الكاتب : بلال خالد
لم يكن غسان كنفاني يمارس البلاغة حين قال لمحاوره الأسترالي: "إنها محادثة بين السيف والرقبة". كان يضع يد العالم على الحقيقة العارية التي يحاول الساسة والمفاوضون طمسها بمساحيق "السلام الزائف". في مدرسة غسان، الكلمات ليست لملء الفراغ، بل لملء الوعي، والاغتيال الجسدي الذي تعرض له كان اعترافاً صريحاً بأن "فكر الندّية" أخطر على الاحتلال من أي ترسانة عسكرية.
فلسفة الرفض: لماذا لا نحاور السكين؟
في العرف السياسي الحديث، يُعتبر "الحوار" فضيلة، لكن غسان فكك هذه الأكذوبة. الحوار يفترض وجود طرفين على أرضية مشتركة، أما حين يكون أحدهما "سيفاً" يسكن في لحم الآخر، فإن الحوار يصبح مجرد "إجراءات ذبح هادئة". غسان علّمنا أن الرقبة التي تقبل الحوار مع السكين هي رقبة استمرأت العبودية، بينما الرقبة الفلسطينية خُلقت لتمتد نحو الأفق، لا لتنحني تحت النصل.
من السكين العسكرية إلى سكين "التفتيت" ..
اليوم، لم تعد السكين مجرد نصل عسكري، بل تعددت أشكالها :
سكين المعونات: التي تحاول تحويل صاحب الأرض إلى "مستهلك" ينتظر طرداً غذائياً.
سكين الوظائف والتصاريح: التي تقايض الوجود بالولاء، وتحاول تفتيت القضية إلى "مطالب معيشية" معزولة (غزة، الضفة، الشتات).
سكين الشاشات: التي تخرج علينا بوجوه تدّعي تمثيل الشعب، لكنها تتحدث بلغة "الرقبة المتعبة" لا "الرقبة الصامدة".
مدرسة غسان: المقاتل يبدأ بـ "لا"
لقد أدرك غسان قبل عقود أن هزيمة الفلسطيني تبدأ حين يتم "تدجين" عقله . لذا، فإن رده الصادم كان يستهدف الشاب الفلسطيني قبل أن يستهدف الصحفي الغربي. كان يقول لنا: "لا تسمحوا لهم بتغيير تعريف الأشياء". الاستسلام ليس سلاماً، والتنازل ليس مرونة، والقبول بفتات الموائد ليس "واقعية سياسية".
الخاتمة:
الوفاء لغسان.. فعلُ وجود لا دمعة رثاء
إن الوفاء لغسان كنفاني لا يكون برفع صوره في المناسبات، ولا بنثر كلمات الرثاء على ضريحه؛ فالأفكار الكبيرة لا تُدفن، والمدارس الفكرية لا تُبكى. الوفاء الحقيقي يكمن في "استعادة البوصلة" التي حاول الكثيرون كسرها، وفي الإبقاء على تلك "اللا" العظيمة حيةً في وجه السكين.
اليوم، نرى روح غسان تولد من جديد في جيلٍ لم يقرأه في الكتب فحسب، بل يكتبه بدمه وعرقه على أرض الواقع. هذا الجيل الذي تجاوز عجز القيادات وتكلس الخطابات الرسمية، هو الذي يكسر "منطق السكين" الآن. إنه جيل "السوشيال ميديا" الذي استرد السردية من الماكينة الغربية، وجيل "الميدان" الذي أثبت أن الرقبة الفلسطينية، رغم سنوات الحصار والتفتيت، لم تعد قابلة للذبح الصامت.
إن هذا الشباب الذي يرفض مقايضة هويته بالمعونات، ويأبى أن يختزل وطنه في "تصريح عمل" أو "كوبون إغاثة"، هو التطبيق العملي لمدرسة غسان. هؤلاء هم الذين "يدقون جدران الخزان" بقوة هزت أركان العالم، مؤكدين أن الشمس التي ضلّت أفقها يوماً، قد وجدت أخيراً طريقها في قبضة يدٍ ترفض الانكسار.
لقد رحل غسان كنفاني جسداً، لكنه ترك لنا "عقيدة الندّية"؛ أن نعيش لنكون أنداداً، أو نموت ونحن نحاول. فالسماء التي آمن غسان أنها لا يمكن أن تكون قاسية إلى لا حدود، تمطر اليوم وعياً جديداً، يُعلن للعالم أجمع: "لقد انكسرت السكين.. وظلت الرقبة شامخة."



