رئيس التحرير

الكذب المريح

16 مشاهدة قراءة 9 دقيقة

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير

في كل دورة انتخابية إسرائيلية، تتكرر الأسطوانة المشروخة ذاتها: انتظار النتائج بفارغ الصبر، وترقّب "تغيير" قادم، ومراهنة على وجوه جديدة. هذه المرة، الاسم الأبرز هو غادي أيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، الذي يتصدر استطلاعات الرأي كأبرز منافس لبنيامين نتنياهو. لكن الحقيقة الصادمة التي يحاول كثيرون تجاهلها أن أيزنكوت نفسه جاء من معسكر اليمين، ولا يختلف عن نتنياهو في الثوابت الجوهرية تجاه القضية الفلسطينية. التغيير الحقيقي الوحيد الذي قد يتحقق هو في الوجه واللهجة والأسلوب، لا في الاستراتيجية. ومن هنا يأتي "الكذب المريح": وهم أن تغيير الشخص يعني تغيير السياسة.

غادي أيزنكوت ليس غريباً عن منظومة الاحتلال. خدم كرئيس أركان الجيش الإسرائيلي من 2015 إلى 2019، وانضم إلى حكومة الحرب بعد أحداث 7 أكتوبر 2023. وفي الحرب على غزة، دفع ثمناً شخصياً : فقد ابنه الرقيب غال مئير أيزنكوت في المعارك شمال قطاع غزة في ديسمبر/كانون الأول 2023، ثم فقد ابن أخيه بعد يوم واحد، ثم ابن أخ آخر بعد عام. هذه الخلفية تمنحه غطاءً عاطفياً وتعاطفاً شعبياً، لكنها لا تغيّر شيئاً من مواقفه السياسية.

في أغسطس/آب 2026، قال أيزنكوت صراحةً إن "أي شخص يفكر في حل الدولتين بعد 7 أكتوبر هو واهم". وأكد أن الحكومة التي يسعى لتشكيلها "لن تشهد ولادة أي كيان سياسي فلسطيني". عندما سُئل عن الاستيطان، اكتفى بالقول إن مشروع "إي 1" خطأ يكلّف إسرائيل على الساحة الدولية، لكنه لم يتحدث عن وقف الاستيطان أو تفكيكه. وحتى عندما انتقد عنف المستوطنين، كان ذلك من باب الحفاظ على شرعية إسرائيل الدولية و"إنقاذ" الاستيطان ذاته، لا من باب الاعتراف بحقوق الفلسطينيين.

ليست المشكلة في أيزنكوت وحده، فأفيغدور ليبرمان، زعيم "إسرائيل بيتنا"، قال صراحةً عام 2018 إن "الدولة الفلسطينية لا تهمني" ودعا اخيرا الى تسليم الضفة الغربية للحكم الاردني بمعنى الغاء السلطة الوطنية الفلسطينية، اما نفتالي بينيت، الذي يُقدَّم كبديل يميني معتدل، فقد أعلن أن "مسألة إقامة دولة فلسطينية لم تعد مطروحة"، وأنه "ضد التنازل عن أي شبر من الأرض". وقد ذهب إلى أبعد من ذلك: رفض قيام دولة فلسطينية حتى لو كان الثمن التطبيع مع السعودية. أما يائير لابيد، الذي يُصنَّف كوسطي، فقد وصف الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية بـ"الخطأ الأخلاقي والدبلوماسي"، وترك حزبه قاعة الكنيست لتفادي التصويت ضد قرار إقامة الدولة، وهو اليوم يقول إن حل الدولتين "لم يعد واقعياً بعد 7 أكتوبر".

هؤلاء جميعاً أيزنكوت، ليبرمان، بينيت، لابيد، يشكلون ما يمكن تسميته "اليمين بأوجه متعددة". هم متفقون على رفض الدولة الفلسطينية، ويختلفون فقط في التوقيت والتكتيك والخطاب. والحديث عن "تغيير" في ظل هذه المواقف هو خديعة مريحة لأنظمة عربية ترغب في التطبيع دون ثمن سياسي، وتخدع شعوبها بوهم "الاعتدال" القادم.

في هذا السياق، لم يكن شطب رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، سامي أبو شحادة، من الترشح للانتخابات مجرد إجراء قانوني، بل كان هدفاً سياسياً واضحاً: إضعاف نسبة التصويت في الوسط العربي، وحرمان القائمة المشتركة من قيادة رمزية ذات ثقل جماهيري. وأبو شحادة اضطر إلى سحب ترشحه بعد أن أيقن أن أغلبية قضاة المحكمة العليا الاسرائيلية تؤيد شطبه، في حين أُبقيت القائمة نفسها، وهذه المعادلة المقصودة بعناية تُبقي التمثيل العربي موجوداً شكلاً، لكنها تُفقده فعاليته وقوته الرمزية.

لكن الحسابات الإسرائيلية تعتمد على معطى قابل للتغيير وهو نسبة التصويت العربي. في انتخابات 2020، حيث بلغت 65%، مما منح القائمة المشتركة 15 مقعداً وهو أعلى تمثيل في تاريخ المشاركة العربية في الكنيست. وفي 2022 ايضا، انهارت النسبة إلى 53.2%، وعاد التمثيل العربي إلى 10 مقاعد، وهنا المعادلة واضحة: كل نقطة مئوية في التصويت العربي تعني مقعداً إضافياً، وكل مقعد إضافي يغيّر موازين تشكيل الحكومة.

اليوم، يُقدَّر أن الأحزاب العربية قد تحصل على 12 إلى 14 مقعداً، مما يجعلها "بيضة القبان" الحقيقيةوإذا تجاوزت نسبة التصويت 65%، فإن إزاحة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش عن الحكم تصبح ممكنة. وهؤلاء الثلاثة لا يمثلون فقط سياسات عنصرية، بل يمثلون تهديداً وجودياً للمواطنين العرب: بن غفير وزير الأمن القومي المسؤول عن الجريمة والعنف، وسموتريتش مهندس التوسع الاستيطاني، ونتنياهو رأس المنظومة كلها.

 إذا نجح التصويت العربي في إزاحة الائتلاف الحالي، فماذا سنرى على الأرض؟ قد يتحسن الاقتصاد الإسرائيلي، لأن أيزنكوت نفسه رجل مالي واقتصادي، وقد يخفف عنف المستوطنين في الضفة الغربية، لأن أيزنكوت نفسه انتقد هذا العنف واعتبره يضر بشرعية إسرائيل الدولية. لكن الثوابت الإسرائيلية ستظل قائمة: لا دولة فلسطينية، لا وقف للاستيطان، لا تفكيك للمستوطنات، استمرار ملاحقة "المنظمات المسلحة" تحت مسمى "الإرهاب".

التغيير الحقيقي سيقتصر على الشكل بمعنى "خطاب أقل تطرفاً وحضور دولي أكثر قبولاً"، وتحسن اقتصادي نسبي. أما القضية الفلسطينية، فستبقى في مكانها، لأن كل الأطراف الإسرائيلية المتنافسة بمن فيهم أيزنكوت  يشتركون في رؤية واحدة وهي لا دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران عام 67 .

وهنا مربط الفرس. الرهان على "تغيير" في إسرائيل دون الضغط على الثوابت هو كذب مريح نسمعه منذ عقود. التصويت العربي بنسبة تتجاوز 65% ليس فقط لإزاحة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، بل لتقليص قدرة أي حكومة قادمة على المناورة. وحده الضغط الفلسطيني والعربي، سياسياً وشعبياً، يمكنه تحويل هذا "التغيير" من تجميل للاحتلال إلى شيء مختلف. أما الانتظار السلبي للنتائج، والمراهنة على "الوجه الجديد" في تل أبيب، فهو ببساطة الخديعة الأكثر راحة، والأقل تكلفة .