نابلس-سهير سلامة-خاص ب"واثق نيوز"-لا تكاد جلسة من جلسات المحاكم الشرعية في مدينة نابلس كمثيلاتها من المدن الفلسطينية على حد سواء ،تخلو من قضية او اثنتين او ما يزيد على هذا العدد اضعاف مضاعفة، فبات المجتمع باسره يعاني من ظواهر العزوف عن الزواح وارتفاع نسب الطلاق التي اصبحت تقلق الكثير من الشباب المقبل على الزواج والاهل ايضا، حيث نلمس تراجعا واضحا في نسب الإقبال على الزواج خلال السنوات الأخيرة، خاصة بين فئة الشباب.
عوامل متشابكة ...
وفي هذا السياق، يقول المحامي الشرعي والمحاضر في كلية الشريعة بجامعة النجاح الوطنية سعيد دويكات، ان هذه الظاهرة لا تعود إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة عوامل متشابكة اقتصادية، واجتماعية، ونفسية، وثقافية.
وفي مقدمة هذه الأسباب يأتي الجانب الاقتصادي، فارتفاع تكاليف الزواج من مهور، وحفلات، وتأثيث، وضغوط اجتماعية متزايدة جعلت الزواج عبئا كبيرا، بدل أن يكون استقرارا، كما ساهمت الأوضاع السياسية والمعيشية الصعبة في زيادة البطالة وتأخير قدرة الشباب على بناء بيت مستقل.
ويستطرد ان اهم هذه الأسباب كذلك الخوف من فشل العلاقة الزوجية في ظل ارتفاع نسب الطلاق في المجتمع، ما خلق حالة من التردد والقلق لدى الشباب والفتيات على حد سواء، هذا إلى جانب نقص الوعي الأسري، وغياب التأهيل النفسي والاجتماعي قبل الزواج، مما يجعل كثيرين ينظرون إلى الزواج بعين التوجس لا بعين الشراكة والمسؤولية.
ويذكر دويكات ان الاختيار السيء والذي يكون حسب المظهر دون الكفاءة، وضعف الوازع الديني،وتغييب التفاهم والتصالح البناء الذي يؤدي الى تدمير هذه الشراكه المقدسة ، يعزز عدم التفاهم بين الطرفين ويؤدي الى حدوث الطلاق في اغلب الأحيان.
فقدان الأمان ..
من جانبها، تقول الأخصائية الاجتماعية في مركز تنمية موارد المجتمع التابع لبلدية نابلس، السيدة عروب جمله، ان الاسرة هي الامان للازواج والاولاد وان فقدان الامان يؤدي الى عدم التوازن المجتمعي والاسري، وتظهر العديد من الامراض النفسية، والاجتماعية ، لدى الاطراف المتضررة من عدم الاتزان الاسري، ومنها العنف لدى المراهقين، ومن هم في سن البلوغ خاصة، وهذا يشكل خطرا على الاسرة والمجتمع على حد سواء، ويصبح لدى الابناء حالة من الانتقام ، وعدم الرغبة في الظهور امام المجتمع ، ومواجهة الاخرين .
وتضيف الأخصائية جمله اننا لا ننكر انه احيانا الطلاق يكون حلا جذريا لمشاكل عائلية لا يمكن العيش في ظلها،واختصارا للكثير من المشاكل التي من الممكن ان تحصل مع استمرار الوقت، بين الزوجين التي استحالت الحياة الاسرية بينهما وكان الانفصال ، الحل المنطقي والواقعي، بما ضمنته الشريعة الاسلامية من كونه إمساك بمعروف او تسريح بإحسان.
وسائل التواصل الاجتماعي ..
وتعزو المحامية الشرعية نظمية شبارو ذلك الى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي الذي غير مفهوم العلاقة الإنسانية، فبات البعض يبحث عن المثال الخيالي غير الموجود في واقعنا الفلسطيني ، والذي جعل الغالبية من الشباب ينفر من الواقع الحقيقي الذي يحتاج إلى صبر وتفاهم وتنازلات، ولذلك، فإن الحل لا يكون فقط في معالجة الأسباب الاقتصادية، بل أيضا في نشر ثقافة التأهيل الأسري من خلال مبادرات مثل "رخصة قيادة الأسرة"، التي تزود المقبلين على الزواج بالمعرفة الشرعية، والمهارات الاجتماعية، وأساليب التواصل وحل الخلافات، لتكون حياتهم الزوجية أكثر وعيا واستقرارا.
وتؤكد شبارو إن الزواج مسؤولية وليس مغامرة، ومتى ما وُجد الوعي والتأهيل، زاد الإقبال وثبتت أركان الأسرة، لأنها الأساس المتين لأي مجتمع قوي ومتماسك، وبغير ذلك يكون الزواج عبئا ثقيلا على كلا الطرفين.
وتؤكد المحامية الشرعية في محكمة بداية نابلس، ان أهمية دورات "رخصة قيادة الأسرة" للمقبلين على الزواج في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الأسرة في عصرنا الحديث، أصبحت حاجة ملحّة لتأهيل الشباب والشابات المقبلين على الزواج ليكونوا أكثر وعيا واستعدادا لبناء أسرة متوازنة ومستقرة، وايضا تهدف إلى تزويد المقبلين على الزواج بالمعرفة والمهارات الأساسية لقيادة حياتهم الأسرية بوعي ومسؤولية، ولا تُعنى فقط بالجوانب الشرعية من الزواج، وإنما تمتد لتشمل أبعادا نفسية، واجتماعية، واقتصادية، وقانونية. فهي تُعرّف الزوجين بحقوقهما وواجباتهما الشرعية، وتُكسبهما مهارات التواصل الفعّال، وفنون إدارة الخلافات، وفهم طبيعة الاختلاف بين الجنسين، إلى جانب توعيتهما بكيفية التخطيط المالي للحياة الزوجية، والتعامل مع الضغوط اليومية بطريقة صحية وبناءة.
وتكمل المحامية شبارو، إن المشاركة في مثل هذه البرامج تُعد استثمارا حقيقيا في استقرار الأسرة، فهي تقي من الكثير من المشكلات التي قد تظهر في السنوات الأولى من الزواج، وتساهم في خفض نسب الطلاق والانفصال، كما انها تساعد الزوجين على إدراك أن الزواج ليس مجرد علاقة عاطفية، بل مسؤولية وشراكة تحتاج إلى وعي وتدريب ومهارة.
التأهيل الأسري ..
وطالبت المحامية شبارو بضرورة ترسيخ ثقافة التأهيل الأسري قبل الزواج، تماما كما لا يُسمح بالقيادة دون رخصة، ينبغي ألا يُقبل على بناء أسرة دون وعي كاف بأصولها ومهاراتها، فـ"رخصة قيادة الأسرة" ليست مجرد دورة، بل منهج حياة يهدف إلى بناء أسرٍ سعيدة ومستقرة تشكل نواة لمجتمعٍ متوازنٍ ومتماسك.
وبحسب آخر إحصائيات قام بها مركز الاحصاء الفلسطيني للعام ٢٠٢٢ فان مدينة نابلس سجلت ٨٣٠ حالة طلاق وكانت النسبة تتأرجح ما بين العام ٢٠١٠ التي حصل بها ٦٢٤ حالة فيما شهد العام ٢٠٢١ ، ٨٣٩ حالة طلاق وكانت اعمار المطلقين تتمركز حول السن 20-24 عاما .
شهادة واقعية ..
فيما تقول احدى المطلقات انها اضطرت للخروج لسوق العمل لعدم قدرة الزوج على تأمين متطلبات البيت في ظل غياب الوظيفة التي كانوا يعتاشون منها.. والتي اضطرتها الظروف ولتعيل الاسرة وفي ظل وجود الاطفال الذين هم بحاجه الى الكثير من المتطلبات الأساسية ... وهذا أدى لحدوث الفجوات والمشاكل بينها وبين زوجها، مما جعلها تطلب الطلاق لتستطيع العمل وتأمين مصروفها اليومي الذي عجز الزوج عن تأمينه .



