أكتب هنا استناداً لما زال عالقاً في ذاكرتي من كتاب "القوة والتأثير: دراسات في سياسات القوة"، لمؤلفه يوآف غيلر، الذي صدر باللغة العبرية في طبعته الأولى في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي، عن دار "ياد طبانكين" للنشر. وهي دار نشر تابعة لـ"الكيبوتس الموحّد" التابع بدوره، لحزب العمال الموحّد "مبام" الإسرائيلي اليساري الليبرالي، (بالمقاييس الإسرائيلية طبعا)، الذي اندمج مع حزب "مباي" سابقاً، لتشكيل "المعراخ"، ثم حزب "العمل"، ليصل حالياً الى محطة حزب "الديموقراطيين" برئاسة يائير غولان. وطبانكين كان أحد مؤسسي حزب مبام ومنظريه، وسميت دار النشر باسمه، تقديراً وتخليداً له.
موضوع الكتاب وفحواه هو دراسة عميقة ومستفيضة حول "عناصر قوة الدول"، واعتماد السياسة الملائمة، استناداً لما تملكه من تلك العناصر.
لقد تعلمت من هذا الكتاب دروساً عديدة، ودليل ذلك إنني ما زلت أتذكره وأذكر الكثير من فحواه، بعد كل هذه السنين والعقود التي مرت على اطلاعي عليه سنة صدوره.
يقول الكتاب في صفحاته الأولى، إن أيسر الطرق لرسم واعتماد سياسات حكيمة، هي التعمق في دراسة واستيعاب أبعاد جميع عناصر القوة للدولة المعنية، وإن أسهل الطرق لبلوغ ذلك هي تقسيم عناصر القوة إلى قسمين، بوضع عناصر قوة الدولة في قائمتين: 1ـ قائمة "عناصر القوة الثابتة" التي لا تحول ولا تزول؛ 2. قائمة "عناصر القوة المتغيرة"، أي القابلة للتغيير، والمعرّضة لذلك، بفعل الظروف والتطورات الذاتية والموضوعية.
يمكن لنا، استناداً لذلك، أن نسجل الكثير من عناصر القوة الثابتة غير القابلة للتغيير، لكن أهمها: الموقع الجغرافي؛ عدد السكان؛ مساحة الدولة؛ طبيعة التربة والمناخ.
أما عناصر القوة القابلة للتغيير، وهي أيضاً عديدة جداً، وأهمها: (1) القوة العسكرية بكل تفرعاتها؛ (2) انسجام مكونات المجتمع؛ (3) نوعية التحالفات ومتانتها؛ (4) المستوى العلمي؛(5) نوعية القيادات السياسية والعسكرية ومستواها؛ (6) ما تملكه الدولة من عناصر القوة الناعمة.
أُضيف، من جانبي، إلى هاتين القائمتين، قائمة "وسيطة" بينهما، تحتوي على عنصري قوة:
1ـ عنصر ما في باطن ارض الدولة المعنية من معادن ثمينة ومعادن عادية، وما فيها من بترول وغاز؛ حيث إن هذه المعادن والبترول والغاز، "شبه ثابتة" ودائمة، لكنها قابلة للنضوب والإنتهاء.
2ـ المياه الجارية في أنهار في دول المرور والمصب، لكنها تنبع في دول أخرى، ومثال ذلك ما هو قائم في مصر والسودان، بالنسبة لنهر النيل، الذي ينبع من أراضي دولتي أثيوبيا وأوغندا؛ وما هو قائم في العراق بالنسبة لنهري دجلة والفرات، وما هو قائم في سوريا بالنسبة لنهر الفرات؛ وكذلك ما هو قائم بالنسبة للأردن وفلسطين بالنسبة لنهر الأردن الذي ينبع في لبنان، واليرموك الذي ينبع في سوريا ويصب في نهر الأردن، الذي بدأت اسرائيل في تحويل مجراه سنة 1965، (وكان ذلك الدافع المباشر لإشعال الشرارة الأولى التي تسببت في اندلاع حرب الخامس من حزيران/يونيو 1967). ناهيك عن أنهار أوروبا العابرة للدول، وغير هذه الأنهار في قارات العالم الأخرى. وهذه المياه الجارية هي عنصر قوة "شبه ثابتة"، لأنها في واقع هذه الأيام، ومع تطور القدرات البشرية العلمية والتكنولوجية، التي وصلت حد تغيير مجاري الأنهار وأقامة السدود العملاقة عليها، أصبحت قابلة للتغيير، وأن كان ذلك في ظروف نادرة.
بعودة إلى أداة قياس وتقدير قوة الدول وقدرتها على الصمود، وعلى فرض إرادتها، ونحن نركّز النظر على قضية الصراع الفلسطيني والعربي مع إسرائيل والحركة الصهيونية العنصرية، نلاحظ بوضوح حقيقتين:
1ـ حقيقة أن دول الأمة العربية تتمتع بتفوق كامل على إسرائيل في كل عناصر القوة الثابتة.
2ـ حقيقة أن إسرائيل تتفوق على جميع الدول العربية في الغالبية العظمى من عناصر القوة القابلة للتغيير، (وذلك إن لم نقل فيها جميعاً).
***
نصل هنا إلى محاولة دراسة وتحليل واستشراف اتجاهات تطور كل ما "كانت" عليه عناصر القوة التي تمتلكها اسرائيل، وما "آلت" إليه:
(1)ـ القوة العسكرية بكل تفرعاتها:
نسجل بداية إن العقيدة العسكرية الإسرائيلية تستند، (منذ إعلان اقامة اسرائيل)، إلى ما وضعه دافيد بن غوريون من مبادئ أساسية للعقيدة العسكرية للجيش الإسرائيلي، وهي: الرّدع، الإنذار المبكّر، نقل المعركة إلى أرض العدو، الحرب الخاطفة. ماذا تحقق من مبادئ هذه العقيدة العسكرية في حرب الإستنزاف، وفي حرب السادس من أكتوبر 1973، وفي حرب اجتياح جنوب لبنان وحصار العاصمة بيروت، وأخيراً، وهو الأهم: ماذا تحقق في الحرب على غزة المستمرة والمتواصلة منذ السابع من أكتوبر 2023؟.
عقيدة الردع:
لم يرتدع الجيش المصري في حرب الإستنزاف، وكان هو المبادر إلى شنّها. ولم يرتدع الجيشان المصري والسوري ولا قوات الثورة الفلسطينية في حرب السادس من أكتوبر 1973، التي استمرت 23 يوماً. ولم تتفاجأ قوات الثورة الفلسطينية وحلفاؤها في الحركة الوطنية اللبنانية، في حرب اجتياح لبنان وحصار العاصمة بيروت، وخاضت الحرب على مدى ثلاثة أشهر متواصلة، ثم غادرت القوات الفلسطينية بيروت، بطلب من أهل بيروت ولبنان، وبوساطة أميركية (فيليب حبيب). ولم ترتدع حركة حماس، ومن معها من فصائل المقاومة الفلسطينية، في شن "زلزال السابع من أكتوبر".
عقيدة الإنذار المبكر:
فشلت إسرائيل، بجيشها، وبأجهزة أمنها البالغة التطوّر وما تملكه من معدات تكنولوجية، في الكشف عن الإعداد وشن: حرب الإستنزاف، حرب السادس من أكتوبر 1973، و"زلزال" السابع من أكتوبر 2023.
عقيدة نقل المعركة الى أرض العدو:
نجحت اسرائيل، جزئياً، في نقل بعض المعارك إلى أرض مصر وأرض سوريا في حرب السادس من أكتوبر 1973، ونجحت في شن حرب إجرامية ضد المدنيين على أرض قطاع غزة.
عقيدة الحرب الخاطفة:
حقيقة هي أن حرب الخامس من حزيران/يونيو 1967 كانت "حرباً خاطفة".
لكن كل ما تلاها من حروب: حرب الإستنزاف، ( أو "حرب الألف يوم"، كما يسميها الإسرائيليون)، وحرب السادس من أكتوبر 1973، (23 يوماً)، وحرب اجتياح جنوب لبنان وحصار العاصمة بيروت، (ثلاثة أشهر)، والحرب الحالية على قطاع غزة، المستمرة منذ "زلزال السابع من أكتوبر 2023"، والمتواصلة على مدى 17 شهراً حتى الآن، هي فشل ذريع وواضح لمبدأ وعقيدة "الحرب الخاطفة" الإسرائيلية.
***
(2)ـ انسجام مكونات المجتمع:
معروف أن الإسمنت، أو الصمغ، الذي كان يجمع ويوحد كل مكونات المجتمع اليهودي الإسرائيلي، منذ إعلان إقامة اسرائيل 1948، هو الشعور بالخوف والقلق من خطر يحسم مسألة استمرار "وجود اسرائيل" كدولة، في حال تعرضها لحرب تشنها عليها دولة عربية، أو عدد من الدول العربية.
زال ذلك الخطر، جزئياً، بتوقيع مصر واسرائيل معاهدة كامب ديفيد، 1979، وانتشار قناعة أن "لا حرب بدون مصر، ولا سلام بدون سوريا". ثم ازدادت قناعة المجتمع اليهودي في إسرائيل بزوال خطر القضاء على إسرائيل كدولة، مع توقيع اتفاقية أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، و"اتفاقية وادي عربة" للسلام مع الأردن، ثم انتهى ذلك الخطر نهائياً، (في قناعات اليهود في اسرائيل)، بتوقيع "اتفاقيات أبراهام" مع بعض "الدول" العربية، (وهي، في نظر الإسرائيليين، اتفاقيات "أبراهام"، كما تروي أساطير التوراة حكاياته، وفضائحه أيضاً، وليست اتفاقيات "إبراهيم" كما يبدو فيها إبراهيم في القرآن، وفي تراث الحضارة العربية).
مع بدء انتشار وتمدد قناعة المجتمع اليهودي في إسرائيل بزوال خطر القضاء على إسرائيل كدولة في صيغتها الحالية، بدأت مرحلة انتهاء مفعول الإسمنت والصمغ الذي يوحّد ويجمع مكونات ذلك المجتمع، وبدأت مرحلة تصاعد التباينات والاختلافات بين تلك المكونات، التي يمكن رصدها وتسجيلها في نقاط محددة:
أـ الإختلافات والخلافات بين العلمانيين والمتدينين، (وخاصة الحريديم):
بدأت هذه الإختلافات والخلافات منذ إنشاء الحركة الصهيونية، وانتقلت بوضوح أكبر مع إعلان إقامة اسرائيل، وزادت حدّتها منذ اكثر من ثلاثة عقود، وبلغت ذروتها هذه الأيام، حول أربع قضايا أساسية: 1ـ مسألة تطبيق قانون الخدمة العسكرية الإلزامية على الحريديم؛ 2ـ العلاقة بين الدين والدولة، (حول الزواج المدني، والمواصلات العامة يوم السبت، وتقليص دعم الحكومة للمؤسسات الدينية؛ 3ـ مناهج التعليم، حيث يطالب العلمانيون إدخال مواد أساسية في المدارس الدينية للحريديم، كالعلوم واللغات لإعداد الطلاب لسوق العمل؛ 4ـ الهوية الوطنية للدولة، حيث يدعم العلمانيون المواطنة الشاملة بغض النظر عن الإلتزام الديني (اليهودي)، في حين يرفض الحريديم في بعض الأحيان الإعتراف بشرعية الدولة الصهيونية إذا لم تلتزم بالشريعة اليهودية.
تزداد أهمية هذه النقطة إذا أخذنا في الاعتبار تزايد نسبة الحريديم في المجتمع اليهودي في إسرائيل نتيجة الإرتفاع في نسبة التكاثر بين الحريديم مقارنة بتلك لدى العلمانيين، (في إحصائية قبل بضع سنين، تبين أن معدل الأولاد في عائلات أعضاء الكنيست اليهود العلمانيين كانت بحدود 2.5، في حين أن عدد الاولاد في عائلات أعضاء الكنيست الحريديم 7 أولاد).
يضاف إلى ما تقدم، حول هذه النقطة، انبثاق شبه مكوّن جديد في المجتمع اليهودي في إسرائيل، هو "الصهيونية الدينية" والتي أنبتت ما يُعرف باسم "الحردليم" من دمج كلمتي الحريديم والوطنيين، الذين يخدمون في الجيش الاسرائيلي إلتزاماً بقانون الخدمة العسكرية الإلزامية، بكثافة كبيرة، ويستمرون في تلك الخدمة، وهناك نسبة منهم بلغوا مراتب عالية في الجيش، ومنهم كذلك ما يعرف في اسرائيل بـ"شباب التلال"، البالغي العنصرية في تعاملهم واعتداءاتهم على المدنيين الفلسطينيين، في الضفة الغربية خاصة، ويلحقون بهم وبزيتونهم وحقولهم ومواشيهم (بحماية الجيش الاسرائيلي) أضراراً بالغة.
هذا التيار تحول في زمن نتنياهو إلى عنصر تأثير بالغ على الحكم باتجاه يميني متطرف، يسعى لتصفية القضية الفلسطينية وترحيل الشعب الفلسطيني عن وطنه، ويمثله اليوم في الحكومة ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموترتش.
ب ـ الخلافات والإختلافات العرقية والإثنية بل والحضارية:
هذه الخلافات والإختلافات بدأت منذ العقد الأول لإعلان إقامة دولة إسرائيل، وكثيرة هي الوثائق ومحاضر الإجتماعات للقيادات الصهيونية الاسرائيلية "الإشكنازية" من أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية، التي تكشف مدى تبرّمها من إستقدام واستيعاب اليهود "السفاراديم" الشرقيين من الدول العربية وايران وتركيا إلى الدولة الوليدة، ومدى التمييز ضدهم، (وخاصة القادمين منهم من اليمن والمغرب)، ولا أرى حاجة للتوسع في عرض وشرح هذا الموضوع المعروف. وقد أضيفَ إلى ذلك ما تعرّض (ويتعرّض) له نحو مليون مهاجر يهودي من روسيا ودول المعسكر الإشتراكي، الذين هاجروا الى اسرائيل إثر انهيار الإتحاد السوفياتي. وأما التمييز الواضح ضد "يهود الفلاشا" القادمين من إثيوبيا، فحدّث ولا حرج.
ج ـ الانقسامات الأيديولوجية والسياسية، و"ولادة اسرائيل الثالثة:
قد يكون هذا البند هو الأهم بين بنود هذا الإستعراض لـ" إنسجام مكونات المجتمع". فهو البند الذي يعرض ويستعرض الأساس والقاعدة التي يقوم عليها تماسك وانسجام وقوة مكونات المجتمع اليهودي الإسرائيلي.
شهدت إسرائيل، منذ أعلان إقامتها سنة 1948، تقلّبات كثيرة، وحكمتها قيادة سياسية مثقفة وعقلانية وليبرالية، (بالمقاييس الاسرائيلية الصهيونية)، حتى سنة 1977، وكان قائدها ورمزها الأقوى دافيد بن غوريون. وورثت مقعد القيادة السياسية، في تلك السنة، قيادة سياسية مثقفة وعقلانية ويمينية معتدلة، (بذات المقاييس أيضاً وأيضاً)، كان قائدها ورمزها مناحيم بيغن، واستمرت هذه المرحلة، بدرجات متفاوتة أثناء وخلال ترؤس حكومات اسحق شامير وبنيامين نتنياهو، (في دورته الأولى)، وأريئيل شارون، وإيهود أولمرت، ( وتخللتها فترات قصيرة تولى فيها رئاسة الحكومة الإسرائيلية اسحق رابين، وشمعون بيرس، وإيهود باراك).
ثم عاد نتنياهو لرئاسة الحكومات الإسرائيلية، منذ بداية العقد الثاني للقرن الحالي حتى الآن، (مع انقطاع لمدة نحو سنة ونصف فقط، تناوب على تولي رئاسة الحكومة خلالها نفتالي بينيت ويائير لبيد)، وبدأت اسرائيل منذ تولي نتنياهو في مرحلته الثانية الحالية، في الإنزلاق والإنحدار نحو العنصرية والفاشية الفجّة، وما يرافق ذلك من فساد على جميع الأصعدة، ورافق ذلك وكشفه إجراء خمس انتخابات عامة في إسرائيل خلال ثلاث سنوات (2019 و2022)، ليعكس ذلك تفجّر أزمة سياسية عميقة وتصدعًا في مكونات المجتمع الإسرائيلي، ويشير إلى ضعف التوافق الداخلي، وصعوبة تشكيل حكومات مستقرة، ويكشف حقيقة تآكل واحد من أهم عناصر القوة في اي دولة، هو عنصر انسجام وتوافق مكونات المجتمع فيها.
شكّل نتنياهو في الأسبوع الأخير من سنة 2022 حكومته الحالية، الأكثر عنصرية وفاشية في تاريخ إسرائيل، (وهو قصير على أي حال)، وبدأت هذه الحكومة في الأسبوع الأول من سنة 2023، بإعلان ما تسميه حكومة نتياهو "التعديلات القضائية"، في حين تسميه المعارضة "الإنقلاب على السلطة القضائية" وتقييد سلطة المحكمة العليا، ومحاولة إخضاعها للسلطة التنفيذية (الحكومة)، والسلطة التشريعية (الكنيست البرلمان الإسرائيلي)، لبدء مرحلة إنهاء الديموقراطية، وبداية عهد الدكتاتورية، وهذا ما دفع المعارضة الاسرائيلية إلى تسيير مظاهرات أسبوعية يشارك فيها مئات آلاف الاسرائيليين في كافة المدن الإسرائيلية، منذ يوم السبت الأول في سنة 2023، لغاية عشية يوم السبت، السابع من أكتوبر 2023.
[أتوقف هنا لأُشير، وأنصح، بقراءة مقال بعنوان "ولادة اسرائيل الثالثة" للدكتور الفلسطيني عبد الله معروف، وهو حالياً أستاذ في إحدى الجامعات التركية، ونُشر مقاله هذا في مطلع شهر أكتوبر 2024].
***
(3)ـ نوعية التحالفات ومتانتها:
بدأت الحركة الصهيونية العنصرية، في محاولاتها إقامة إسرائيل في فلسطين بالتعاون مع ألمانيا، حليفة الإمبراطورية العثمانية، (المسيطرة على فلسطين والمنطقة)، ورافق هرتسل إمبراطور ألمانيا، غليوم الثاني، في زيارته الأخيرة لـ"الباب العالي" سنة 1903، وباءت محاولة هرتسل في عرضه على السلطان عبد الحميد الثاني بناء تحالف معها، تقوم على أساس مقايضة تسديد الحركة الصهيونية لجميع ديون الإمبراطورية العثمانية، بمنح منطقة في الجليل، (من بحيرة طبريا وحتى شمال بحيرة الحولة)، للحركة الصهيونية، ليستوطن اليهود فيها. لكن السلطان عبد الحميد الثاني رفض العرض واستهجنه، بل ورفض مناقشته أيضأ.
منذ إنتهاء الحرب العالمية الأولى، انصب تركيز الحركة الصهيونية على توثيق تحالفها مع بريطانيا، فكان تقطيع "بلاد الشام" باتفاقية سايكس بيكو، ووضع فلسطين تحت الإنتداب البريطاني، وإصدار "وعد بلفور" ومصادقة "عصبة الأمم" على ذلك، شريطة إلتزام بريطانيا بتطبيق وتنفيذ ذلك الوعد.
اعتمدت اسرائيل في السنوات الأولى بعد إقامتها على دعم العديد من دول أوروبا الغربية، وخاصة بريطانيا وفرنسا، حيث تولّت بريطانيا دعمها على الصعيد السياسي والديبلوماسي، بتأمين غطاء لها في الأمم المتحدة، ودفْع تركيا (عدنان مندريس)، وايران (الشاه محمد رضا بهلوي)، لدعمها والتحالف معها، تطبيقاً لنظرية دافيد بن غوريون بـ"التحالف مع كل مسلم غير عربي، ومع كل عربي غير مسلم"؛ وتولّت فرنسا دعمها عسكرياً بتأمين السلاح، (وخاصة طائرات الميراج)، وتزويدها بالتكنولوجيا العسكرية، بل والنووية ايضاً (مفاعل ديمونا النووي)، ولحق بذلك التحالف مع ألمانيا (الغربية، في حينه)، إثر توقيع ألمانيا (كونراد أديناور) مع اسرائيل والحركة الصهيونية سنة 1952 اتفاقية التعويض، التي أخرجت اسرائيل من مصاعبها المالية، ومن سنوات التقشّف الشديد.
لم يعمّر ذلك التحالف مع بريطانيا وفرنسا طويلاً، حيث إرتكبت بريطانيا (انطوني إيدن)، وفرنسا (غي موليه)، واسرائيل (بن غوريون)، حماقة "العدوان الثلاثي" على مصر، وهو العدوان الذي انتهى الى هزيمة استراتيجية سياسية مدوية، حيث خسرت بريطانيا كل مستعمراتها "ومحمياتها" شرق السويس، وخسر إيدن منصبه؛ وخسر غي موليه منصبه، واشتد عود ومعنويات الثورة الجزائرية، وفُتح الباب لعودة شارل ديغول لقيادة فرنسا؛ وأجبرت أميركا (دوايت آيزنهاور)، والإتحاد السوفياتي (نيكيتا خروتشوف)، إسرائيل على الإنسحاب من شبه جزيرة سيناء المصرية، ومن قطاع غزة الفلسطيني؛ وخرج الزعيم العربي جمال عبد الناصر، إثر فشل هذا العدوان أقوى مما كان عليه أصلاً بكثير.
كشف تراجع دور ووزن الحليفين الأوروبيين لإسرائيل، حدود اعتمادها على القوى الأوروبية، فلجأت، ونجحت في سعيها لاستبدال تحالفها مع دول أوروبا الرئيسية بالتحالف مع الولايات المتحدة، واعتمادها كحامٍ لها، وكحليف أساسي. وقد مكّنها هذا التحول من تحقيق انتصارها المذهل في حرب حزيران 1967، وأصبحت واشنطن المصدر الرئيسي للتفوّق العسكري الإسرائيلي، ومصدرًا رئيسيًا للغطاء السياسي والدبلوماسي لها. ثم تطور هذا التحالف وصار أكثر رسوخًا خلال حرب اكتوبر 1973، وتعزز بعدها عبر اتفاقيات كامب ديفيد، التي ضمنت لإسرائيل إخراج مصر من دائرة الصراع العسكري معها.
لاحقًا، وبسبب انهيار الاتحاد السوفييتي، أصبح هذا التحالف وثيقًا بشكل غير مسبوق، وأصبحت إسرائيل ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأميركية للشرق الأوسط.
هذا ما كان واقعاً عشناه وعانينا منه، لكنه اصبح الآن تاريخاً، بفضل أحداث جسام، خلقت واقعاً جديداً، واقع إن قضية شعبنا الفلسطيني العادلة، دخلت كل بيت وشارع وجامعة في العالم، وأخذت موقعها على رأس اهتمامات الناس والرأي العام العالمي، واحتلت الدرجة الأولى في سلّم القضايا الدولية التي يتوجب حلّها حلاً عادلاً.
"زلزال السابع من أكتوبر" 2023، الذي ضرب الأساسات والقواعد والدعامات والقناعات التي يقوم عليها "وجود" إسرائيل، ومستقبلها، وما ترتب على ذلك الزلزال، من خلخلة وتشرذم في ثقة قطاعات واسعة جداً بين مكونات وتيارات عديدة في المجتمع اليهودي في إسرائيل، بقدرات إسرائيل، وبمستقبلها؛ وما جرّه ذلك الزلزال وتلاه من ردود فعل اسرائيلية، في حربها الإجرامية، وما ارتكبته من جرائم حرب، وجرائم إبادة وتجويع، وغيرها، جعل كل ما اوردناه هنا في باب "نوعية التحالفات ومتانتها"، الخاصة باسرائيل، تاريخاً. يختلف جذرياً عمّا هو واقع هذه الأيام، وما هو متوقع في المستقبل.
واقع هذه الأيام، هو أن إسرائيل "دولة منبوذة" من غالبية دول العالم، (وبين هذه الدول من كانت حليفة لها)، بسبب ما ارتكبته، وترتكبه، من جرائم قتل وإبادة وتجويع وترحيل، وتدمير للمدارس (وأثرُ ذلك على مستقبل جيل كامل)، وقصف وهدم وتدمير المباني والبُنى التحتية في قطاع غزة أساساً، وفي الضفة الغربية؛ وواقع أن إسرائيل تحتل مقعد المتّهَم في محكمة العدل الدولية؛ وواقع أن أبرز قادتها، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق في حكومته، يوآف غالنت، مطلوبان للتحقيق والمحاكمة في محكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكابهما جرائم حرب؛ وواقع أن أميركا التي تحاول تخليص إسرائيل من قفص العزلة، أصبحت هي أقرب إلى دخول قفص العزلة من امكانية نجاحها في تخليص إسرائيل منه. ويتضح أن ذلك يعود إلى التراجع الملموس في مكانة إسرائيل في المجتمع الأميركي خصوصاً الليبرالي.
ماذا عن "نوعية التحالفات ومتانتها" بالنسبة لاسرائيل:
1ـ تواجه اسرائيل، هذه الأيام، خلخلة وتصدّعاً في كل تحالفاتها، حيث أن صورتها في العديد من مجتمعات (وحكومات) الدول الغربية، التي تشكل عصب وجوهر تحالفاتها قد تغيرت تماماً. على أن الأخطر في هذا الإطار، هو تحالفها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة.
2ـ رغم أن إدارة الرئيس بايدن استمرت وضاعفت دعم إسرائيل عسكرياً ومالياً وسياسياً وديبلوماسياً، في حربها الإجرامية على غزة، إلا أنها أبدت، في كثير من المرات، امتعاضاً واستياءً من سياسات حكومة اسرائيل بالغة العنصرية.
3ـ مع إدارة ترامب الجديدة الحالية، هناك مؤشرات كثيفة على أنها لا تتعامل مع اسرائيل كحليف استراتيجي، بل كتابع ووكيل وعميل لها في منطقة الشرق الأوسط.
4ـ في ما يخص تحالفات إسرائيل الإقليمية، يمكن تسجيل إنقلاب وانعكاس تحالفها مع إيران 180 درجة مع الإطاحة بنظام الشاه، وانتصار الثورة الإيرانية سنة 1979؛ وتدهور تحالفها مع تركيا، خاصة في السنوات الأخيرة؛ وتراجع فاعلية ما يعرف بـ"اتفاقيات أبراهام"، مع بعض الدول العربية، التي تواجه تحديات جدية نتيجة حرب اسرائيل الإجرامية على غزة، وردود الفعل السلبية للجماهير في دول الحواضر العربية.
5ـ وما يتوجب تخصيص بند هام له، في هذا السياق، هو الموقف الثابت والمشرّف للمملكة العربية السعودية، وحاكمها الفعلي، الأمير محمد بن سلمان، من موضوع "التطبيع" مع إسرائيل، وربطه بـتطبيق "مبادرة السلام العربية"، السعودية المنشأ، حيث طرحها ولي العهد السعودي، (في حينه)، الأمير فهد بن عبد العزيز، في مؤتمر قمة فاس الأولى 1981، وأفشلها الرئيس السوري حافظ الأسد، (وانتشرت في حينه مقولة الزعيم الفلسطيني الخالد، ياسر عرفات: "سيكون إفشال المبادرة السعودية في مؤتمر فاس فؤوساً على رؤوسنا"، وثبت ذلك في اجتياح إسرائيل لجنوب لبنان، وحصار العاصمة بيروت، وخروج قوات الثورة الفلسطينة منها)، ولكنها اعتمدت في قمة فاس الثانية، يوم 6 ايلول/سبتمبر 1982، (أي بعد ستة أيام فقط من خروج أبو عمار من بيروت)، عندما أعاد فهد بن عبد العزيز، الذي أصبح ملكاً للسعودية، طرحها تحت عنوان "مشروع السلام العربي"، ثم أعاد الملك عبدالله بن عبد العزيز، طرحها في قمة بيروت، 27/3/2002، (أيام كان أبو عمار محاصراً في المقاطعة في رام الله)، وأقرتها القمة العربية تحت عنوان "مبادرة السلام العربية".
ثم، ماذا عن إستقراء احتمالات مستقبل "نوعية التحالفات ومتانتها" بالنسبة لإسرائيل:
1ـ في ضوء تحول الأولويات في الإستراتيجية الأميركية، وتركيزها على الصراع والتنافس مع الصين وروسيا، (منذ عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما)، واستمرار وتواصل وتصاعد ذلك التحول، على حساب أولويات قضايا عالمية أُخرى، وأهمها قضايا الشرق الأوسط، وفي جوهرها القضية الفلسطينية، وامتداداتها وتفرعاتها وانعكاساتها، يمكن لنا توقع تقليص وتخفيض اهتمام أميركا وحرصها المطلق على حماية إسرائيل، واستمرار إلتزامها بضمان تفوق قدرات إسرائيل العسكرية على قدرات الدول العربية مجتمعة. بل وليس من المستبعد أن لا تمنع أميركا طرح موضوع القدرات النووية الإسرائيلية، وإخضاع اسرائيل لقرارات منع انتشار الأسلحة النووية، في إطار معالجة قضية البرنامج النووي الإيراني، واستباقاً لاحتمال تطورات تقود مصر والسعودية للتخطيط والعمل على منع أن تكون إسرائيل المالك الوحيد في المنطقة للسلاح النووي، (حسب ما تقوله مصادر أجنبية عديدة).
2ـ لا نبتعد عن المنطق اذا توقعنا تزايداً في ابتعاد دول الإتحاد الأوروبي عن إسرائيل، وتصاعد إدانتها، واتخاذ خطوات عملية لمعاقبتها، سياسياَ واقتصادياَ، جرّاء ممارسات حكومتها، بالغة العنصرية والشوفينية، تماشياَ مع تصاعد انتقادات الرأي العام في تلك الدول لإسرائيل.
3ـ بعد أن خسرت إسرائيل تحالفها المتين مع إيران الشاه، بانتصار الثورة الإيرانية سنة 1979، وخسرت تحالفها مع تركيا تدريجياَ خلال العقدين الماضيين خاصة، نلاحظ بروداً واضحاً بما أنتجته "اتفاقات أبراهام" مع بعض الدول العربية من "تطبيع"، وتوتراَ متزايداَ في العلاقات بين مصر وإسرائيل، وكذلك بين الأردن وإسرائيل، رغم اتفاقيتي كامب ديفيد ووادي عربة، نتيجة مجمل السياسات الاسرائيلية، وخاصة بسب جرائمها في حربها على قطاع غزة، وفي الضفة الغربية ايضاً، ويتضح أن ذلك يعود إلى التراجع الملموس في مكانة إسرائيل في المجتمع الأميركي خصوصاً الليبرالي.
4ـ لن يكون مفاجئاً أن تحاول إسرائيل تعويض ما خسرته وتخسره من تحالفات في الغرب، بالسعي لبناء تحالف اقتصادي وعسكري مع الهند، وتحالف اقتصادي مع الصين، رغم أن ذلك سيكون على حساب علاقتها المميزة مع الولايات المتحدة.
***
(4)ـ المستوى العلمي:
* يكفي أن نلقي نظرة سريعة على ترتيب مستوى الجامعات في دول العالم، لنرى تفوقاً بالغاً للجامعات في إسرائيل على الجامعات في جميع الدول العربية. ومن متابعتي لما يُنشر حول هذا الموضوع، تبيّن أن هناك جامعة إسرائيلية، أو أكثر، تدرج بشكل متواصل، على مدى سنين، بين الخمسين جامعة الأفضل والأكثر تقدماً في العالم، إضافة لتصنيف أكثر من جامعة إسرائيلية بين المئة والمئتي جامعة الأكثر تقدماً في العالم، ونادر جداً ما نرى واحدة من الجامعات في الدول العربية تصنف في فئة المئتي جامعة الأفضل في العالم.
* تعتبر إسرائيل من الدول الرائدة عالمياً في مجال البحث العلمي، والإبتكار، حيث تخصص 4.2% من إجمالي دخلها القومي السنوي على الأبحاث والتطوير، (وتعتبر هذه النسبة من الأعلى عالمياً)، وهذا يعني أن إسرائيل تنفق حوالي 9 مليارات دولار سنوياً على البحث العلمي. وللمقارنة فقط: تنفق مصر على البحث العلمي 1% من إجمالي دخلها القومي السنوي؛ أما إيران التي تنفق نسبة أقل، فقد أعلنت أنها ستتابع رفع تلك النسبة إلى أن تصل 4% سنة 2030.
* يساهم قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهاي تك) بحوالي 20% من الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل، وتشكل صادراتها من التكنولوجيا المتقدمة حوالي 51% من مجمل صادراتها، بقيمة تصل إلى 85 مليار دولار سنويا.
* هذه الحقائق جعلت من إسرائيل وجهة مفضلة للإستثمارات الأجنبية في مجال التكنولوجيا، واستقطبت شركات عالمية كبرى، مثل غوغل وميكروسوفت وغيرها، لإنشاء مراكز أبحاث وتطوير تقنيات جديدة فيها، وساهم في تعظيم اسم إسرائيل في العالم.
* لا يجوز أن يغيب عن الذهن، أن هذا التفوّق والتميّز العلمي لإسرائيل، هو عنصر قوة متغيّر، وإن تطورات الأحداث في إسرائيل، منذ تشكيل حكومتها الحالية، فاقعة العنصرية والتخلف، في الأسبوع الأخير من سنة 2022، ومنذ "زلزال السابع من أكتوبر" 2023، أدّت إلى هجرة هائلة بين صفوف العاملين في هذا المجال في إسرائيل؛ وكذلك إن تركيز إي دولة عربية، وحتى فلسطين، على التعليم، (ابتداءً من الصفوف الإبتدائية الأولى أساساً)، يمكن أن يحقق، خلال أقل من عشرين سنة فقط، قدرة على منافسة إسرائيل في هذا المجال، بل والتفوّق عليها ايضاً.
***
(5)ـ نوعية القيادات السياسية والعسكرية ومستواها:
- لا يستدعي هذا البند كثيراً من الشرح والتوضيح. يكفي الإطلاع على عدد واحد من صحيفة اسرائيلية واحدة، أو متابعة نشرة أخبار واحدة من إحدى الفضائيات الإسرائيلية، في هذه الأيام، لاكتشاف الفروق الشاسعة بين مستوى القيادات السياسية والقيادات العسكرية والأمنية الإسرائيلية في مرحلة التأسيس، وما تلاها لعدة عقود، ومستوى قيادات هذه الأيام، منذ تولى بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة الإسرائيلية في مرحلته الأولى سنة 1996.
- ما ينطبق على مستوى الإئتلافات التي شكّلت الحكومات الاسرائيلية في مرحلة التأسيس، ينطبق بالكامل على مستوى معارضات تلك الأيام. وما ينطبق على مستوى الائتلافات التي شكلت الحكومات الإسرائيلية في العقود الثلاثة الماضية، ينطبق بالكامل على مستوى معارضات هذه العقود الثلاثة الماضية. وأما مستوى الحكومة الاسرائيلية الحالية فقد بلغ من الإنحطاط درَكاً غير مسبوق، وكذلك تماماً هي المعارضة.
(6)ـ عناصر القوة الناعمة:
تُعتبر "القوة الناعمة" لأي دولة، دعامة قوية لـ"القوة الصلبة" للدولة المعنية. وتعتمد إسرائيل كثيراً على ما تملكه من عناصر القوة الناعمة، وأهمها:
1ـ التفوق العلمي، حيث تتمتع بسمعة عالمية في مجال التكنولوجيا المتقدمة والإبتكار والأمن السيبراني، وخاصة في معهد "التخنيون" في حيفا، للهندسة والتكنولوجيا المتقدمة، و"معهد وايزمان" في رحوفوت، للأبحاث الطبية، ومعهد "فولكاني" للأبحاث في مجال تطوير الزراعة، وغيرها.
2ـ نجاحها في تشكيل لوبيات صهيونية مثل "ايباك" في الولايات المتحدة، وغيرها في أوروبا، وفي أميركا اللاتينية (وخاصة الأرجنتين)، وتلعب تلك اللوبيات دوراً بالغ الأهمية في توجيه سياسات تلك الدول لما فيه مصلحة إسرائيل، ودعمها على جميع الأصعدة العسكرية والأمنية والسياسية والإقتصادية.
3ـ الإستفادة من إمتلاك مؤسسات وأفراد من اليهود والحركة الصهيونية، للعديد من الصحف والمؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج السينمائي في هوليوود وغيرها، لتبني الرواية الصهيونية الإسرائيلية. (وإن كان دور تلك المؤسسات والشركات قد تضاءل في ضوء انتشار وسائل التواصل الإجتماعي، واضطرار تلك المؤسسات لاخذ ما تنشره تلك الوسائل من صور وشهادات حيّة في الحسبان).
4ـ الحرص على دعم الثقافة والفنون وترجمة إنتاج روائييها إلى اللغات الأجنبية، ودعم إقامة مهرجانات للأفلام السينمائية والموسيقى والغناء وغيرها مع الدول الغربية.
تستثمر إسرائيل عناصر قوتها الناعمة في بناء تعاون آكاديمي وعلمي مع جامعات ومراكز أبحاث مرموقة في العالم، كما تحرص على تقديم بعض المساعدات لدول نامية في إفريقيا، وخاصة في مجال الزراعة والري، بهدف تعزيز نفوذها في تلك الدول.
كل عناصر القوة الناعمة هذه، التي تمتلكها إسرائيل، بدأت تتآكل وتفقد فاعليتها منذ نحو عقدين، وبشكل متزايد جداً منذ تشكيل حكومة إسرائيل الحالية البالغة العنصرية، لسببين أساسيين:
1ـ الصراعات الحادة المتواصلة بين مكونات المجتمع اليهودي في إسرائيل.
2ـ الحرب الإجرامية على قطاع غزة، (والضفة الغربية)، وما فيها من إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، جرّت اسرائيل إلى المحاكم الدولية، وتصاعد حملات المقاطعة والإنتقادات الدولية لها.