رئيس التحرير

عندما يبكي الأردن تبكي فلسطين

9 مشاهدة قراءة 9 دقيقة

الكاتب : واصل الخطيب

رئيس التحرير

هزت فاجعة الكنيسة في الكرك قلوب الفلسطينيين من جنين حتى رفح ، ووقف الناس مذهولين من هول الجريمة التي استهدفت ابرياء كانوا في مراسم جنازة بكنيسة حمود التي هي مكان للعبادة والتسامح وليست مقصدا للمجرمين والقتلة المجردين من اي مذهب او دين . فأي دين هذا الذي يسمح بسفك دماء الابرياء؟ تماما كما تسفك دماء الابريا الفلسطينيين على يد آخر احتلال في التاريخ الحديث . 
لم يكن الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك جنوبي الأردن، يوم الجمعة 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، مجرد جريمة إطلاق نار أودت بحياة أبرياء وأوقعت عشرات الجرحى، بل كان اعتداءً على الإنسان وكرامته، وعلى حقه في ممارسة شعائره الدينية بأمان، ومحاولة لضرب قيم التآخي والتعايش التي شكّلت عبر التاريخ ركيزة أساسية في المجتمع الأردني والمنطقة بأسرها.
ففي لحظات كان يفترض أن تسودها مشاعر الحزن والوداع خلال مراسم الجنازة، تحولت الكنيسة إلى مسرح لجريمة دموية أودت بحياة 8أشخاص أبرياء، وأصابت عشرات آخرين .

إن استهداف مكان للعبادة، وإطلاق النار على أشخاص تجمعوا في مناسبة إنسانية ودينية، يكشفان عن انحدار خطير في منطق العنف الذي لا يقيم وزناً لقدسية الحياة، ولا يميز بين طفل وشيخ، أو رجل وامرأة، أو مسلم ومسيحي. إنها أيدٍ آثمة لا تمثل ديناً ولا مذهباً، ولا يمكن أن تنتسب إلى أي رسالة سماوية تدعو إلى الرحمة والعدل وصون النفس البشرية.
فالإرهاب، أياً كانت الشعارات التي يتستر خلفها، لا يحمل هوية دينية حقيقية، ولا يعبر عن عقيدة تؤمن بالحياة. ومن يقتل الأبرياء ويستبيح حرمة الكنائس والمساجد إنما يتنكر للقيم التي تقوم عليها الأديان، ويحوّل المعتقد إلى ذريعة لتبرير الجريمة، فيما جوهر الإيمان الحقيقي هو احترام الإنسان، وحماية حياته، وصون كرامته وحقه في الاختلاف.
وفي موقف كنسي يعكس عمق المأساة ورفض تحويل دور العبادة إلى ساحات للعنف، أدانت بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية، برئاسة البطريرك ثيوفيلوس الثالث، الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس في حمود. وشارك البطريرك وأعضاء المجمع المقدس والمطران خريستوفوروس، مطران الأردن، في تقديم التعازي إلى أسر الضحايا والشعب الأردني والقيادة الهاشمية، مؤكدين الثقة بقدرة الأجهزة الأمنية على ملاحقة مرتكبي الجريمة وتقديمهم إلى العدالة. 

وشددت البطريركية على أن هذه الجريمة لن تنال من الوحدة الوطنية، بل ستزيد المسلمين والمسيحيين تمسكاً بأرضهم وتضامناً في مواجهة الفكر المتطرف، مؤكدة أن المسيحيين أبناء هذه الأرض وشركاء في تاريخها وحاضرها ومستقبلها، وأن الاعتداءات لن تدفعهم إلى التخلي عن جذورهم أو مغادرة وطنهم.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة، لأنها تؤكد أن الكنيسة ليست مجرد مبنى تقام فيه الصلوات، بل جزء من ذاكرة المجتمع وهويته الثقافية والروحية. كما أن موقف البطريرك ثيوفيلوس الثالث والمجمع المقدس يتجاوز التعبير عن الحزن والإدانة، ليحمل دعوة واضحة إلى حماية العيش المشترك، وترسيخ المواطنة، ورفض كل خطاب يسعى إلى تقسيم المجتمعات على أساس الدين أو المذهب.
إن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الأردن وفلسطين وبلاد المشرق ليست علاقة طارئة فرضتها ظروف السياسة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من الجوار والشراكة والتفاعل الثقافي والاجتماعي. وقد عاشت العائلات والقرى والمدن عبر أجيال في إطار من المصالح المشتركة والروابط الإنسانية، الأمر الذي يجعل استهداف أي جماعة دينية اعتداءً على المجتمع كله، لا على أبناء تلك الجماعة وحدهم.
إن أخطر ما في هذه الجريمة لا يقتصر على عدد الضحايا وحجم الخسارة الإنسانية، بل يمتد إلى ما قد تتركه من آثار نفسية واجتماعية، خصوصاً لدى الأطفال والشباب الذين يشاهدون دور العبادة، وهي أماكن يفترض أن تمنح الإنسان الطمأنينة والأمان، تتحول إلى مواقع للخوف والموت.
فحين يُستهدف المصلون أو المشيعون بسبب وجودهم في مكان ديني، تتعرض الثقة المجتمعية لاختبار قاسٍ، وقد تستغل الجماعات المتطرفة هذه الجرائم لبث الكراهية وتغذية مشاعر الانتقام وإشاعة الاعتقاد بأن الاختلاف الديني مصدر للصراع. ومن هنا، فإن مواجهة الإرهاب لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، على أهميتها، بل تحتاج أيضاً إلى مواجهة فكرية وتربوية وثقافية تحاصر التطرف في منابعه، وتفكك خطاب التحريض، وتمنع توظيف الدين لتبرير العنف.
وتقع على المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية مسؤولية كبيرة في هذا المجال، من خلال نشر خطاب الاعتدال، وتعزيز ثقافة الحوار، وتقديم نماذج حقيقية للتعاون بين أتباع الأديان، وإبعاد الأجيال الجديدة عن الأفكار التي تصنف البشر وفق معتقداتهم وتمنح بعضهم حق الحياة وتسلبه من آخرين.
كما أن كشف ملابسات الهجوم، ومحاسبة المسؤولين عنه وفق القانون، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمصابين وأسر الضحايا، خطوات أساسية لمنع تحول الجريمة إلى جرح مفتوح في الذاكرة الوطنية.
إن مستقبل المنطقة لن يُبنى على الخوف المتبادل، ولا على استدعاء الانقسامات الدينية والمذهبية، بل على الاعتراف بأن كرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمان قيم لا تقبل التجزئة. فالمسلم الذي يرفض الاعتداء على كنيسة يدافع عن حق الإنسان في الإيمان، والمسيحي الذي يرفض الاعتداء على مسجد يدافع عن الحق ذاته؛ لأن الحرية الدينية لا تكون كاملة إذا اقتصرت على جماعة دون أخرى.
ومن هنا، فإن جريمة حمود تستدعي موقفاً عربياً وإنسانياً موحداً، يرفض الإرهاب من دون مواربة، ويحمي دور العبادة، ويؤكد أن مسؤولية مواجهة التطرف مشتركة بين الحكومات والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام.
ولا بد من أن تتحول هذه المأساة إلى مناسبة لتعزيز التربية على التسامح في المدارس والجامعات، وترسيخ ثقافة المواطنة في المؤسسات العامة، وتشجيع المبادرات المشتركة التي تجمع الشباب المسلم والمسيحي في أعمال إنسانية واجتماعية، بدلاً من تركهم فريسة لخطابات العزل والتحريض.
إن الأجيال القادمة تستحق أن ترث وطناً تتجاور فيه الكنائس والمساجد بأمان، وأن تتعلم أن الاختلاف في العقيدة لا يلغي وحدة المصير الإنساني، وأن الدماء التي تسيل في مكان للعبادة هي خسارة لكل إنسان يؤمن بالسلام والعدالة.
وستبقى كنيسة حمود، بما تحمله من رمزية روحية وإنسانية، شاهداً على أن الإرهاب يستطيع أن يحصد الأرواح، لكنه لا ينبغي أن ينجح في اقتلاع المحبة من القلوب أو تفكيك روابط المجتمع.