رئيس التحرير

انتخابات الكنيست: وهم التغيير وسيف كنفاني

18 مشاهدة قراءة 10 دقيقة

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير


لا تكمن خطورة انتخابات الكنيست في نتائجها المتقاربة فحسب، بل في ذلك الوهم القديم المتجدد الذي يراود البعض بأن تغيير وجوه الحكام في تل أبيب قد يغير جوهر المشروع الصهيوني. فبين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت، يبدو المشهد وكأنه صراع بين نسختين من سياسة إدارة الصراع، لا بين مشروعين للسلام. كلاهما يرفض الدولة الفلسطينية، وكلاهما يعتبر الاستيطان مشروعًا استراتيجيًا يجب حمايته، وكلاهما مرتهن لمبادئ الحركة الصهيونية والإدارة الأمريكية، أكانت جمهورية أم ديمقراطية. وحين يرفع كنفاني صوته من عمق الذاكرة قائلًا إن ما يسمى مفاوضات السلام ليس إلا "حديثًا بين السيف والرقبة"، فإنه يضعنا أمام حقيقة مرة: لا يمكن للرقبة أن تتفاوض مع السيف على شروط البقاء.

قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك فارقًا بين نتنياهو، رئيس الحكومة الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل، وآيزنكوت، الجنرال السابق الذي يتحدث بلغة أكثر براغماتية. لكن هذا الفارق يتلاشى أمام جوهر الموقف من القضية الفلسطينية. فنتنياهو أعلن صراحة، حتى في سياق التطبيع مع السعودية، أن "إقامة دولة فلسطينية فكرة غير واردة بالنسبة لي"، مؤكدًا أن السيادة الأمنية الإسرائيلية ستبقى من النهر إلى البحر. أما آيزنكوت، فقد اعتبر أن "حل الدولتين خطأ فادح"، وأن "كل من يفكر في حل الدولتين بعد 7 أكتوبر واهم بكل بساطة". هو يرفض الضم الكامل للضفة الغربية وينتقد عنف المستوطنين، لكنه يعارض إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة، ويطرح بدلًا منها "حكمًا ذاتيًا" أو "دولة ناقصة" دون جيش، ودون إخلاء واسع للمستوطنات القائمة.

هذا التقارب الجوهري ليس مفاجئًا. فكلاهما يتحرك داخل الإطار الاستراتيجي نفسه: الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي، وتعميق الاستيطان، ومنع قيام دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية. آيزنكوت يدعم المستوطنات التي يعتبرها "قانونية"، لكنه يعارض توقيت مشروع "إي 1" الاستيطاني لأسباب تكتيكية لا مبدئية. الفرق بينهما ليس في الهدف، بل في أسلوب الإدارة: نتنياهو يريد ضمًا صريحًا وسرعة في فرض الوقائع، وآيزنكوت يريد إدارة الصراع بكفاءة أكبر، دون تغيير أسبابه الأساسية. وكما قال أحد المحللين، فإن الاختبار الحقيقي لرؤية آيزنكوت لا يكمن في درجة اعتدال خطابه، بل في قدرته على إحداث تغييرات ملموسة في الواقع السياسي والجغرافي. وحتى الآن، لا يقدم آيزنكوت أي تغيير جوهري في قضايا الاستيطان والسيادة.

الحديث عن "أهمية الإطاحة بحكم نتنياهو" ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تكتيكية حتى لو لم يكن البديل أقل سوءًا في الجوهر. فحكومة نتنياهو الحالية، بتحالفها مع سموتريتش وبن غفير، ليست مجرد حكومة يمينية عادية؛ إنها حكومة تسعى إلى تغيير قواعد اللعبة نفسها، عبر تقويض أي أفق سياسي ودفع المنطقة نحو التصعيد الشامل. استمرار نتنياهو يعني استمرار سياسات الضم الفعلي، وتوسيع الاستيطان، ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية عبر الضغط العسكري والتهجير. وحتى لو كان آيزنكوت يشاركه الرفض الجوهري للدولة الفلسطينية، فإن إسقاط نتنياهو قد يفتح هامشًا تكتيكيًا أوسع، ويخفف من حدة التطرف الحكومي، ويخلق ظروفًا أقل عدائية للمسار الفلسطيني.

لكن هذا لا يعني على الإطلاق أن البديل سيكون سلامًا. فالفصائل الفلسطينية، كما تشير التقارير، لم تعلق على الانتخابات الإسرائيلية لأنها تدرك أن "كلا المتنافسين أبديا تشددهما في التعامل مع هذا الملف". وهذا الوعي هو الخطوة الأولى نحو استراتيجية وطنية سليمة.

الخطأ الاستراتيجي الأكبر الذي وقع فيه الفلسطينيون مرارًا هو الرهان على "الرجل القوي" أو "المعتدل" في إسرائيل. من رابين إلى باراك إلى أولمرت، كان كل رهان يتبخر أمام بنية الدولة الصهيونية ومؤسساتها الاستيطانية. إسرائيل، كما يوضح المحللون، ليست مجرد حكومة يقودها هذا الشخص أو ذاك؛ إنها "امتداد سياسي ومؤسسي للمشروع الصهيوني". وسياساتها تجاه الفلسطينيين مرتبطة ببنية السيطرة على الأرض، ومؤسسات الأمن، وشبكات الاستيطان، والتصورات السائدة للسيطرة والهوية. لذلك، فإن هزيمة حزب أو خروج شخص من السلطة لا تعني تفكيك هذه البنية. قد تتبدل لغة الحكم وأساليبه، بينما تبقى المصالح التي تحمي استمرار الاحتلال قائمة.

وحتى الإدارة الأمريكية، جمهورية كانت أم ديمقراطية، ليست رهانًا يمكن الاعتماد عليه. فالدعم الأمريكي لإسرائيل ليس مجرد علاقة تبعية، بل تفاعل مصالح استراتيجية وعسكرية تجد في إسرائيل شريكًا يخدم مصالحها في المنطقة. ترامب قد يدعم نتنياهو علنًا، لكنه في النهاية يخدم مصالح واشنطن، لا مصالح الفلسطينيين. والرهان على أي إدارة أمريكية لتضغط من أجل دولة فلسطينية حقيقية هو رهان خاسر، لأن واشنطن لم تقدم يومًا سوى تسهيل إدارة الصراع، لا حلّه.

في مواجهة هذا الواقع، لم يعد خيار "الانتظار والمتابعة" مقبولًا. المطلوب هو خطة استراتيجية فلسطينية وعربية وإسلامية موحدة، لا تنتظر نتائج الانتخابات الإسرائيلية، بل تبني قوتها الذاتية وتفرض وقائع جديدة. هذه الخطة يجب أن تقوم على عدة ركائز:

أولًا : إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية وتمثيلية تشمل الضفة وغزة والقدس، كما تدعو بعض المبادرات إلى "الاتفاق على استراتيجية وطنية وبرنامج سياسي مشترك". فبدون وحدة وطنية حقيقية، لا يمكن مواجهة أي حكومة إسرائيلية.

ثانيًا: تحويل القضية الفلسطينية من قضية إدارة صراع إلى قضية تحرر وطني، عبر تصعيد المقاومة الشعبية والاقتصادية والقانونية في المحافل الدولية، وفرض كلفة على الاحتلال في كل المجالات.

ثالثًا: بناء جبهة عربية وإسلامية فاعلة لا تكتفي بالبيانات، بل تترجم الموقف الشعبي إلى مواقف رسمية ضاغطة، وتربط التطبيع بأي ثمن بإنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية.

رابعًا: عدم الرهان على أي رئيس حكومة إسرائيلي، والاستعداد لكل السيناريوهات، بما فيها استمرار نتنياهو أو صعود آيزنكوت أو أي وجه آخر، فالاستراتيجية الفلسطينية يجب أن تكون مستقلة في أهدافها وأدواتها وتوقيتها، لا أن تُعلّق على نتائج صناديق اقتراع لا يشارك الفلسطينيون فيها.

في النهاية، تعود بنا الحكاية إلى غسان كنفاني. حين سُئل عام 1970: لماذا لا تدخلون في محادثات سلام مع الإسرائيليين؟ أجاب: "أنت تقصد محادثات استسلام.. هذا نوع من الحديث بين السيف والرقبة". هذا ليس تشاؤمًا، بل تشخيصًا دقيقًا لطبيعة العلاقة. فالسيف لا يفاوض الرقبة على شروط السلام؛ إنه يفرض شروط الاستسلام. وأي استراتيجية فلسطينية تبدأ من افتراض أن السيف قد يلين، أو أن حامله قد يتبدل، هي استراتيجية تبدأ من نقطة ضعف.

المطلوب اليوم ليس انتظار "سيف أرحم"، بل بناء قوة الرقبة التي ترفض الحوار تحت السيف، وفرض معادلة جديدة: لا سلام دون حرية، ولا حرية دون إنهاء الاستعمار. وحينها فقط، قد يصبح السلام ممكنًا، لا كاستسلام، بل كتسوية بين ندّين .