الكاتب : د مجدي جميل شقوره
في تطور لافت يعيد ترتيب حسابات المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، كشف مصدر مطلع أن حركة حماس سلّمت الوسطاء الدوليين كشفاً مالياً مفصلاً يتضمن مستحقات موظفيها المدنيين والعسكريين، إلى جانب ديون متراكمة لصالح شركات وتجار في القطاع الخاص، تُقدّر بنحو ستة مليارات شيكل (قرابة ١.٦ مليار دولار) .
وبحسب المصدر، فإن هذه الخطوة لا تحمل بعداً مالياً فحسب، بل تمثل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الحركة تتعامل مع نفسها كجزء أصيل من البنية الإدارية القائمة في غزة، بما لديها من التزامات ورواتب وديون، وأن أي صيغة لإدارة المرحلة المقبلة لا يمكنها تجاوز هذا الواقع أو القفز عنه .
وتزامن الكشف المالي مع تحركات داخلية شملت ترقيات وظيفية وتعيين مسؤولين إداريين جدد في عدد من مناطق القطاع. ورغم الانتقادات الواسعة التي أثيرت حول هذه الإجراءات في ظل الأزمة المعيشية الخانقة وتوقف رواتب آلاف الموظفين القدامى، فإنها تعكس – وفق مراقبين – توجهاً لترتيب البيت الداخلي استعداداً لمرحلة مختلفة، لا لإخلاء الساحة.
وفي هذا السياق، أشار تقرير صادر عن "مركز مئير أميت للمعلومات الاستخباراتية" إلى أن الحركة تبحث آليات لدمج آلاف العناصر من أجهزتها القائمة ضمن هيكل أمني قد يتبع أي إدارة فلسطينية مقبلة، تحت عنوان حفظ النظام العام ومنع الفوضى. الرسالة الضمنية واضحة: البقاء عبر التوظيف، لا التسليم عبر المغادرة.
في المقابل، تؤكد المصادر ذاتها أن ملف السلاح ما زال مطروحاً باعتباره إحدى أعقد قضايا التفاوض، مع تمسك الحركة بموقفها الرافض لنزع سلاح الفصائل في هذه المرحلة. ويجري التعاطي مع هذا الملف ضمن مشاورات أوسع تتناول شكل الإدارة المقبلة وضمانات الاستقرار، في وقت تزداد فيه الضغوط الدولية والإقليمية لفصل الملفين: إدارة غزة من جهة، والترسانة العسكرية من جهة أخرى .
سياسياً، يرى مراقبون أن ترسيخ حضور الحركة ضمن أي صيغة إدارية جديدة في غزة ستكون له انعكاسات مباشرة على المشهد الفلسطيني العام، خصوصاً في ظل استمرار الانقسام بين القطاع والضفة الغربية بما فيها القدس. إذ أن بقاء حماس كلاعب مدني مسلح، أو حتى كلاعب مدني تحت سقف لجنة وطنية، يمنح دوائر القرار الإسرائيلية مبرراً دائماً لتأجيل أي مسار سياسي شامل، بحجة غياب مرجعية فلسطينية موحدة، وتجميد أي مفاوضات حول حل الدولتين.
ورغم تفصيل الكشف المالي للرواتب والديون، يشير المصدر إلى أنه لم يتضمن توضيحات موسعة بشأن أوجه صرف المساعدات الدولية والإقليمية التي دخلت القطاع خلال السنوات الماضية، أو آلية إدارة الإيرادات العامة. ما يفتح باب التساؤلات حول آليات إدارة الموارد في المرحلة المقبلة، وطبيعة المعالجات المالية المطلوبة لتسوية تركة معقدة تراكمت على مدار سنوات.
ختاماً :
تكشف الخطوة الأخيرة عن محاولة حماس لإعادة تعريف موقعها في اليوم التالي في وقت تتشابك فيه الضغوط الدولية مع الحسابات الداخلية الفلسطينية والمواقف الإسرائيلية. فبينما تقدم الحركة تنازلات إدارية (حل حكومتها، الموافقة على لجنة تكنوقراط) مقابل الإبقاء على نفوذها المدني والميداني، يبدو المجتمع الدولي منقسماً بين شرط نزع السلاح وواقع يصعب فرضه على الأرض.
غزة اليوم أمام تركة مالية معقدة، وورقة سياسية مزدوجة: إما تسوية انتقالية تعيد بناء المؤسسة على أسس مهنية، أو هدنة هشة تكرس واقعاً هجيناً تتحكم فيه حماس من خلف الكواليس. بين هذين الخيارين، تبقى التفاهمات مرهونة بمعادلات لم تنضج بعد، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ القضية .



