الكاتب : إياد ابو روك
في لحظات الألم الكبرى لا يعود الإنسان مجرد كائن يسكن الأرض بل يصبح مرآة لأسئلة أكبر من حياته اليومية. نحن نرى غزة اليوم ولا نرى مجرد مدينة تحت القصف بل نرى أنفسنا بكل ما نحمله من ضعف وتناقضات وخيبات. كأن غزة ليست مكانا بل سؤالا مفتوحا أمام الإنسانية كلها سؤال عن المعنى عن الأخلاق عن جدوى الكلمات التي نرددها منذ قرون. وانا على يقين تام ان الجميع مصدوم صدمة مرعبة ممزوجة بالقلق!!
كان الإنسان يختبئ بمشاعره ليبقى حيا يخبئ ضعفه خلف صلابته يخبئ دموعه خلف صمته لكنه اليوم يكتشف أن مشاعره نفسها تتفتت تحت ركام الصور القادمة من غزة. هناك حيث يختلط الغبار بالدماء هناك حيث تتوقف اللغة عن القدرة على الوصف هناك يولد سؤال مؤلم هل ما زلنا بشرا أم أننا تحولنا إلى شهود صامتين على عبث لا نهاية له.
في كل طفل يُنتشل من تحت الحجارة ينكسر شيء في داخلنا وفي كل أم تحتضن ابنها الميت يتكشف زيف خطابنا عن الرحمة وفي كل رجل يحفر بيديه يبحث عن عائلته ندرك أن الإنسان في لحظة الحقيقة لا يملك سوى أظافره وصوته. هذه ليست مشاهد عابرة بل مرايا تكشف لنا قسوتنا نحن لا قسوتهم فقط.
ثم تأتي المشاهد التي لا تحتمل صمتا ولا تبريرا مشاهد التجويع المتعمد مشاهد الأطفال الذين تذبل وجوههم لأن الماء مقطوع والطعام مقطوع مشاهد النساء اللواتي يبحثن عن قطرة حليب لأطفالهن فلا يجدن شيئا مشاهد الرجال الذين يقفون في طوابير طويلة بانتظار كيس دقيق أو زجاجة ماء ثم يعودون فارغي الأيدي. نرى الناس في غزة يموتون من شدة الجوع والعطش وهذه هي الفاصلة النهائية التي تجعلنا نقف مذهولين أمام أنفسنا قبل أن نقف أمام العالم كيف يمكن أن يقبل إنسان أن يرى إنسانا آخر يترك ليموت هكذا ببطء بلا سلاح وبلا مقاومة سوى مقاومة الجوع والعطش .
وصلنا إلى هذا القاع ببطء وكأننا نسير على درج ينزل إلى الظلام كل حرب جديدة كانت خطوة كل بيان باهت كان خطوة كل صمت اخترناه كان خطوة حتى وجدنا أنفسنا هنا في هذا العراء الأخلاقي نبحث عن ذريعة لنبقى ساكتين .
وهناك ما هو أشد ألما من صمت العالم صمتنا نحن الذين ننتمي إلى أمة ظلت لقرون تروي أمجادها وتفتخر بتاريخها. اليوم نجلس في المهجر ونتجنب الحديث لأننا نخجل. نخجل أن نقول نحن أبناء تلك الأمة التي تصمت بينما أطفال غزة يختنقون تحت الركام ويذبلون من الجوع .. نخجل أن نرفع رؤوسنا ونحن نرى أن كلماتنا القديمة عن البطولة والكرامة تبدو الآن كذبا على أنفسنا. وهذا واقع الحال الذي نعيشه ونحن بشر يراودنا التفكير أوقات العزلة .
إسرائيل لم تكتف بتدمير البيوت بل نجحت في شيء أخطر ، فقد دمرت إيماننا بأن هناك قوانين ومعايير وعدلا دمرت الفكرة نفسها التي كانت تجعلنا نتمسك ببعض المعنى في هذا العالم. لم يعد الألم يخص غزة وحدها بل صار ألما كونيا يثبت أن الضمير البشري قابل للتعطيل وأننا نستطيع أن نرى الجريمة ونبررها أو نتجاهلها .
ما الذي يحدث لنا عندما نصمت أمام المذبحة والتجويع والظمأ هل نفقد شيئا من إنسانيتنا هل نصبح أقل قدرة على الحب والعطاء هل نصبح حجارة تمشي وتتكلم ؟. هذه الأسئلة ليست ترفا فلسفيا بل ضرورة وجودية لأن الصمت أمام المأساة لا يمر من دون أثر ... إنه يترك في أرواحنا ندوبا ربما لا ترى لكنها تتحكم فينا تجعلنا أكثر برودة أكثر عزلة أكثر اغترابا عن أنفسنا.
غزة ليست فقط قضية سياسية إنها مختبر أخلاقي يكشف المعادن الحقيقية في داخلنا. إنها اللحظة التي يسقط فيها القناع وتظهر وجوهنا على حقيقتها. هل نحن قادرون على الوقوف في وجه الظلم أم أننا صرنا جزءا منه بمجرد سكوتنا.
سيأتي يوم يكتب فيه التاريخ أن غزة لم تكن مجرد حرب بل كانت لحظة انكشاف لحظة عري كامل للضمير الإنساني لحظة اكتشف فيها الإنسان أنه خسر شيئا أكبر من أرض أو حياة أنه خسر إيمانه بنفسه. سيأتي يوم يحاسب فيه الصمت كما يحاسب الفعل وسيقال إن العرب الذين حملوا تاريخا طويلا من الأمجاد كانوا أول من شعر بالخجل لأنهم لم يستطيعوا أن يترجموا هذا التاريخ إلى موقف .
غزة اليوم لا تكتب جرحها وحدها بل تكتب جراحنا نحن أيضا تكتب عن صمتنا الذي صار عبئا علينا نحن قبل أن يكون عارا أمام الآخرين .. تكتب عن عجزنا الذي لم يعد مبررا ولا مقبولا وعن تلك اللحظات التي مات فيها الأطفال عطشا وجوعا ونحن نراقب.
وفي نهاية هذا المشهد الطويل أقولها واستنتج كيف يفكر وينظر الإنسان البسيط لا كسياسي ولا ككاتب حين يتعرض الإنسان لهذا الكم من القسوة والصمت من حوله يبدأ داخله بالتشقق يبدأ بإعادة تعريف ذاته وعلاقته بالآخرين يتعلم شيئا مؤلما أن مشاعره قد لا تجد صدى وأن صوته قد لا يسمعه أحد وهذه المعرفة لا تمر دون أثر إنها تترك ندوبا عميقة تجعل الأجيال القادمة تحمل في قلوبها خوفا دفينا من العالم وعدم ثقة في أي وعد أو كلمة جميلة . هذه الندوب النفسية هي أخطر ما يتركه هذا الزمن القاسي فهي تصنع إنسانا حذرا باردا مترددا يخشى أن يهب قلبه مرة أخرى لأنها المرة التي تعلم فيها أن القلب يمكن أن يُسحق بصمت العالم.



