الكاتب : وليد الهودلي
أتحدث من واقع خدمتى ٣٤ سنة في مصلحة مياه محافظة القدس كعلاقات عامة واتحاد مقدمي المياه في التوعية والترشيد، ما جرى من اعتداء من قبل المستوطنين بالأمس على آبار عين سامية هي كما أعلنت مصلحة المياه كارثة مائية، وينعكس ذلك مباشرة على تعطيش قرى شرق محافظة رام الله والبيرة قاطبة، وتنذر بالخطر الداهم لما هو قادم الأيام القريبة حيث أن هذا الحدث يبيّن أن موضوع تعطيشنا على أجنداتهم وهذا يعتبر من احسن المحفّزات لشهية العدوان والانتقام التي تغلي مراجلها في صدورهم، ومع العلم أن مياه مدينة رام الله والبيرة وبيتونيا وما حولهما من قرى ومخيمات تغلق من عندهم بمفتاح وهكذا اغلب المحافظات الفلسطينية بل بعضها أعظم كارثية مثل محافظتي الخليل وبيت لحم وهذا بالطبع عدا عما فعلوه في مياه غزة قبل السابع من أكتوبر بكثير حيث دمّروا الخزان الجوفي وجعلوه غير قابل للاستخدام البشري لأنهم كانوا يسحبون منه لمستوطناتهم أضعاف مما تزوده أمطار الشتاء طيلة سنوات احتلالهم للقطاع منذ سنة 1967 .
ملاحظات مفصلية وهامة في جشع الاحتلال المائي ومأساة المياه الفلسطينية :
لمحة تاريخية:
أبار عين سامية تمت البداية معها قبل سنة 67 أيام الحكم الأردني ثم طوّرت في ثمانينات القرن الماضي من خلال آبار إضافية ثم توقّف التطوير بعد اتفاق أوسلو لجعل المياه من القضايا المؤجلة. لذلك بقيت آبار عين سامية على حالها وتراجع إمدادها مع التزايد السكاني ليكتفي بالقرى الشرقية دون أن تصل إلى خزان الجبل الطويل في مدينة البيرة. ثم فيما بعد لم تعد كافية لهذه القرى. وصارت رام الله تشتري مياهها من الشركة الإسرائيلية التي تنهبها مجانا وتبيعها بالكمية والسعر الذي تحدده كما يحلو لها.
لذلك فإن الاعتداء على آبار عين سامية يشكّل نموذجا لما هو أوسع وأشمل وينذر بعواقب جسيمة إن لم تقابل هذه الخطوة بحراك يناسب حجم هذا الخطر.
هل هناك وفرة مياه فلسطينيا في الجغرافية الفلسطينية؟
الضفة الغربية على خزان مياه ضخم وفيه من الوفرة ما يكفي لولا التحكم الكامل للاحتلال في مياه الضفة، ويتم استغلال هذا الخزان بشكل شبه كامل من قبل الإسرائيلي فمثلا قرابة 70% من مياه تل أبيب تؤخذ من هذا الخزان، المستوطنات تسبح في مياهنا وتفوق حصة المستوطن من المياه عشرين ضعف الفلسطيني، ولا مجال للمقارنة ، والمياه الفلسطينية من بحيرة طبريا الى نهر الأردن كلها تستغل أبشع استغلال حتى أن مياه طبريا تم سحبها من الشمال لزراعة النقب، هناك وفرة ولكنها بغالبيتها العظمى للاسرائيلي والفتات يباع للفلسطينيين، وهناك مشاريع تحلية تعد لبيعها تجاريا لنا بينما هم ينهبون مياهنا دون أي حساب او اعتبار.
باختصار الاحتلال كما يحتل الأرض يحتل المياه ولا يوجد ذرة سيادة على مياهنا على الاطلاق، ممكن الحديث عن آبار حفرت قبل قيود أوسلو وها هم يعتدون عليها قطعان المستوطنين.
أين موضوع المياه في الاتفاقيات والسياسات؟
تم ترحيلها بناء على اتفاقية أوسلو مع القضايا المؤجلة وبقيت حصة الفلسطينيين ثابتة دون أية مراعاة للتزايد السكاني والتغيير الديمغرافي الفلسطيني، وثم تقييد مشاريع المياه بموافقة ثلاث جهات يستحيل أن تتفق على شيء، وهي الإدارة المدنية وشركة ميكروت واللجنة الفلسطينية المشتركة، وهذه الأخيرة لم تجتمع سوى مرة واحدة ولم تتخذ أي قرار لتطوير أي مشروع للمياه يشمل حفر آبار أو خطوط ناقلة من الشمال حيث الوفرة الى الجنوب حيث شح المياه ... الخ. وفلسطينيا تقاسمت إدارة المياه عدة جهات منها سلطة المياه ومجلس إدارة قطاع المياه ودائرة مياه الضفة الغربية بقسميها قسم تابع للإدارة المدنية وقسم تابع فلسطينيا ، ومؤسسات كثيرة تحت مسمى إدارة تقديم خدمات المياه منها مصلحة مياه محافظة القدس ومصلحة مياه بيت لحم وبلديات نابلس والخليل وطولكرم وأريحا وجنين ... الخ .
أستطيع القول أن أزمة المياه تحل على حساب المواطن الفلسطيني، يتم تخديره صيفا وترحيل الازمة لتخف شتاء وهكذا، لم يشهد الشارع الفلسطيني أي حراك يتوجه لأصل المشكلة لا سياسيا ولا شعبيا.
بقينا في حالة إدارة الازمة بدل السعي نحو الحل، مياهنا تنهب بأبشع الطرق من قبل احتلال جشع الى أبعد الحدود مخترقا كل القوانين والأعراف الدولية بخصوص المياه، انتظار الكارثة دون حراك اكبر الكوارث. مثلا هل سمعتم بالدعوة لمظاهرة أو مسيرة احتجاجية أو متابعات إعلامية أو قانونية على الساحة الدولية؟ قد يكون ذلك في فترات الصيف القائظة ولكن بشكل خجول باهت ضعيف لا يسمن ولا يغني من عطش ولا يعبّر عن الكارثة.
اعتداءات المستوطنين على آبار عين سامية قد تدفع لمن يعلق الجرس ورمي حجر كبير في بئر مياهنا قد يحرّك مياهنا السياسية الراكدة.



