الكاتبة : سهير سلامة
يأتي رمضان كضيف سماوي يحمل في أنفاسه عبير الرحمة، وفي لياليه سكينة تغسل بها القلوب من شوائبها وأدرانها، هو ليس شهرا عاديا ويمر في التقويم ثم ينقضي، بل هو حالة إيمانية كاملة، زمن يتبدل فيه إيقاع الحياة، وتعلو فيه الروح على الجسد، ويصبح الصمت ذكرا، والجوع صلاة، والدمعة دعاء.
في هذا الشهر المبارك أشرق نور القرآن الكريم، وتلقاه سيد الرسل والمرسلين، وحيا يهدي البشرية جمعاء من ظلمات الحيرة إلى نور اليقين.
ومنذ ذلك الوقت، اصبح رمضان موسما للنور المتجدد، تعود فيه الكلمات الإلهية فتسكن القلوب، وتوقظ الضمائر، وتربت على الأرواح المتعبة.
رمضان ليس امتناعا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو امتناع عن كل ما يثقل القلب ويعتم البصيرة، هو مدرسة الصبر، ومحراب التوبة، وميدان المجاهدة الداخلية، فيه يتعلم الإنسان أن يكون سيد شهوته لا أسيرها، وأن يسمو فوق عاداته ليكتشف في داخله طاقة من النقاء لم يكن يدركها.
وفي لياليه، حين تخفت الأصوات وتصفو السماء، يقف المؤمن بين يدي ربه، يسكب ضعفه في الدعاء، ويستودع أوجاعه في السجود، فيشعر أن المسافة بين الأرض والسماء قد تلاشت.
وفي اواخره، تأتي ليلة القدر، كنجمة متلئلئة في تاج الشهر، ليلة تتنزل فيها السكينة، وتكتب فيها الأقدار برحمة إلهية.
أما في البيوت، فتتجلى صورة أخرى من الجمال، موائد إفطار تجمع القلوب قبل الأجساد، وأكف تمتد بالعطاء، وصدقات تداوي جراح الفقر، فيتحول المجتمع إلى جسد واحد ينبض بالتكافل والرحمة.
ثم يمضي رمضان كما يمضي النسيم، لكن أثره يبقى، يرحل الشهر، وتبقى البذور التي غرسها في النفوس، بذور التوبة، والعزم، والعودة الصادقة إلى الله. وهكذا يعلمنا رمضان أن الطهر ليس موسما عابرا، بل أسلوب حياة، وأن النور الذي يشتعل في القلب قادرا أن يبدد عتمة عام كامل.



