينية للوطن ، بدأت عملية اعادة البناء بقيادة الشهيد ياسر عرفات والذي قام بإنشاء ميناء ومطار في قطاع غزة ، كان المواطن الفلسطيني يقلع من مطار فلسطين ، ويمر عبر معابر فلسطينية ( مراقبة دوليا واسرائيليا) ، ولكننا نتعامل مع الضابط ورجل الجمارك الفلسطينيين .
خارطة الطريق التي وضعها الشهيد ياسر عرفات وكان مهندسها الرئيس "ابو مازن" ، كانت على هذا الاساس الارض مقابل السلام ، ولكن العمليات الفلسطينية كانت تعيق التقدم في عملية السلام ، فاسرائيل تجيد فقط لعبة الحرب ولا تجيد لعبة السلام ، ونحن للأسف لاعبنا اسرائيل اللعبة التي هي تجيدها لا اللعبة التي نحن نجيدها ، نحن اصحاب حق ، نريد حقنا الذي اقره العالم لنا ، ويقف معنا ، واسرائيل تجيد لعبة الحرب ، فنحن لعبتها المفضلة .
الرئيس "ابو مازن" وضع قوانين اللعبة ، وهي عملية السلام ، ولكن من أوصلنا لهذا الوضع هم من حاولوا تغير قوانين اللعبة ، واللعب مع اسرائيل لعبتها المفضلة وهي الحرب ، فحركة "حماس" هي جزء من حركة الاخوان المسلمين التي كانت دائما تتعامل وفق مصالحها وليس وفق مصالح شعوبها ، فعندما شعرت ان منظمة التحرير تتقدم بعملية السلام ، عملت بالطريق المعاكس ، ولكن اذا عدنا للوراء قليلا ، عندما كانت منظمة التحرير تمارس الكفاح المسلح ، كان الاخوان المسلمين يهاجمون شهداء المنظمة ويصفونهم بأقذع الأوصاف، وعندما كانت منظمة التحرير ترفع شعار الوطنية والقومية العربية في الستينيات والسبعينيات كان الاخوان يعملون ضمن الرجعيات العربية ، وفي التاريخ الحديث كان الاخوان المسلمين الحزب السني الوحيد الذي شارك في حكومة الاحتلال الامريكي "حكومة برايمر" ، وفي التاريخ المعاصر تم توقيع اتفاق السلام بين اسرائيل والمغرب عندما كان الاخوان المسلمين يشكلون الحكومة المغربية ، وهم من وقع الاتفاقية .
ان ما يوحد الشعب الاسرائيلي ويقوي الحكومات الاسرائيلية هي صناعة الحرب ، وما يضعفها صناعة السلام ، فلكل لعبة قوانينها وضوابطها ، فلعبة كرة القدم لها قوانينها ، ولعبة كرة الطائرة كذلك ، فلا يجوز ان نلعب كرة قدم بقوانين كرة الطائرة ، وهكذا السياسة لعبة السلام لها قوانينها ، ولعبة الحرب لها قوانينها ، فعلينا ان لا نلوم عملية السلام التي أوصلتنا لهذا الوضع بل نلوم من حاول تغيير قوانين لعبة السلام ، ولعب بقوانين الحرب . علينا ان نسألهم ما انجزتم للشعب الفلسطيني بقوانين الحرب ، سيقولون قدمنا قوافل الشهداء ، مع كل الاحترام والتقدير للشهداء الذين هم أنبل بني البشر ، ولكن ليس هدفنا تقديم قوافل الشهداء من الاطفال والنساء والابرياء ، بل هدفنا الحرية وضمان حياة افضل لهم .
انظروا لوضعنا الفلسطيني حاليا ، لو استمرينا بقوانين السلام لأصبح قطاع غزة مثل أفضل دول العالم ، لأن الشهيد ياسر عرفات هكذا خطط لقطاع غزة ، ولما وجدنا المستوطنين والاستيطان بالضفة كما هو حاليا ، فقد عرض علينا خلال عملية السلام 94% من الضفة الغربية ، وفي عام 2018 عرض علينا ترامب 62% من الضفة ، وحاليا نطالب بتوفير الطعام لسكان قطاع غزة ، وأعلى مطالبنا انسحاب الجيش الاسرائيلي من القطاع ، فلا أحد يتحدث عن دولة مستقلة او الاقصى ، فحديث الناس بالضفة وقطاع غزة ، توفير لقمة الطعام. ان من أوصلنا لهذا الوضع وهو من أراد مصلحة حزبه وتنظيمه على مصلحة الشعب .
اليوم نسمع السياسين والنقاد ينتقدون الرئيس "أبو مازن" ، ولكن عليكم ان تعودوا للتاريخ هل سرتم وفق ما خطط الرئيس ، او سرتم وفق ما خططتم انتم واحزابكم ، فلا تلوموا الرئيس "أبو مازن" ، بل لوموا انفسكم على ما اقترفتم بحق شعبنا .
رحم الله شهداء قطاع غزة وشهداء شعبنا العظيم .
*لواء متقاعد



