الكاتب: د. محمد جبريني
الكاتب: د. محمد جبريني
«جئت للرياض للحديث عن مستقبل مشرق لمنطقة الشرق الأوسط»، هكذا تردّد صوت الرئيس الأميركي دونالد ترمب في كل مكان عند من يحبونه ومن يعادونه. اختار كلمتَه لتكون في مساء الرياض، وهو صباح الولايات المتحدة. لم يلقِ خطاباً عاماً، ولا خاصاً بالعلاقة مع السعودية، بل وجَّهه بالحديث عن قضايا المنطقة الرئيسية بشكل مركز.
امتدح التغييراتِ الاقتصادية في السعودية، هناك من حوّل الصحراء إلى مزارع، وإيران حوَّلت مزارعَها إلى صحاري. واستدرك بالقول، أنا لست هنا لإدانة ما فعلته إيرانُ سابقاً، ولكن أعرض عليها مساراً جديداً.
ورمى مفاجأته على الجميع بإعلانه عن مسار أميركي جديد؛ إنهاء القطيعة مع سوريا ورفع العقوبات عنها. قبل أسبوعين كانت المصادر في الخارجية الأميركية وحتى بعض مستشارين في البيت الأبيض، يرفضون دعوة رفع العقوبات على سوريا. كان الردُّ هو «لننتظر حتى نهاية العام ونرى»!
الرئيس ترمب قال إنَّه استمع لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ولم يكتفِ برفع الحظر، بل بادر إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية الأميركية المقطوعة مع دمشق منذ عام 2012.
خاطب الإيرانيين آملاً في إقناعهم بالانخراط في التفاوض نحو السلام والتخلي عن مشروعها النووي، «لن تحوز طهران سلاحاً نووياً أبداً، وأريد عقد صفقة معها ليصبح العالم أكثر أمناً». ورداً على الذين ينتقدونه على التفاوض مع إيران قال «سأقف دائماً إلى جانب السلام وعقد الشراكات والحمقى هم من يفكرون بشكل مختلف». يشعر الرئيس الأميركي أنَّ بمقدوره إقناع إيران بالمضي نحو التغير الكامل، وهو يعطيهم الفرصة.
الحدث المهمّ كان إعلانه الواضح وغير المشروط إعادة العلاقة مع سوريا الشرع. إلى أمس، كان يحظر على دبلوماسيي سوريا التنقل في نيويورك، ويسمح لهم بالسير بضعة مربعات في المدينة، ويحظر على الحكومة سوى استقبالِ ما قيمته فقط 15 مليون دولار في الشهر دعماً خارجياً لتدفع مرتبات موظفيها.
لماذا غيَّر سياسته؟ ترمب اقتنع بأنَّ الأفضل عدم محاسبة النظام الجديد بعقوبات وقعت على النظام القديم، وعدم معاقبة الشعب السوري على «احتمالات في المستقبل». والحقيقة أنَّ استمرار الحظر والعقوبات كان سيعني تمزيقَ سوريا. رأي الرياض، أعطوهم الفرصة، حتى يتغيّر حظ سوريا ومستقبلها. قال ترمب، «حان وقت تألّقها. سنوقف جميعَ العقوبات... حظاً سعيداً يا سوريا، أظهري لنا شيئاً مميزاً للغاية».
عن السعودية نفسها حرص على أن يكرّر مراتٍ تقديره وإعجابَه بولي العهد، ويستذكر زيارته الماضية قبل ثماني سنوات، والتغييرات الإيجابية التي أنجزت. قال الرئيس الأميركي: كنت على حق بشأن ولي العهد. و«اتخذنا خطواتٍ مع السعودية لجعل العلاقةِ أقوى من أي وقت مضى». وفي الوقت نفسه قال ستواجه الولاياتُ المتحدة أيَّ تهديد ضدها وضد شركائها بـ«القوة الساحقة والمدمرة».
لا تزال الزيارةُ حافلة ومستمرة، هذا هو اليوم الثاني، حيث يشارك ترمب في قمة دولِ مجلس التعاون الخليجي في الرياض.
*"الشرق الاوسط"
الكاتب : بكر عويضة
ليس شرطاً أن تقبل قيادات الفصائل الفلسطينية، باختلاف مناهجها، حقيقة يقول مؤداها البسيط جداً إن أهم شروط تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط ارتبط دائماً بالموقف الأميركي. ذلك أمر ثابت في وثائق مراحل الصراع المستعر في هذا الإقليم من العالم، منذ زمن سابق لإنشاء إسرائيل الدولة على أرض فلسطين، قبل سبعة وسبعين عاماً من يوم غد. لقد تأكد هذا الأمر خصوصاً بعد تراجع دور بريطانيا، ثم انحسار نفوذ فرنسا، ليحل محلهما حضور أميركي كان، ولا يزال، هو الأقوى تأثيراً على كل المستويات، وفي مختلف المجالات.
ضمن هذا السياق، يمكن القول إن قيادة حركة «حماس» أحسنت التصرف بالإفراج عن الرهينة عيدان ألكسندر، عشية بدء جولة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخليجية التي تكتسب مكاناً خاص الأهمية في ضوء المُتوقَع أن ينتج عنها، سواء في شأن علاقات واشنطن مع دول مجلس التعاون الخليجي عموماً، ومع المملكة العربية السعودية خصوصاً، أو ما يخص أكثر من ملف صراع في المنطقة، وبالطبع على رأسها حرص أكثر من طرف على وقف حرب إسرائيل في قطاع غزة، وانطلاق فرص تفاوض جاد تؤدي إلى سلام عربي - إسرائيلي يستند إلى أساس أن الحق الفلسطيني المشروع في نهوض دولة مستقلة على أرض مناطق السلطة الوطنية يجب أن يُعطى فرصة التحول من حُلم ممنوع، إلى واقع قائم، ومقبول، وربما مُعْتَرَفْ به من قِبل القوة العُظمى الوحيدة. نعم، أقصد أميركا دونالد ترمب.
قد يبدو الكلام عن اعتراف الرئيس ترمب تحديداً بدولة فلسطينية نوعاً من المبالغة غير المعقولة، ويمكن تفهم هكذا اعتراض. إنما، ألمْ يُقل في غير زمان، وأكثر من مناسبة إن الاعتقاد بجمود الموقف السياسي خطأ؟ بلى. قيل هذا من قبل، وجسده واقعياً سياسيون كُثر، فلماذا استبعاد أن يقدم عليه دونالد ترمب، الرئيس-الظاهرة؟ ليس من تبرير لذلك سوى الاقتناع بأن سيد البيت الأبيض إذا قال، أو قرر شيئاً، فلن يتراجع عنه على الإطلاق، حتى لو اكتشف أنه يتعارض مع تطبيق نهج «أميركا أولاً». كلا، الأرجح أن يثبت لكثيرين، بينهم بنيامين نتنياهو، أن ترمب لن يتردد في وضع مصالح أميركا قبل غيرها، بصرف النظر عن مواقف الآخرين، ومنهم إسرائيل، وإذا استدعت مصلحة الأميركيين الدفع في اتجاه وضع اعتراف واشنطن بدولة فلسطينية موضع تطبيق، فسوف يفعل، وفق تساؤل طرحته صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية الأحد الماضي.
تقبل قيادات الفصائل الفلسطينية، أو ترفض، أن بوابة الحل الفلسطيني أميركية، لن يغير من واقع ما يجري على الأرض شيئاً، سوى المزيد من تأخير تحقيق أي نوع من الأمان والاستقرار لبسطاء الفلسطينيين في الضفة الغربية، وقطاع غزة. والقول إن قيادة «حماس» أحسنت التصرف بإطلاق سراح عيدان ألكسندر لن يلغي حقيقة أن الوقت تأخر كثيراً كي يجري القبول بها طرفاً في المطروح من حلول مرحلية، أو دائمة، لما بعد وقف الحرب. مع ذلك، يجب تذكر أن مسرح العالم السياسي، كأي مسرح آخر، سوف يغدو مملاً إذا كان الجمود هو سيد كل المَشاهِد .
الكاتب: يوسف الدموكي
كم ليلة في الحرب تعبت يا حسن، وكم يومًا قضيت بلا مأوى، وأنت تنقل الخبر لحظة بلحظة، لا نتخيّلك إنسانًا بل منظومةً، لا صحافيًا بل مؤسّسة، لا إعلاميًا بل قناة لا يقلّ عدد موظفيها، مذيعين ومراسلين، عن خمسين شخصًا، وأنت وحدك وحدك منذ أوّل يوم، تعبر الجدار، وتعود لما وراء السور، وتبدأ السير ولا تتوقّف عنه ولو بالرصاص، ولو بتهديدات الاغتيال والقصف، كأنك تعلم أنك ماضٍ إلى مصير محتوم، كان بعيدًا قليلًا، كان يمكن تفاديه، لولا أبناء جلدتك، ذاتهم الذي يدعونهم "أبناء الحرام"، الذين يسلمونك لعدوّك، ويحرّضونه على قتلك، ويوفّرون غطاءً لتصفيتك، وتصنيفهم "شركاء وطن"!
غارقًا في دمائك كنت، تناثر إصبعان منك، أضحى وجهك مشوّه الملامح وجسمك صعب التعرّف عليه، وقد أتاك التحذير وفهمت الرسالة وإن أخطأك الموت تلك المرّة، حين اغتالوا في الخيمة من اغتالوا واشتعل من اشتعل، ولا أقول نجوت، وإنما بقيت تحمل حتفَك على كفيك، ينتظر اللحظة الملائمة ليجهز عليك، ولم يكتفِ الخائنون (الذين يتظاهر المرجفون من أصدقائهم أنهم كانوا يحبونك أو قريبين منك) بأنك كدت تصل إلى الموت النهائي، كدت تفقد آخر ما تبقى من أنفاسك الزكية، بل واصلوا التحريض كأنهم يشجّعون قناصًا على صيد دجاجة، يدفعونه دفعًا إلى هدفه، كأنه محرج من أنك ما زلت حيًّا، وعليه مواراة عاره في التصويب، فصوّب مجدّدًا، وأنت بعدُ في المشفى، ليجدوك بين كومة من الحجارة، شهيدًا، أخيرًا، يا حسن!
الليلة، يا ساهر الليالي وسائر الأيام، يا أيّها الإنسان الذي لم يرد أكثر من أن يكون إنسانا لا تهدّده قوّة عسكرية تملك ملايين الأطنان من المتفجرات، ولا آلاف الطائرات والدبابات، ولا مئات آلاف الجنود، وتتحداه كلّها وحده، وتجنّد لمجابهته "أبناء الجلدة" القذرين، الذين يوغرون في صدورهم ما يغور في قلبك، الآن يا صاحب النظرات البريئة المتعبة، والصوت المنهك الجائع، والصدر النقي المثخَن، والثأر الصافي المتعاظم، والرفاق الراحلين الكثر، الآن تذهب إلى حيث لا تهديد مجدّدًا، ولا قناصةً على المبنى المجاور يترقبون اللحظة الذهبية، ولا طائرات بالأعلى تتقيّأ حملها كلّه فوق رأسك.
اليوم تذهب يا حسن، لتنام، ولا تحلم بشيء، لا بوطن غير محتل، ولا بجرح ملتئم، ولا برفاق يعودون... الآن أخذت تأشيرة عبور أخرى إلى دار أخرى، لا الناس فيها نفس الناس، ولا التعب فيها ولا الأرق، وإنما بعون الله روح وريحان وجنة نعيم، حيث حمزة، ووليد، وإسماعيل، وكلّ الذين ظننت لقاءهم بحجم المسافة ما بين السماء والأرض، الآن ترحل مغدورًا بقصف العدو الإسرائيلي الحقير، وبوشاية الفلسطينيين الذين تخلعهم فلسطينيتهم وتلقيهم بأقرب سلّة قمامة، وقد بلغوا منك مبلغهم، وقد بلغت أنت من الله مبلغك، ليرتاحوا مؤقتًا ويتعبوا أبدًا، وينتهي تعبك المؤقت وترتاح أبدًا، والليلة يا حسن، سينام الجميع، هم، وأنت، وحتى نحن، لا إشعارات كلّ دقيقة بكلّ خبر في غزّة، ووحدها غزّة، لن يزورها يا حسن النوم!
الكاتب : بكر أبوبكر
استطاعت السياسة الأمريكية المؤدلجة أن تحقق نقاطًاً كثيرة في صالحها كدولة مهيمنة على العالم حتى الآن، وفي صالح سياسة الرئيس الأمريكي الحالي الهجومية والمتقلّبة والخداعة معًا، وهي السياسة التي حار الكثيرون في تفسيرها ما بين رغبة عارمة باستمرار السيطرة على العالم، أو لاحقًا اقتسام هذا العالم مع القوى الكبرى الصاعدة والدوس على (او التواطؤ ضد) مَن لا يستطيع النهوض من دول أو كيانات، وما بين عقلية الهيمنة المقدسة للرئيس الامريكي وحقّه، الذي لا يحق لأحد أن ينازعه عليه، من نهب العالم ما كان من شأن الاستخراب (الاستعمار) العالمي الأوروبي السابق.
استطاعت الدبلوماسية الأمريكية المتقلّبة للرئيس الامريكي والخادعة أن ترسل للعالم رسائل متفاوتة ومحيّرة ومقلقة، ويفهمها الراسخون بوعي القوة الأمريكية، فمن يستطيع أن يصمد في مواجهة الثور الأمريكي الهائج قد يجلس على الطاولة، ومن لا يستطيع الصمود وينهار من الهجوم يتم الدوسُ عليه، أو التواطؤ مع الدول الكبرى الأخرى عليه والانتقال للمرحلة الثانية.
السياسة الامريكية الترَمبية التي تعمد على تحقيق الرواج (بالانجليزية ترند) تتوافق مع شخصية الرئيس ترَمب الاستعراضية التي تموتُ حبًا بالأضواء، ما بين رغبته أن يصبح البابا ولو بشكل ساخر، وبين رغبته بضم دول أخرى كثيرة، وبين سعيه لتدمير غزة وتهجير الفلسطينيين الى كذبه بهذا الشأن، ومع ذلك قبوله للهدايا والعمل مع دول الخليج بالحفاظ على ركيزتين الأولى الحفاظ على أمن الدولة الإسرائيلية، واستمرار التدفق التجاري الاقتصادي نحو أمريكا من جهة وبما لا يغفل عن تأبيد بقاء شركات الرئيس الحالي ما بعد انتهاء فترته الرئاسية.
المحللون الامريكان متيقّنون من أن القوة الأمريكية رغم نظرية (القدر المتجلي/من حقنا سيادة العالم) الى أفول معجّل أو مؤجّل، أي ولو بعد حين مقابل الصين العظمى الصاعدة بيقين وصبر وثبات تحسد عليه (نظرية تجرع المرارة). وكنت قد أشرت بمقال سابق لعديد النظريات الأمريكية المدعّمة بالأرقام حول ذلك، والتي تقول أيضًا أن كل ما تفعله السياسة الامريكية (المؤدلجة) ما فوق ترَمب هو لتأخير الوصول الى هذه الحالة، فهي سياسة (عميقة) تعي وتفهم جيدًا، لذلك انبرى المفكرون الامريكان للبحث ليس في التفوق الذي انتهى! وإنما بتأخير الوصول لتلك المرحلة التي سيجلس فيها الامريكي مع الصيني والروسي وربما دول أخرى ناهضة ليصيغوا طبيعة النظام العالمي الجديد القادم حتمًا (نظرية التحالف، والتواطؤ-الكونشيرتو).
رغم عقل الصفقات، العقل التجاري للرئيس الأمريكي الحالي الا أن السياسة الامريكية العميقة أو المؤدلجة تستطيع أن تستخدم كل السياسات حتى المتقلبة أو الخدّاعة لمصلحة الأمة الامريكية وليست المشكلة هنا في الأمريكي الذي يفهم ويتوقى وإنما المشكلة في رأس الدول (أو الكيانات او الأحزاب) الخاضعة اقتصاديًا وسياسيًا ونظاميًا بل والمفتونة نفسيًا للهيمنة الامريكية حيث يواظبون على التقرب من الامريكي مظنّة الحفاظ على استقرار دولهم او أنظمتهم ما هو بالحقيقة ليس في أولوية الأمريكان .
قال الفلسطينيون والمثل الشعبي العربي (مَن يجرّب المجرب عقله مخرب) لذلك فإن النظام الأمريكي السياسي المؤدلج بفكرة الهيمنة والسيطرة والتمدد ونهب العالم وإرهابه لا يمكن أن يقبل من الصِغار أن يتفاوضوا معه! ما هو متاح فقط للكبار. لذلك كتبنا أن القوة العربية الموحدة فقط هي ما يمكنها أن تضع مصالح الأمة فوق إرادة الامريكي وإلا فإن دول الأمة العربية مهما بلغت كل دولة-او ظنت أنها بلغت-من القوة فلن تستطيع أن تجعل الأمريكي يراها، فهي ليست إلا إناء صغير أو كبير يتم الأكل منه فقط، أو سرقة كل الاواني بما فيها بلا خجل وبلا أدنى إحساس بضرورة دفع الثمن.
الرئيس الأمريكي ترَمب طرح صفعة العصر (عام 2020م) بإسقاط الدولة الفلسطينية القائمة والتي تحتاج فقط لتحريرها من الاحتلال، وأعطى الجولان للإسرائيلي هدية! ولم يعترض على الاستعمار (الاستيطان) بالضفة، ونقل سفارته للقدس، كما يعطي بعض أجزاء أكرانيا للروسي مؤخرًا، وطرح بحق غزة (فلسطين لم ترد قط في تفكيره) ما لم يقله أي عاقل! ومع ذلك ومؤخرًا تساوق فصيل "حماس" مع الأمريكان دون أن يعي فكرة (مَن يجرّب المجرّب عقله مخرب) فلا هو ممثل الشعب الفلسطيني الذي قال لا 12 مرة لصفعة القرن، ولا هذا الفصيل-المتهم بالإرهاب عالميًا- بقوة تستطيع أن تناطح لتجلس على أي طاولة قادمة قط، فلن تحقق بالعلاقة مع الامريكي الا انخداعها، وتحللها من التزاماتها الوطنية الوحدوية لتبدو فصيلًا لايقيم وزنًا الا لذاته فقط على حساب القضية أو التمثيل الموحد أو الشعب.
أعطى فصيل "حماس" الفلسطيني الذريعة اللازمة للامريكي المتقلب والخادع ليقول أنه قد حقق منجزًا "عظيمًا" حينما أطلق سراح الأسير الامريكي-الإسرائيلي ليدخل منطقة العرب بأرجل ثابتة وبصورة المنتصر!؟ ظانًا أنه يضمن بقاء الفصيل أو قادته أو ظانًا أنه يناور لمصلحة غزة! وقد أخطأ كثيرًا في معظم مراحل العدوان ضد فلسطين وضد غزة، ومازال يسقط في حفرة تلو الأخرى بلا أية امكانية لرؤية النور الساطع القادم فقط من بين "الركام" الوطني الجامع الذي مهما قلنا بشأنه سلبًا او إيجابًا، فهو الوحيد القادر على انتشال القضية والشعب، والفصائل من تساوقها أو انخداعها سواء بالامريكي او الإسرائيلي أو انخداعها بذاتها وقوتها المنفردة التي تلاشت.
الكاتب : راسم أصلان
في ظل التحولات الكبرى التي فرضتها الثورة الرقمية، لم تعد المنصات الاجتماعية مجرد أدوات تواصل، بل تحوّلت إلى الساحة الأوسع لتشكيل الرأي العام وصناعة الانطباعات. وهنا، يُعاد تشكيل مفهوم السلطة والتأثير، فلم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا، بل أصبح فاعلًا رئيسًا في إنتاج المعنى، وفي رسم صورة القادة وصناعة سمعتهم.
في هذا المشهد المعقد، يظهر علم الاتصال كأداة أساسية لإدارة المواقف، وتوجيه التوجهات، وصياغة الرسائل، وبناء الهوية الرقمية والسمعة الرقمية، لا سيما بالنسبة للقادة السياسيين، الذين أصبح حضورهم الرقمي اليوم جزءًا لا يتجزأ من شرعيتهم السياسية.
من التفاعل إلى التأثير: الاتصال الاستراتيجي ضرورة سياسية واستعادةٌ للرواية ...
لم يعد بإمكان أي قائد سياسي أن يقف على هامش الفضاء الرقمي، فالجمهور يتابع، يُحلّل، يُقيّم، ويشارك، وما يُنشر من صور أو تصريحات أو مواقف لم يعد شأنًا خاصًا، بل يُبنى عليه توجهات الجهور والرأي العام، ويُتخذ على أساسه الموقف إن كان نقدًا إيجابيًا أو غير إيجابي.
وإن الاتصال الاستراتيجي لم يعد نشاطًا ملحقًا، بل ضرورة وجودية، وسلاحًا ناعمًا في معركة العالم الرقمي ومن أدواته الفاعلة، وأبرز استراتيجياته تتمثل في هندسة الجمهور، وبناء الهوية الرقمية، وإدارة السمعة الرقمية.
هندسة الجمهور: افهم مواقف الناس قبل أن تخاطبهم ...
تُعد هندسة الجمهور أداة اتصالية تهدف إلى فهم احتياجات الجمهور بعمق: من هم؟ ما الذي يؤثر عليهم؟ ما اللغة التي تلامسهم؟ فالقائد السياسي الذي يتقن هذه الاستراتيجية، لا يكون فقط صانعًا للخطاب، بل شريكًا في تشكيل وعي جمهوره، ويضمن أن تصل رسائله بالشكل الذي يحفّز التفاعل الإيجابي، ويعزز الثقة، ويؤثر في مواقف الناس واصطفافاهم.
الهوية الرقمية: مرآة القائد في الفضاء الرقمي ...
الهوية الرقمية لا تُبنى من كلمات فقط، بل من كل ما يصدر عن القائد أو يُنسب إليه من تصريحاته، وصوره، وطريقته في الرد والحوار، وحضوره في الفيديوهات، وطبيعة تفاعله مع الناس. وعليه، فإن بناء الهوية الرقمية يحتاج إلى وضوح الرسالة، واتساق الخطاب مع الأفعال، واستمرارية الظهور والحضور، والرد على التعليقات، وعدم الاكتفاء بالظهور الموسمي أو المرتبط بالأزمات فقط، فالهوية الرقمية القوية تُعزز الثقة، وتُعبّر عن المصداقية، وتُشكّل نقطة التقاء بين القائد وجمهوره.
السمعة الرقمية: رأس المال للقائد في زمن العالم الرقمي ....
السمعة الرقمية هي حصيلة تفاعل الجمهور مع هوية القائد الرقمية، وهي لا تُصنع داخل الغرف المغلقة، بل تبنيها انطباعات الناس، وصورتهم الذهنية من خلال تعليقاتهم، وردود أفعالهم، وسياق انتشار المحتوى. وهنا، تأتي أهمية الربط بين هندسة الجمهور وإدارة السمعة، بحيث تصبح إدارة السمعة الرقمية ممارسة استباقية لا ردود فعلية، تسعى إلى توجيه الخطاب، وبناء الانطباعات، وتعزيز الثقة واستدامتها، وتقليل فرص التشويه أو إساءة الفهم.
الاتصال الاستراتيجي ضرورة وطنية ...
لم تعد الحاجة إلى اتصال سياسي جديد مجرد مطلب فني، بل ضرورة وطنية ينتقل من خلالها الخطاب الموسمي إلى الاتصال المستدام، ومن البيانات الجافة إلى الرسائل الإنسانية، ومن الحسابات الرسمية إلى الصفحات الرسمية الموثقة التي تحمل الهوية الرقمية الحقيقية للقادة والمؤسسات.
ويعد بناء فرق اتصال محترفة، تعمل وفق استراتيجيات مدروسة، وتتقن أدوات التأثير الرقمي، خطوة نحو تجديد العلاقة بين القيادة والجمهور، وتعزيز العلاقة بينهما القائمة على الفهم والتواصل، لا على العزل أو التبرير.
وهنا، تحتاج القيادات السياسية إلى تبنّي منهجية اتصال حديثة، ترتكز على تحليل الجمهور أولوياته ورؤيته المستقبلية، وتأسيس هوية رقمية متماسكة تعكس المشروع الوطني بكل تنوعاته، وإدارة السمعة الرقمية للقادة كمهمة مؤسسية دائمة، وليست رد فعل عند الأزمات فقط، وبناء فرق اتصال مؤهل، يتقن أدوات العالم الرقمي ويعمل وفق استراتيجية واضحة، وهذا ما يؤثر على توجهات الرأي العام وتماسك الرأي الوطني الداعم للقيادة.
الكاتب: مروان إميل طوباسي.
في خضم التغيرات المتسارعة في السياسات الأميركية تجاه الشرق الأوسط، يبرز مقال توماس فريدمان الأخير كمؤشر على تحول في نبرة الخطاب، إن لم يكن في جوهر السياسة. فريدمان، الذي طالما دافع عن إسرائيل، يوجه هذه المرة سهام نقده نحو حكومة نتنياهو، متهما إياها بتقويض التحالفات الإقليمية وزعزعة الاستقرار . هذا الخطاب، المتقاطع مع توقيت حساس لتحركات دونالد ترامب الإقليمية، يثير تساؤلات حول ما إذا كانت فلسطين تعود مجددا كورقة تفاوض في لعبة المصالح الكبرى ، لكن ليس من باب الحقوق بل من باب الحسابات .
في مقاله بتاريخ ٩ أيار الجاري، قدّم فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز رسالة سياسية واضحة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب ، مفادها أن "هذه الحكومة الإسرائيلية لم تعد حليفتنا". المقال لا يكتفي بانتقاد السياسات الإسرائيلية المتطرفة بقيادة نتنياهو، بل يحمّلها مسؤولية تقويض المشروع الأميركي في الشرق الأوسط، والدفع نحو فوضى إقليمية تهدد الأردن ومصر وتحرق ما تبقى من فكرة "حل الدولتين".
المفاجئ في المقال أن فريدمان، المعروف بتأييده التقليدي لإسرائيل، يشيد بما يراه استقلالية في مواقف ترامب تجاه نتنياهو ، واصفا تجاهله له بأنه خطوة في الاتجاه الصحيح . كما يشير إلى أن حكومة إسرائيل الحالية لم تعد تُعطي الأولوية للأمن أو السلام ، بل تسعى للضم والتهجير وترسيخ الهيمنة القومية والفوقية الدينية المتطرفة، بما يهدد أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي العربي الذي تأسس منذ سبعينيات القرن الماضي برعاية أمريكية .
من هذا المنطلق ، يمكن قراءة المقال كمقدمة إعلامية وسياسية لأحتمال تغيّر في السياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية . فحين يُعلن فريدمان أن حكومة نتنياهو لم تعد حليفة ، ويذكر بأن خطة ترامب الأولى تضمنت شكلاً من دولة فلسطينية منقوصة ومنزوعة السلاح ، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام ترامب لتقديم "مفاجأة سياسية"، لا تعكس بالضرورة انحيازاً لشعبنا وقضيته الوطنية العادلة ، بل تسعى لتسجيل إنجاز خارجي يعزز موقع ترامب التفاوضي في زيارته المرتقبة إلى السعودية والإمارات وقطر، ويمنحه نقاط تفوق على إدارة بايدن، خاصة في ظل التنافس مع الصين وروسيا ، وسعيه للسيطرة على الموارد الإقليمية من النفط والغاز والمعادن والممرات البحرية.
ورغم الشكوك الكبيرة باعتقادي في إمكانية إقدام ترامب على أعتراف جاد بدولة فلسطينية ، لأسباب بنيوية في التحالف الأميركي الإسرائيلي وأهمها العقائدي ، فإن هناك معطيات تشير إلى استخدام الورقة الفلسطينية تكتيكياً من أهمها :
١. إعادة ترتيب التحالفات، إذ بدا ذلك في قرار ترامب بقطع الاتصال مع نتنياهو، وربما بفصل بعض الملفات الإقليمية عن النفوذ الإسرائيلي، كما ظهر في محادثات واشنطن مع إيران والحوثيين .
٢. ورقة ضغط سياسي ، حيث قد يستخدم ترامب "الاعتراف المشروط" كورقة ضغط داخلي وخارجي، أو لتعزيز تيارات داخل الحزب الجمهوري بدأت ترى في إسرائيل عبئاً، وفي الوقت ذاته، لتقوية موقع السلطة الفلسطينية مقابل حماس التي يتم التفاوض معها ، دون التزام بحل عادل ينهي الأحتلال الأستيطاني .
٣. صيغة تسوية شكلية ، قد تطرح إدارة ترامب دولة فلسطينية شكلية بلا سيادة حقيقية وحدود واضحة ، تخدم الأمن الإقليمي الأميركي وتقيد النفوذ الإيراني ، دون أن تنطبق عليها تعريفات الدولة حسب القانون الدولي .
في هذا السياق ، تمثل تصريحات فريدمان مؤشرا على تحولات أعمق في المزاج السياسي الأميركي . لكنها في الوقت نفسه تنذر بخطر إعادة استخدام القضية الفلسطينية ضمن ترتيبات إقليمية أوسع تشمل السعودية ودول الخليجز، ومحاولات "إعادة تعويم" السلطة الفلسطينية في مقابل قوى فلسطينية أخرى ، ضمن مشروع إقليمي يعيد تموضع واشنطن لخدمة مشىروع الشرق الأوسط الجديد ، دون تغيير جوهري في الواقع الأستعماري المفروض على أرضنا.
إن خطورة هذه التوجهات تكمن في احتمال تقديمها كحلول وسطية ظاهرها الاعتراف بالدولة ، وباطنها مقايضة الحقوق الوطنية بتفاهمات أمنية واقتصادية ، تَفرض علىينا نحن الفلسطينيين القبول بوضع دائم دون استقلال وطني وسيادة أو كرامة وطنية . ورغم ذلك ، فإن الخطاب الجديد قد يشكل نافذة ضغط وفرصة سياسية ، إن أُحسن أستثمارها فلسطينياً، للتمسك بالثوابت الوطنية، وعلى رأسها إنهاء عدوان الإبادة فورا كما وإنهاء الأحتلال والأستيطان وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود ما قبل الرابع من حزيران ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية، وحل قضية اللاجئين وفق القرار ١٩٤.
المطلوب اليوم ليس الإنخداع بوعود سراببة أو تحركات تكتيكية ، بل بلورة رؤية وطنية صلبة تستثمر المتغيرات والتناقضات الدولية لصالح قضيتنا ، دون الوقوع في فخ "السياسات الذكية" التي تنتهي بتطبيع الأحتلال أو القبول بالتعايش مع الوضع القائم .
فاللحظة الراهنة ، بما تحمله من متغيرات وتناقضات ، تستدعي من منظمة التحرير والحركة الوطنية الفلسطينية كافة ، وخاصة من الشباب الفلسطيني، أن يتحملوا مسؤولياتهم في تجديد المشروع الوطني التحرري وتوحيد الصفوف على قاعدة الحقوق غير القابلة للتصرف والعمل الوحدوي الديمقراطي . ففرص التغيير لا تُمنح من أحد بل تُنتزع ، والرهان الحقيقي هو على وعي شعبنا وإرادته في تحويل أي متغير سياسي إلى رافعة نضالية تُقربنا من الحرية والأستقلال الوطني ، لا أن نُختزل في حسابات الآخرين أو نُستعمل كأوراق في سوق الصفقات .
الكاتب : فراس ياغي
هناك فرق بين إسرائيل التي تم صناعتها وفق رؤية غربية من حيث الوظيفة والأيديولوجيا وبين طموحات نتنياهو الشخصية والمغلفة أيضا برغائب أيديولوجية، لذلك الرؤيا الترامبية للشرق الأوسط تندرج في سياق الصناعة من حيث الايديولوجيا ومن حيث الوظيفة، وهذا يتعارض بشكل كبير مع طموحات نتنياهو وفريق إئتلافه الحاكم بقوة الأغلبية البرلمانية، وعليه أعتقد أن الخلافات القائمة لا تتعلق بالإستراتيجيات المتفق عليها، وإنما ترتبط بالواقع الداخلي في إسرائيل والذي تهيمن عليه الأقلية التي لها أغلبية في الكنيست، وهذه الأقلية يحكمها مصالح إما شخصية أو قطاعية او أيديولوجية، ولا يحكمها منطق إستراتيجي دولاتي، أي أن إستراتيجية الدولة وفقا لرؤيا الصانع لها والداعم تتقاطع مع رؤية الأغلبية فيها، في حين تتعارض مع رؤية اصحاب الأجندات الخاصة وعلى رأسها نتنياهو .
وعليه فإن نقاش واقع الحال الذي وصلت إليه العلاقة الأمريكية - الإسرائيلية يجب النظر لها بمنظارين، وليس بمنظار السيد والتابع، وهنا اقصد:
أولا- هناك خلاف بين رؤيا الرئيس ترامب وإدارته وبين تطلعات نتنياهو ورفاقه من سموتريتش وبن غفير
ثانيا- هناك توافق بين مشروع ترامب وإدارته وبين الدولة في إسرائيل، فالنظام السياسي الدولاتي في إسرائيل يتفق مع الرؤيا الأمريكية لأنها تنقذه اولا واخيرا من دولة نتنياهو والصهيونية الدينية التي تريد أن تهيمن وتسيطر على النظام الدولاتي في الدولة، وبما يؤسس لنظام دولة منبوذ لا يشكل قاسما مشتركا او وعاءا للكل اليهودي ولا يتماشى مع رؤية الصانع الغربي، اي أنها رؤية تعزل نفسها وتترك إسرائيل النتنياهوية كسفينة في بحر تتلاطمه الامواج .
إن الخلاف والقطيعة بين ترامب ونتنياهو، هو خلاف جوهري وليس شكلاني، اي أن المعضلة تكمن في المشروع الذي يريد أن يطرحه الرئيس ترامب، وهذا المشروع الذي يعطي إسرائيل ما ليس لها ويتناقض مع قرارات الشرعية الدولية اصلا، لا يوافق عليه نتنياهو واقطاب حكومته، لأن مجرد الموافقة تعني بداية النهاية لدولة إسرائيل المصطنعة .
إذا ما هو مشروع ترامب للمنطقة؟ ولماذا يرفضه نتنياهو؟
بداية أشير إلى الجوهر في الخلاف بين الإثنين ليس في حرب الإبادة على غزة، ولكنها اصبحت خط البداية وخط النهاية، بمعنى أنها فتحت آفاقا للتطهير العرقي والتهجير والضم والسيطرة في عقلية من وجد في الطوفان "السابع من تشرين الاول/اكتوبر"، فرصة لتنفيذ أجندة تنقذ رقبته من حبل المشنقة وتؤسس له تاريخا يؤرخ الإنجازات غير المسبوقة بدل أن تسجل في تاريخه وصمات عار وعلى رأسها الإخفاق بل الهزيمة المخزية في السابع من اكتوبر .
إذا البداية أعلاه تلخص الموقف من مشروع الرئيس ترامب والذي يعتمد على عناصر تؤسس له الحصول على جائزة نوبل للسلام الذي يطمح في الحصول عليها، ومشروعه مرتبط بمفهوم السلام بالقوة، اي فرض السلام بشكل قسري على كل الأطراف في المنطقة، وبحيث يؤدي إلى:
اولا- توسيع الإتفاقيات الإبراهيمية ويتصدر ذلك التطبيع بين السعودية وإسرائيل، وهذا يتطلب وقف الحرب على غزة ومسار حل للقضية الفلسطينية
ثانيا- حل القضية الفلسطينية وفقا لرؤيا كيانية في غزة تتبع لها كانتونات الضفة الغربية التسعة "كتبنا مقالا تفصيليا حول ذلك عام 2018"، وهذا يتطلب وجود حكومة في إسرائيل تدعم ذلك " الآن غير موجودة"، ووجود قيادة فلسطينية توافق على ذلك "تم تحضيرها بمسمى الإصلاحات"
ثالثا- متطلبات المشروع الترامبي تتوافق مع الرؤيا الأيديولوجية للمسيحانيبن "الانجليين الصهاينة"، من حيث السيطرة والسيادة على القدس وعلى أغلبية الضفة الغربية وبقاء كل الاستيطان تقريبا ما عدا العشوائي وضم الأغوار .
رابعا- متطلبات المشروع الترامبي تعني توطين اللاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين والعنوان لذلك هي سوريا "الشرع"
خامسا- تكامل إقتصادي وأمني في المنطقة عبر إعتبار الدولة اليهودية جزء لا يتجزأ من المنطقة وبشكل طبيعي، بعد إنهاء مفهوم الصراع القائم والذي اساسه ومركزه القضية الفلسطينية .
سادسا- تحقيق ذلك سيؤسس لنفوذ أمريكي نقي تقريبا على المنطقة ككل بعد الاتفاق النووي مع إيران وإدخالها أيضا في المنطقة، مما يعزز موقف واشنطن وصراعها مع الصين، ويتم إستغلال المنطقة الغنية بالثروات لإعادة أمريكا عظيمة مرة أخرى .
هذا المشروع بالتأكيد هو لصالح الدولة الصهيونية، لكنه يتناقض كليا مع مشروع نتنياهو الخاص ومشروعه الأيديولوجي المشترك مع الصهيونية الدينية، وهو مشروع القوة ومزيد من القوة وفرض الإخضاع والسيطرة والضم والتهجير على الضفة وغزة والمحيط العربي وفق رؤيا السيد الصهيوني والتابع العربي، وهذا المشروع يؤسس ويدفع نحو مزيد من الصراع ويورط أمريكا في حروب "الحرب مع الحوثي قبل الاتفاق" وعلى رأس ذلك مع "إيران"، وعليه فإن مشروع الرئيس ترامب سيؤدي إلى:
1- وقف الحرب على غزة أولا والتطبيع بين السعودية وإسرائيل ثانيا وفتح مسار للتسويات السياسية ثالثا
2- سيؤدي حتما لسقوط نتنياهو ومحاكمته لاحقا وسقوط حكومته
3- سيضع حدا للتطلعات الناتجة عن الإنجازات التكتيكية الإسرائيلية ما بعد السابع من تشرين اول/أكتوبر 2023، وسينهي حلم نتنياهو في تسجيل تاريخ جديد يؤرخ له ويغطي فيه على وصمات العار التي تلاحقه من فساد ورشوة وإحتيال وخيانة الأمانة، وفوق ذلك كله الإخفاق والسقوط للهاوية في الطوفان السنواري
4- سيوسع الإتفاقيات الإبراهيمية لتشمل سوريا ولبنان "توطين اللاجئين الفلسطينيين"
إذا مشروع الرئيس ترامب بالضرورة يستدعي إحداث تغيير في الداخل الإسرائيلي والداخل الفلسطيني، كون البقية من العرب هي أصلا جاهزة، والعجم "إيران" تبحث عن اتفاق نووي مشرف، و "تركيا" نفذت المطلوب منها في "سوريا" وتبحث عن دور لها في المنطقة .
نستطيع القول أن الوضع الفلسطيني يتم تحضيره جيدا، بل يبدو لي انه اصبح تقريبا في حالة الجهوزية، كارثة غزة فرضت واقعا جديدا وتستدعي حلا إنقاذيا، وما اسموه إصلاح "نائب الرئيس" سيكون دوره في إعطاء الضوء الأخضر بالموافقة على مشروع ترامب وتحت حجة إنقاذ ما يمكن إنقاذه .
المشكلة كالعادة كانت ولا تزال وستبقى في إسرائيل ومع نتنياهو وحكومته الذين لن يوافقوا مطلقا على مشروع الرئيس ترامب للحل النهائي "سابقا لم يوافقوا على صفقة القرن الأولى بسبب وجود مصطلح دولة فلسطينية"، بإعتبار ذلك لا يخدم لا التطلعات الشخصية لنتنياهو، ولا التطلعات الأيديولوجية الأخرى .
العرب ومعهم إيران وتركيا، لن يعترضوا وسوف يتعاونون ما دامت شروطهم مقبولة، إيران تبحث عن إتفاق نووي يرفع العقوبات، والسعودية تبحث صفقات عسكرية واتفاق دفاعي مشترك ومفاعل نووي سلمي، في حين وقف الحرب على غزة ومسار التسوية للقضية الفلسطينية هو مقابل التطبيع، وتركيا تبحث عن دور ونفوذ في المنطقة يحقق لها مصالحها ضمن دائرة تقاسم النفوذ .
الآن الامور تتضح، رغم انها كانت واضحة لمن قرأ توجهات الرئيس ترامب والذي يبحث عن حلول نهائية وفرضها على جميع الأطراف بالقوة الناعمة اولا قبل اي شيء آخر، والمشهد جاهز للعرض ومن يعطله فقط "نتنياهو"، ومن هنا حدثت القطيعة بين الرئيس ترامب ونتنياهو، أو بالعامية "الرئيس ترامب حردان ودار وجهه عن صديقه نتنياهو " .
إن الضجة الإعلامية ومحاولة تضخيم الخلافات بين الرئيس ترامب ونتنياهو وبالذات في إسرائيل، يأتي في سياق الضغط إما لدفع نتنياهو للموافقة وأجزم أن هذا مستبعد في الحالة الراهنة، أو للدفع لإسقاط نتنياهو وحكومته أي إحداث تغيير في المشهد السياسي الداخلي الإسرائيلي، ومن سيتصدر ذلك هي الأحزاب الحريدية "حزبي شاس ويهود هتوراة"، لماذ؟ لأن إستمرار الحروب سوف يدفع ويعجل التجنيد الإجباري للحريديم تحت عنوان "توزيع الأعباء"، لكن وقفها سيؤخر من ذلك بعض الشيء وقد يكون ذلك ضمن صفقة مع المعارضة بضغط أمريكي، وبحيث يحدث توافق بين الحريديم وبين الصاعد "بينت" والطامح "غانتس" .
الأيام القادمة ستظهر بوضوح إذا ما كان نتنياهو سيخفض رأسه للعاصفة القادمة وتحت عنوان المناورة لكسب الوقت "التلاعب الذي يكرهه الرئيس ترامب والذي كان سببا في القطيعة"، أو الرفض المباشر وهذا ما صرح به نتنياهو عندما تحدث عن "الدفاع عن النفس منفردا"، أي أن خططه لا تزال هي مشروعه القائم .
إستعجال الرئيس ترامب للإعلان عن مشروعه سيشكل أداة ضغط كبيرة ضد نتنياهو، لكن لن يرافق ذلك عقوبات أو تخلي عن إسرائيل، بل ستبقى أمريكا تدافع عن إسرائيل، لذلك نحن في مرحلة خطرة جدا قد تدفع نتنياهو نحو الهروب للأمام وإستدعاء حرب أخرى "إيران"، إضافة إلى تنفيذ الخطط الخاصة بقطاع غزة ويبدو أن نقل الدبابات الجاري يوضح القادم .
بين واقعية الرئيس ترامب وبرغماتيته وطموحه في فرض السلام في العالم والحصول على جائزة نوبل للسلام، وأوهام نتنياهو تكمن كل القضية الآن، وبين الإستعجال في ما يريده الرئيس ترامب وما يريده نتنياهو، تقف الدبابات الإسرائيلية على تخوم غزة إستعدادا لتنفذ خطة رئيس الأركان إيال زمير .
لحظات الحقيقة تتسارع ومعها لحظات التصعيد وقلب الطاولة على مشروع الرئيس ترامب، والعنوان القادم بعد او مع "غزة" هي "إيران"، خاصة انه مهما فعل نتنياهو حتى لو قام بتوجيه ضربة منفردة ل "إيران" فأمريكا لن تتخلى عن إسرائيل، فهناك روحها وإكسير حياتها .
الكاتب : الدكتور مصطفى البرغوثي
لم يعايش جيل الشباب الفلسطيني والعربي الحالي ما عايشه جيلنا من متابعة للنضال البطولي الذي خاضه شعب فيتنام من أجل حريته واستقلاله... أذكر تماماً ذلك اليوم، الأول من مايو/ أيار، قبل 50 عاماً، عندما شاهدنا هروب القوات الأميركية المعتدية، ومن معها من حلفائها، من مدينة سايغون، التي أصبح اسمها اليوم هوشي منه، على اسم مؤسّس نضال فيتنام وقائده ورئيس دولتها، وتركت خلفها، وهي تجرّ أذيال الخيبة، عملاءها وأعوانها غارقين في وحل عمالتهم وذلّهم بعد أن تخلت عنهم. وأمّا نحن الطلاب الفلسطينيين، فكان ذلك اليوم يوم انتصار لنا أيضاً، كما كان يوم انتصار لإرادة كل الشعوب المناضلة ولحركات التضامن العالمية، بمن فيها حركات أميركية مناهضة للعدوان على فيتنام في الولايات المتحدة نفسها، والتي شارك فيها قادة عظام، مثل مارتن لوثر كينغ الذي دفع حياته ثمناً لنضاله ووقوفه إلى جانب المظلومين.
لم تخُض فيتنام حرباً واحدة ضد الاستعمار في العصر الحديث، بل خاضت حربين ضد استعمارين، الاستعمار الفرنسي الذي كنسته من أرضها بعد معركة ديان بيان فو، عام 1954، ثم ضد الإمبريالية الأميركية بكل جبروتها العسكري لتحرّر جنوب فيتنام في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
صحيحٌ أن فيتنام استندت إلى دعم حليفيها، الصين والاتحاد السوفييتي، ولكن العامل الحاسم كان صمود الشعب الفيتنامي وبطولته، فقد قاتل وحده دفاعاً عن وطنه وعن حرّيته بالاستناد إلى دعم أحرار العالم. ولم تكن رحلة فيتنام من أجل الحرية طريقاً سهلاً، بل مليئة بالتضحيات والآلام. ولعلي أذكر هنا أرقاماً مذهلة لما تعرّض له ذلك الشعب الباسل.
صحيحٌ أن فيتنام استندت إلى دعم حليفيها، الصين والاتحاد السوفييتي، ولكن العامل الحاسم كان صمود الشعب الفيتنامي وبطولته .
ألقى الأميركيون 14 مليون طن من المتفجرات على فيتنام، تركت 43 مليون حفرة في أرضها، بما في ذلك قنابل النابالم والمواد السامة، مثل مادة الأورانج، التي قضت على الزراعة وسبّبت أمراضاً خطيرة، منها السرطان وتشويه الأطفال . كما ألقوا على فيتنام القنابل الزلزالية التي كانت تدمر كل ما هو حي في دائرة قطرها ثلاثة كيلومترات، وخرّبوا 43% من الأراضي الزراعية، وقصفوا 75% من القرى، بما في ذلك ثلاثة ملايين منزل وخمسمائة مستشفى وعيادة ومعابد وكنائس ومجمل البنية التحتية بما في ذلك الطرق والجسور والسكك الحديد.
وحاول المعتدون إحداث التخريب والتشويه الثقافي والمعنوي والاجتماعي، فنشروا نصف مليون جندي أميركي ومليوناً آخر من جنود دول حليفة أخرى، وعاثوا فساداً في المجتمع في جنوب فيتنام عشر سنوات، وفرضوا أسواق بغاء، ونشروا المخدّرات، وخلفوا، عند رحيلهم بعد هزيمتهم، نصف مليون امرأة ضحايا للابتزاز والاستعباد الجنسي، ونصف مليون طفل يتيم، ونصف مليون مدمن للمخدرات.
لم تستسلم فيتنام، ولم تقبل تجزئة وطنها إلى شمال وجنوب، ولم يتكئ أهل الشمال على انتصارهم على الفرنسيين، ولم يتخلوا عن الجنوب، بل واصلوا نضالهم لتحريره، وقدّمو أكثر من مليون شهيد في مسيرتهم الكفاحية. ويذكر المناضل والقائد الفلسطيني صلاح خلف (أبو إياد)، في مذكّراته "فلسطيني بلا هوية"، أنه فوجئ عندما زار شمال فيتنام في أثناء الحرب بأنه لم يكن في عاصمتها هانوي سوى ثماني سيارات يستعملها أركان الدولة، والباقون يستعملون الدرّاجات، فكل الجهد وكل الطاقات كانت مسخّرة للنضال والكفاح، والقادة قبل الناس كانوا يتقشّفون لدعم احتياجات مقاومة شعبهم.
رمّمت فيتنام دمارَها، وأصلحت بعد انتصارها كل ما خرّبه المستعمرون، واليوم تنهض دولةً حرّة مستقلة موحدة وقوية اقتصادياً يتسابق رجال الأعمال للاستثمار فيها، بل أصبحت الى جانب الصين من أقوى اقتصاديات آسيا، وأعادت بناء كل ما دمّره الأميركيون، بل طوّرت صناعة متفوّقة على المستوى العالمي.
لم يخضع قادة فيتنام للدعوات الانهزامية، التي كانت تقول لهم سنوات: أنتم تحاربون أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم ولا يمكن ان تنتصروا. ولم يسمحوا لآلامهم وأحزانهم أن تتغلّب على إرادتهم في الحرية والكرامة والنصر، لأنهم فهموا أن الخضوع يعني ذلاً أبدياً، وعبوديةً مستمرّة، وضياعاً ليس فقط لحرّيتهم وكرامتهم، بل أيضاً لوطنهم نفسه إلى الأبد.
والتاريخ مليء بالنموذجين، من خضعوا وهانوا فاختفوا من التاريخ البشري، ومن صمدوا وكافحوا وتحدّوا رغم معاناتهم وانتصروا في نهاية المطاف، كما فعلت شعوب فيتنام والجزائر وجنوب أفريقيا وغيرها... أكتب هذا ليوجّه إلى كل الذين يلومون الشعب الفلسطيني أينما كان، خصوصاً في غزّة الباسلة، على إصراره على مواصلة النضال والكفاح من أجل حريته وبكل وسيلة ممكنة. وردّاً على الذين يشكّكون في قدرة الشعب الفلسطيني المهدّد بالتطهير العرقي والإبادة، على الصمود والبقاء في وطنه، بعد أن أدرك أن البديل للصمود والبقاء والكفاح هو الزوال والفناء بصفته شعباً، وذلك بالضبط ما أدركه الشعب الفيتنامي من قبل، وما أدركه ثوار الجزائر الذين كانوا مثلنا يواجهون أيضاً استعماراً استيطانياً إحلالياً كذلك.
لا توجد كلمات يمكن أن تعبّر عن ألم امرأة ترى أطفالها يموتون جوعاً أو مرضاً أو قصفاً بقنابل المجرمين، أو عن ألم والد مثل إبراهيم أبو مهادي الذي فقد جميع أولاده الستة في لحظة قصف إجرامي واحدة، أو أن تصف مشاعر مُسعفين وأطباء ذهبوا ليعالجوا آلام الجرحى فوجدوا أنفسهم ضحايا للقتل، بل الدفن وهم أحياء. ولكن لا يملك أحد الحقّ الأدبي أو السياسي أو المعنوي للوم الضحية على ما يقوم به المجرمون ضدها، أو على مطالبة من يناضلون ضد القتل والموت والاضطهاد بالاستسلام... أما الشامتون بشعبهم وآلامه ومعاناته، ودعاة الهوان والاستسلام، فلن يكون مصيرُهم أفضل من مصائر الذين تخلى عنهم المستعمرون والإمبرياليون، عندما هزموا وفشلت مخطّطاتهم، وخابت مقاصدهم.
* الامين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
الكاتب : أشرف عكة
في مفارقة تاريخية، قد يشهد العام 2025 تحولاً جذرياً في الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية، الرئيس دونالد ترامب، الذي أطلق "صفقة القرن" قبل سنوات كخطة لتصفية الحقوق الفلسطينية، يُدرس الآن الاعتراف بدولة فلسطين – لكن بشروط تخدم مصالح واشنطن .
مصادر دبلوماسية في واشنطن تكشف ل"التحليل" أن البيت الأبيض يضع اللمسات الأخيرة على خطة قد تُعلن قبل زيارة الرئيس ترامب للمنطقة الاسبوع القادم ، بمشاركة سعودية فاعلة، فما حقيقة هذه الصفقة؟ ومن الرابح والخاسر؟
يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يزال يسعى إلى ترك بصمة استثنائية في السياسة الدولية،وهذه المرة من بوابة القضية الفلسطينية، التي ظلت لعقود عقدة العلاقات الدولية في الشرق الأوسط تسريبات دبلوماسية متزايدة تشير إلى نية ترامب الاعتراف بدولة فلسطينية في خطوة ستكون الأولى من نوعها لرئيس جمهوري، وتطرح أسئلة واسعة هل يسعى ترامب لتسجيل "إنجاز سلام" أم لتوظيف الملف الفلسطيني في أجندة انتخابية أميركية قادمة؟ وما موقع السعودية من هذا التحول المفاجئ؟
عودة إلى الملف الفلسطيني من زاوية جديدة "وصفقة القرن المقلوبة " ....
في خضم التحولات الجيوسياسية العنيفة التي يشهدها العالم اليوم، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام مفترق تاريخي، فبعد سنوات من السياسات الموالية لإسرائيل، بدءًا من نقل السفارة إلى القدس حتى "صفقة القرن"، تطفو على السطح تساؤلات جادة هل يُغير ترامب مساره نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية؟ وهل يمكن لهذه الخطوة، إن حدثت، أن تكون حجر الزاوية في نظام دولي جديد تتعدد فيه مراكز القوى؟منذ بداية ولايته، لم يكن ترامب يوصف بأنه صديق للقضية الفلسطينية، بل على العكس، عُرف بمواقفه المنحازة لإسرائيل، خصوصًا بعد قراره نقل السفارة الأميركية إلى القدس عام 2017 واعترافه بها عاصمة لإسرائيل ما مثّل بحسب المراقبين، ضربة مباشرة لأي أفق لتسوية عادلة،إرث الولاية الأولى خلال ولايته الأولى (2017-2021)، اتخذ ترامب مواقف وصفت بأنها الأكثر انحيازًا لإسرائيل في التاريخ الأمريكي، مما أثار غضب الفلسطينيين والعالم العربي.
الواقع الجديد ...
مع تصاعد التصعيد في الضفة الغربية وحرب الابادة في غزة (2023-2025)، والضغط الدولي غير المسبوق على إسرائيل (بما في ذلك قرارات الأمم المتحدة ومواقف دول أوروبية كإسبانيا والنرويج) وظهور بوادر خلافات وتباينات بين الاستراتيجية الامريكية وحكومة اليمين المتطرف في اسرائيل وتسريبات عن توتر في العلاقة بين الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو وصل الى حد القطيعية ، يبدو أن واشنطن تُعيد حساباتها.
الفرصة الذهبية: قد يرى ترامب في الاعتراف بفلسطين وسيلة لإستعادة الزخم الأمريكي في المنطقة وكسب ود العالم الإسلامي وسط منافسة مع الصين، وتقديم نفسه كـ"صانع سلام"، لكن اليوم تعود القضية إلى الواجهة، وهذه المرة عبر مبادرة يُشاع أنها تتضمن اعترافاً مشروطاً بالدولة الفلسطينية، في إطار "صفقة موسعة" قد تتضمن بنودًا أمنية ملزمة للطرفين، وتتناول ملفات اللاجئين والقدس والحدود.
خطوة رمزية أم تحوّل جدي؟ ....
ما يجري قد يكون محاولة لإعادة تموضع أميركي في ملف القضية الفلسطينية بعد فشل الرهانات السابقة على التهميش والإقصاء، لكن أي اعتراف لا يستند إلى المرجعيات الدولية وقرارات الأمم المتحدة، سيكون مجرّد خطوة رمزية الهدف منها سياسي بحت ، ترامب يريد أن يُسجل أنه الرئيس الأميركي الذي أخرج ملف الدولة الفلسطينية من الجمود، لكن السؤال الأهم هو: أي دولة؟ وبأي شروط؟ إن لم تكن دولة ذات سيادة وحدود معترف بها، فإن الاعتراف سيكون بلا قيمة عملية.
السعودية: الطرف الذي لا يمكن تجاوزه ....
في معادلة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، تلعب السعودية دورًا محوريًا لا يقل أهمية عن واشنطن المملكة التي أكدت مراراً دعمها لحقوق الشعب الفلسطيني، تقف حالياً بين متطلبات الشارع العربي، وضغوط التوازن الإقليمي، ورغبتها في تعميق علاقتها مع واشنطن ضمن معادلة استراتيجية أشمل.
وبحسب دبلوماسيين عرب، فإن واشنطن لن تُقدم على الاعتراف بدولة فلسطينية دون تنسيق أو موافقة سعودية صريحة أو ضمنية، ويدعم هذا التحليل ما صرّح به وزير الخارجية السعودي سابقًا، حين أشار إلى أن "أي مبادرة لا تُعيد للفلسطينيين حقوقهم المشروعة ستكون مرفوضة، حتى لو جاءت من أقرب الحلفاء.
ردود الفعل المتوقعة من الترحيب الحذر إلى الرفض القاطع ....
السلطة الفلسطينية قد تجد نفسها أمام معضلة، هل ترفض المبادرة باعتبارها منقوصة؟ أم تقبلها كفرصة نادرة لانتزاع اعتراف دولي؟ تصريحات أولية من قيادات في رام الله توحي برغبة في التريث، مع تأكيد أن أي مبادرة يجب أن تتضمن "وقف الاستيطان والاعتراف بحدود 1967 والقدس الشرقية عاصمة" حماس والجبهتان الشعبية والديمقراطية وبعض الفصائل الفلسطينية على الجانب الآخر، ستعتبر الخطوة كمحاولة لتكريس واقع سياسي تتجاهله، وستراها صفقة جديدة تستبعد "خيار المقاومة" وتُكرّس الانقسام.
إسرائيل بدورها ستحاول المناورة فبينما قد ترفض علنًا أي اعتراف أحادي بالدولة الفلسطينية، إلا أن حكومة يمينية برئاسة نتنياهو قد تقبل بمبدأ "دولة تحت السيطرة الإسرائيلية الأمنية"، ما يفرغ الاعتراف من مضمونه السيادي ،أوروبا قد ترحب بحذر ، لكنها ستطالب بضمانات حول الشرعية الدولية، بينما ستتابع روسيا والصين التطورات بعين استراتيجية لرصد فرص التوازن في المنطقة.
السيناريوهات المتوقعة ...
الاعتراف الرمزي المشروط تعلن واشنطن دعمها لإقامة دولة فلسطينية، دون تقديم خارطة واضحة للحدود أو جدول زمني،هذا السيناريو سيُستخدم داخليًا كإنجاز انتخابي لترامب ،اعتراف فعلي في إطار صفقة شاملة تقدم واشنطن خطة تفصيلية تشمل ترتيبات أمنية، دعم اقتصادي، وضمانات دولية، السعودية ومصر والاردن وقطر والإمارات قد يدعمون ضمن توافق إقليمي، بينما يكون الثمن تنازلات فلسطينية كبيرة.
تراجع عن الاعتراف بعد جسّ النبض في حال جاءت ردود الفعل سلبية، قد تتراجع الإدارة الأميركية بحجة "غياب التوافق"، وتستخدم التسريبات كاختبار للمواقف وتصعيد سياسي فلسطيني فيما السلطة قد تذهب نحو الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية، في حال جاء الاعتراف الأميركي مجتزأً أو مشروطاً بشكل يقوض الحقوق الفلسطينية.
هل يسجل التاريخ اسماً أم موقفاً؟ ....
لا شك أن خطوة الاعتراف الأميركي بدولة فلسطينية ستكون لحظة فارقة، ليس لأنها تأتي من ترامب تحديدًا، بل لأنها تحدث في ظل توازنات إقليمية هشّة، وصعود لأدوار دولية جديدة في الشرق الأوسط، الاعتراف الأمريكي بالدولة الفلسطينية تحت قيادة ترامب لم يعد سيناريو مستحيلاً، بل قد يكون ورقة ضغط في لعبة أكبر، إن نجح، فسيدخل التاريخ كـ"الرئيس الذي أعاد الأمل" وإن فشل، فسيُذكر كأسطورة سياسية أخرى انتهت إلى الجدل. السؤال الأكبر هل النظام العالمي الجديد سيكون نتاج إرادة أمريكية، أم أن ترامب نفسه سيكون مجرد حلقة في تحولٍ أكبر يُعيد تشكيل الشرق الأوسط بعيدًا عن الهيمنة التقليدية؟
لكن التاريخ لا يخلّد الأسماء بل يخلّد المواقف، فإن كان الاعتراف الأميركي يحمل مضمونًا حقيقيًا، سياسياً وقانونياً، فسيكون خطوة نحو السلام أما إن جاء في سياق المناورة السياسية والضغوط الانتخابية، فسيكون مجرّد فصل جديد في مسلسل طويل من الخيبات.
* خبير في العلاقات الدولية
الكاتب : فراس ياغي
نعم صحيح ترامب مستعجل يريد نتائج سريعة واساس ذلك توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية وبما يعني ذلك من تطبيع وهي الخطوة التي يريدها ترامب للحصول على جائزة نوبل للسلام، ليس لديه وقت يضيعه في تراهات نتنياهو واحلامه التي لن تتحقق حتى بخطة زامير الجديدة القديمة بإحتلال الأرض في غزة .
على كل علينا الانتباه إلى ما يلي:
- نتنياهو يمثل أحد اضلاع العولمة الثلاثة الآن وماكرون وأردوغان يمثلان الضلعين الآخرين
- ترامب مع الأمركة ويقود ذلك في مواجهة العولمة
العولمة تحاول تعطيل خطوات وتحركات ترامب وتوريطه في حروب، اكتشف ذلك بموضوع ايران فذهب للتفاوض، واكتشف القصة في الحوثي فخرج من الورطة بسرعة، وقصة روسيا واوكرانيا حتى الآن لم يحقق نجاحا كبيرا فيها ولكنه يبذل جهده، في التعرفة الجمركية يتراجع، لذلك يريد ان يحقق انجازات في السعودية والخليج، انجاز اقتصادي كبير وهذا يتطلب وقف حرب في غزة .
سيعطل نتنياهو مفاعيل خطة ترامب، وقد يذهب ابعد مما يعتقد لانه بعلم ان البنتاغون وكارتيلات السلاح جزء من العولمة التي تدعمه وتبقي الإبادة مستمرة في غزة... يقال ولا أؤكد بأن الدراسة في مدارس إسرائيل ممكن ان تذهب "اون لاين" بعد العشرين من هذا الشهر .
يبدو ان قصة بايدن مع نتنياهو تنتقل عدواها إلى ترامب...بايدن كان لا يتكلم معه شهرا ومن ثم يعود ويتكلم اليه... السؤال المهم هل ترامب سيأخذ مواقف من نتنياهو غير الإهمال وقطع التواصل ؟!!!
الكاتب : عيسى قراقع
انا في الديسكو، صخب وموسيقى عالية وحادة، أصوات مزعجة متداخلة باللغة العبرية، تدوي في داخل رأسي، سكاكين صوتية لا تهدأ، يختلط الهواء مع الانفاس، الرقصات مع الاشباح التي تدور حولي، اتمايل واتموج، هناك من يسحبني للأعماق ثم يقذفني للأعلى، هناك من يدق عقلي، أرتطم بنفسي، جسدي يترنح، يتعرق، يتفسخ، أذوي جسما ودماغا واحساسا، هناك من يضربني ويجلدني في داخلي، ينتزع ذاتي ويعريها فوق الحصى والرمل.
اهلا بكم في الديسكو، الحفلة على وشك البدء، بهذه العبارة يرحب الجلادون الصهاينة بالأسرى الفلسطينيون في معتقل "سدي تيمان" السري والدموي والذي يقع بالقرب من بئر السبع، والذي أنشئ في قاعدة عسكرية خلال الحرب الابادية على قطاع غزة، والديسكو هو غرفة تعذيب او حظيرة تعذيب كما يطلق عليه الاسرى، توضع فيها سماعات كبيرة وضخمة تصدر أصواتا وضجيجا عنيفا تقتحم أعماق الانسان حتى يفقد الاتزان ويتحول الى انقاض.
لا زلت في غرفة الديسكو، موسيقى التعذيب تجعلني ارقص الما، والعازفون يرقصون طربا، أرقص حتى الموت او الاغماء، ارقص مع نفسي وخيالي وهلوساتي، ارقص ثم ارقص حتى اتحول الى كتلة بشرية تحبو وتنبح، الدماء تنزف من الاذنين، الدماء تنزف من العينين، عارٍ ومقيد من اليدين والقدمين، وكلما ازداد القصف الجوي على قطاع غزة وانفجرت القنابل فوق رؤوس الناس ومنازلهم، ازدادت موسيقى الديسكو وانفجرت كالصواريخ ومزقتني الى أشلاء.
تحول ملهى الديسكو وهو احد فنون اميركا المتوحشة الى أداة لتعذيب الضحايا الفلسطينيين، فاذا كان هناك للرفاهية فهو هنا للتسبب بالألم والايذاء، هناك للمتعة والتجلي، وهنا لتقويض إنسانية الانسان، اهلا بالديسكو الأمريكي، ديسكو السكارى والمثليين الجنسيين والمتحولين والمخنثين، ثقافة إرهاب الديسكو والقطيع، ثقافة الإبادة وارسال كل أنواع الأسلحة الفتاكة وأدوات القمع الداعمة لإسرائيل في حربها الوحشية على قطاع غزة، تحويل النغم الى قنبلة، والايقاع الى وسيلة تعذيب، العدوان على الجمال والخيال والحرية وروح الانسان، وكما وصف ميكافيللي الحرب بأنها الفن الأسمى لتحقيق الهيمنة.
ديسكو التعذيب مستمد من رقصة الموت الذي ساد في العصور الوسطى للقوى الظلامية المستبدة والتي اصيبت بهوس الموت خلال وباء الموت الاسود في منتصف القرن الرابع عشر، والدمار الذي خلفته حرب المائة عام بين فرنسا وانجلترا، واصبح جزء من ثقافة الغرب في تصاويرهم وفنونهم البصرية وخيالاتهم، وفيها يظهر هيكل الموت المصحوب بالموسيقى وهو يفاجئ ضحاياه.
اهلا بكم في الديسكو، وعليك ان تدخل الحظيرة والقفص، ان تغتسل بصابون الديسكو، ان تستسلم لماكينة الاستحواذ والسيطرة جسدا وفكرا وادراكا حتى الانصياع، وعليك ان تنظف رأسك واحلامك الوطنية والقومية، وتتجوف حتى تصبح فراغا بلا تاريخ وهوية وذاكرة.
اهلا بكم في الديسكو، اهلا بكم في الجنون الصهيوني، في معتقلات وسجون الاحتلال، لم تتوقف الاسطوانات في بث اصواتها الشيطانية، لم تتوقف الحرب على غزة، الموسيقى كالرصاص، ألسنة الجحيم تتدلى، والموسيقى الصاخبة يعزف على أوتارها كل اركان دولة الاحتلال، الوزراء والمخابرات والجيش والقضاة، وفي الديسكو أنت لا تنام، تبقى صاحيا حتى ينشف فيك ماء الصراخ، ويجف عظمك وينكمش لحمك في قبر لا تراه.
الديسكو أيديولوجيا التعذيب الصهيوني والتطهير البشري والثقافي في منظومة القمع الممنهجة بحق الأسرى الفلسطينيين، تعذيب غير مرئي ومستمر خارج حدود وقواعد القانون الدولي والمعايير الأخلاقية الإنسانية، استئصال البشر من ادميتهم وارادتهم وكرامتهم وتذويبهم في موسيقى العنف حتى التلاشي.
لم تتحدث اتفاقية مناهضة التعذيب العالمية، ولا اتفاقيات جنيف الأربعة عن ديسكو التعذيب، الذي لا يترك أثرا على الجسد ولكنه يترك دمارا أشد قسوة من الإعدام، فما لا تراه في التعذيب هو الأخطر من التعذيب.
أين أنت الآن؟ لا تدري، أنت في معتقل سدي تيمان في غرفة تعذيب اسمها الديسكو، جسمك يتفتت، والجنود يصفقون، وكلما انهارت قواك صفقوا أكثر، وكلما ابيدت عائلة في غزة ومسح منزلها عن وجه الأرض صفقوا وانتشوا وأرسلوا الفيديوهات والصور، يضحكون ويسخرون أمام جسدك المعذب، يقرأون من التوراة نصوصا ويصلون ويرفسون، و يدورون حولك كما يدورون حول الذبيحة، انها موسيقى توراتية سماوية إلهية مقدسة، وقد اعلنوا باسم اله الحرب يوم قيامتك، ويوم موتك، ويوم يصبح قبرك خواء يطفح بالدم والسعال والغثيان.
انا في غرفة الديسكو، لا ادري ان كنت تحت الارض في قبر ام فوق الارض في عاصفة، هذا سجن ام قذارة وحاوية، البراز والجرب والضلوع المحطمة، جثث تدخل وجثث تخرج، ولا ادري ان كنت حيا ام ميتا، انا في الدنيا ام في الاخرة، لم أر شمسا ولا نهارا، رأيت ابن غفير يحمل الأقفال والعصي والمسدس، يقف على بوابة جهنم ويطلق الرصاص على الرؤوس والنجوم والسماء والالهة.
أهلا بكم في الديسكو، أنت في المحطة الاخيرة من مراحل التعذيب، محطة اضمحلال الجسد نفسيا وجسديا، سلخ الجلد و و تشويه الابدان، انها دراما مثيرة دراما التدمير، الحفلة الأروع للمحققين الساديين، السفالة والرذيلة والغواية، التهيج المشبع بالجريمة، محطة الموت الداخلي للإنسان وليس الموت الخارجي، محطة الاختناق والقهر والتآكل وانهيار الأعصاب، محطة الهلوسة، الهيستيريا وفقدان الشعور بأنك في يوم كنت إنسان.
وكان عليك أن تمر في كل الحظائر قبل أن تصل إلى حظيرة ديسكو التعذيب، حظيرة الضرب والتكسير والإذلال، حظيرة التجويع والتعطيش، حظيرة الحفاظات والبامبرز، حظيرة الاغتصاب والاعتداءات الجنسية، حظيرة الكلاب البوليسية المدربة على الاغتصاب الجنسي، حظيرة شد القيود والدعس وبتر الأطراف، حظيرة الزحف وتقليد اصوات الحيوانات، حظيرة التعفن وانتشار الأمراض والديدان، حظيرة الصعق بالكهرباء، حظيرة التعرية والإنبساط والتسلية، حظيرة الأناشيد العبرية وسب القيادات الوطنية، وفي كل هذه المراحل المحققون العباقرة يضربون جسدك بالهروات وبالبنادق والبساطير، يرفسون ويركلون ويشتمون حتى تتحول إلى كتل و أكداس من اللحم المعطوب.
أهلا بكم في الديسكو، طنين مستمر في الأذنين، زنانة أخرى فوقك، ويبدأ القصف، تشتعل النار، فكل اسير صار هو غزة، البيوت ترقص وتهتز وتنهار، الاجساد تتطاير في كل مكان ، جسدك ساحة حرب، جسدك مستباح بكل اشكال الشناعة والوساخة، جسدك مطحنة كما هي غزة.
أهلا بكم في الديسكو، وقد بدأت الحفلة والطقوس والشذوذ والانتقام، البهجة والانحطاط الأخلاقي والقيمي والإنساني، ما أروع هذه الحفلة، ما أروع نظريات التعذيب التي ابتكرها الكيان الصهيوني، التعذيب بالأصوات المرعبة، التعذيب بالهز، التعذيب بانحناء الظهر كالموزة، الشبح والقرفصة، الحرمان من النوم، التسخين والتبريد، البصق واللطم، التعليق، التهديد وغيرها، ما أروع هذا الإبداع الأمريكي الصهيوني، تعذيب الديسكو الذي لا يريد انتزاع اعترافات أو معلومات، وإنما للقتل والمتعة والفرجة، وهدم كيان الإنسان الفلسطيني وهويته الوطنية، وتحويله الى مجرد وعاء بشري بلا قيمة.
ديسكو التعذيب في معتقل سدي تيمان، ربما يكون هو ملهى الاغراء والأغواء الذي تحدث عنه الاسير الشهيد وليد دقه، عندما يصبح التعذيب أداة لصهر الوعي والعقل والروح والإرادة، وينتشر الديسكو من السجن الأصغر إلى السجن الأكبر، فنراه على الحواجز العسكرية، في الإغلاقات المستمرة، و نراه في الاقتحامات الليلية والمداهمات، ونراه في الإعدامات الميدانية، و نراه في تجريف الشوارع وهدم بيوت المخيمات، وفي هذا الديسكو الصهيوني يجتمع السجن والابادة، ترقص تل أبيب فرحا في ما يسمى عيد استقلالها فوق نكبتنا وجثثنا، ولا نرى سوى مزيد من الأضواء اللامعة، الغارات والعمليات العسكرية، الطبول والمستوطنات، والمتفجرات والطائرات والسحجات و الرعشات والرجفات والنيران وشبكات المعسكرات المتعددة.
الديسكو في جنين وطولكرم ونابلس والخليل ورام الله، وقد بدأ الديسكو منذ أن دخلنا القفص، الديسكو مصيدة، الانبساط والعناق والتلوث والفساد والبلاهة والسلطنة، التطبيع العجيب بين القاتل والضحية، الرقص في النار الموقدة.
انا في الديسكو، في هذا البرزخ، مسافة طلق ناري بين شعار الدولة او الدولتين على ارض لم تعد مشتركة، انا غائب، لا أرقص إلا على رجل واحدة، انا المتجمد المتبلد مكتوم النفس والكتابة، هل سأعود الى امي عائشة؟ واخبرها عن عالم آخر ليس فيه مخيم ولا طابون ولا دبكة شعبية، هناك شيء أخذوه مني يا أمي، قولي الى متى أعود الى اولي واسترد روحي مرة ثانية.
افرج عن صديقي من غرفة الديسكو في سجن "سدي تيمان"، كانت عيونه غائرة ونظراته مليئة بالاسئلة المتيبسة، ولكنه كان يبتسم، وفي كلماته نوافذ لا تطل على المذابح والمجزرة، وقف امام قضاة المحكمة الجنائية في لاهاي، لم يشتك لهم، ولكني سمعته يردد ما قاله المناضل الاممي يوليوس فوتشيك ذات يوم، وهو على مقصلة الاعدام وكأنه يقرأ بيانا او وصية "سيأتي وقت يكون فيه هذا الحاضر ذكرى، وسيتحدث الناس عن عصر عظيم وعن ابطال مجهولين صنعوا التاريخ".
اهلا بكم في الديسكو.
اهلا بكم في دولة الخمج والاسلاك الشائكة.
الخروج من التاريخ واللغة.
صداع الجغرافيا والمفاصل والوقت.
طغيان يرفرف تحت الاقدام.
لكن ما بال هذا الموت
يتحول من خراب الى عاصفة؟