جنين-واثق نيوز- طوال 4 أيام، لم يجد المواطن أمين خليلية سوى شاشة هاتفه الخلوي، يراقب عبرها 400 رأس من الغنم داخل مزرعته في بلدة جبع جنوب مدينة جنين ، بعد أن طرده مستوطنون مسلحون منها، ثم غاب المشهد الذي اعتاد رصده عبر الكاميرات، فقد فصل المستوطنون الكهرباء، وانقطع معها آخر خيط يربطه بمشروعه.
وحين تمكن خليلية -بعد جهد مضن- من الوصول إلى مزرعته، وجد خرافا ونعاجا نافقة من الجوع والعطش، وأخرى تحتضر. ولم تمض أسابيع حتى تحولت المزرعة التي كلّفته مع أرضها نحو نصف مليون شيكل إلى منشأة فكك المستوطنون أجزاءها وسرقوها.
ويقول خليلية (35 عاما) ، إنه عمل نحو 17 عاما داخل إسرائيل. وبعد أن مُنع العمال الفلسطينيون من الدخول إثر اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قرر استثمار كل ما يملك في مزرعة لتربية الأغنام، افتتحها مطلع سبتمبر/أيلول 2024.
وفي 9 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تغيّر كل شيء حين بدأ مستوطنون تجريف أراض مجاورة لمزرعة خليلية لإقامة بؤرة جديدة باسم "صانور". وبعد أيام، حاصره بضعة مستوطنين وأشهروا سلاحهم في وجهه، وهددوه بالضرب وتحطيم سيارته، ثم أجبروه على المغادرة، لكنه كرر محاولاته يوميا وفي النهاية أخرج أغنامه فقط وربع محتويات المزرعة.
وزع خليلية ما تبقى من أغنامه على 3 مواقع عند شقيقه وأقربائه، واضطر إلى بيع جزء كبير منها للتجار بنصف ثمنها، لأنه لا يملك مكانا يؤويها، فباع قبل أيام 112 رأسا، ولم يبق لديه سوى نحو 50 رأسا.
وعلى مقربة من المكان نفسه في جبع، عاش المواطن صقر علاونة تجربة مماثلة. فهو يملك منذ عام 2005 أرضا مساحتها 6 دونمات، اشتراها وسجّلها رسميا لدى الإدارة المدنية الإسرائيلية في "معسكر سالم" قرب مدينة جنين. زرعها بالزيتون، وبنى عليها منزلا مساحته 180 مترا مربعا، و10 منشآت لتجارة قطع غيار الجرارات الزراعية وصيانتها.
وقبل نحو 5 أشهر، ومع عودة المستوطنين إلى مستوطنة "ترسلة" المجاورة، وضعوا خطوطا حمراء داخل أرضه. وطلب منه الجيش المغادرة "ليومين أو ثلاثة"، ثم منعه من العودة نهائيا، وأبلغه بوجوب إخلاء البضائع وهدم المنشآت.
ويقول علاونة -للجزيرة نت- إن أهالي البلدة ساعدوه بنحو 30 جرارا لنقل البضائع، وإن المستوطنين صادروا من مخازنه بضاعة جديدة تُقدَّر بنحو 100 ألف شيكل، إضافة إلى عربة مقطورة. أما المنزل، فخُيرت العائلة بين هدمه بأيديها أو دفع 50 ألف شيكل تكاليف هدمه "فهدمه الأولاد بأيديهم".
ويقدّر المواطن الفلسطيني خسائره بين 1.5 و2 مليون شيكل. ويوضح أن الجيش سيّج نحو 100 دونم حول البؤرة وأعلنها "منطقة عسكرية مغلقة". ويقول "حياتنا صارت جحيما" في حين لا يزال زيتونه معلقا على أشجاره بلا قطف.
ولا تختلف خسارة خليلية وعلاونة في جوهرها عما يعيشه آلاف من مربي الماشية في الضفة. فبحسب معطيات وزارة الزراعة الفلسطينية، سرق المستوطنون نحو 4 آلاف رأس من الماشية منذ بداية العام حتى أواخر مايو/أيار، في حين تجاوزت خسائر المزارعين جراء اعتداءاتهم 5 ملايين دولار.
وتصف الوزارة ما يجري بأنه "ليس مجرد سرقة لأعداد من المواشي"، بل سياسة لتفريغ الأرض من أصحابها ومنعهم من الوصول إلى المراعي، موضحة أن الخسارة لا تقف عند عدد الرؤوس المسروقة، إنما تتعداها إلى:
-حرمان القطعان من المراعي واضطرار أصحابها إلى شراء الأعلاف.
-تخريب الحظائر وخطوط المياه.
-البيع القسري بأقل من نصف الثمن.
ومع ذروة موسم الزيتون، تصاعدت الخسائر الزراعية المباشرة، فقد قدّرتها الوزارة بنحو 3.68 ملايين دولار في الأسبوع الأول من أكتوبر/تشرين الأول وحده، وتصدرت محافظة جنين المتضررين. ثم بلغت أكثر من مليون دولار في الأسبوع التالي.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي مؤيد عفانة أن اعتداءات المستوطنين أثرت مباشرة في الاقتصاد الفلسطيني ودخل المواطنين وأمنهم الغذائي، مبيّنا أن القطاع الزراعي الأكثر تضررا "على الإطلاق" ويتكبد خسائر مباشرة بملايين الدولارات شهريا وخاصة قطاع الزيتون، الذي يوفر في الظروف الطبيعية نحو 200 مليون دولار، وتنتظره الأسر بوصفه مصدر دخل جوهري خاصة في الأرياف.
ويأتي قطاع الثروة الحيوانية في المرتبة الثانية من حيث الضرر، بحسب عفانة في حديثه للجزيرة نت، إذ يتعرض الرعاة لملاحقة مستمرة وسرقة مواشيهم وتخريب خطوط المياه والمنشآت. ثم تأتي المنشآت التجارية والصناعية القريبة من المستوطنات أو الواقعة في المنطقة (ج) التي تتعرض للحرق والتخريب المباشر.
ويوضح عفانة أن هذه الاعتداءات أفقدت آلاف الأسر الفلسطينية مصادر دخلها، ودفعت المئات منها إلى النزوح من التجمعات البدوية والريفية الزراعية إلى مراكز المحافظات.
ويقسّم الخبير عفانة أشكال الضرر إلى ثلاثة:
-تدمير الأصول الإنتاجية المعمرة، كاقتلاع أشجار الزيتون وحرقها، وذلك يعني تدمير استثمار يمتد لعقود، ومصدر رزق مستدام للأجيال المقبلة.
-استخدام السلاح والترهيب لمنع المزارعين من قطف محاصيلهم أو رعي أغنامهم، وهو ما يؤدي إلى خسارة الموسم بالكامل.
-رفع مخاطر الاستثمار بتكرار حرق المنشآت التجارية والصناعية وتخريبها، مما يضطر أصحاب العمل إلى الإغلاق وتسريح العمال، أو نقل أعمالهم إلى المدن.
ويصف عفانة الاعتداءات اليومية بأنها "استنزاف تدريجي وممنهج للقاعدة الإنتاجية الفلسطينية، وتقويض متعمد للأمن الغذائي". ويحذر من أن تراجع الإنتاج الزراعي والحيواني يسبب شحا في السوق وارتفاعا في الأسعار، إلى جانب الخسارة الحقيقية للاقتصاد الفلسطيني، ودفع مزيد من العائلات التي فقدت مصادر رزقها إلى الفقر والاعتماد على المساعدات الغذائية، وهو ما يفاقم الأزمة الإنسانية في الضفة.
غير أن المساعدات ذاتها تتقلص؛ فبسبب نقص التمويل، خفّض برنامج الأغذية العالمي عدد المستفيدين من مساعداته في الضفة إلى النصف، من 400 ألف إلى 200 ألف شخص.
كما حذر القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة كارل سكاو من أن تصاعد هجمات المستوطنين حوّل ما كان أزمة حقوق إنسان وحماية في الضفة الغربية إلى أزمة جوع، بعد أن تضاعف انعدام الأمن الغذائي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وبات نحو مليون فلسطيني هناك بحاجة إلى مساعدات غذائية.
وتحدث في إحاطة عبر الفيديو -قدّمها من القدس، في المؤتمر الصحفي اليومي للمتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، في 19 أكتوبر/تشرين الأول الماضي- عن حقول زيتون ومخيمات وقرى محروقة شاهدها خلال زيارات ميدانية. وأكد أن هجمات المستوطنين في أول أسبوعين من موسم القطف وحده تجاوز عددها في العام الماضي كله، محذرا من أن عدم الاستقرار يتبع الجوع حيثما انتشر.
وتكشف تحليلات البرنامج الأممي جانبا آخر من الأزمة؛ فقد أفادت 76% من الأسر في الضفة بتراجع ملحوظ في دخلها، في حين تُعَد أسعار الغذاء والوقود من الأعلى في المنطقة، ودفع ذلك عائلات كثيرة إلى بيع أصولها وتقليص عدد وجباتها ونوعيتها.
وبينت التحليلات أن نحو 12% من السكان يعانون استهلاكا غذائيا ضعيفا، في حين يعجز نحو ثلث الأسر عن تحمل تكلفة نظام غذائي صحي، خاصة في الأرياف وجنوب الضفة.
وفي أحدث حصيلة لموسم الزيتون صدرت أمس السبت، وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 674 اعتداء على أشجار الزيتون ومزارعيها خلال 37 يوما تمتد من 1 أكتوبر/تشرين الأول حتى 6 نوفمبر/تشرين الثاني.
ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وعلى مدى ثلاث سنوات، نفذ المستوطنون 14 ألفا و742 اعتداء، أسفرت عن استشهاد 66 فلسطينيا. كما أقاموا 211 بؤرة استيطانية جديدة، واستولوا على 64 ألف دونم من الأرض.

