رئيس التحرير

الفلسطينيون يدفعون ثمنا غاليا في موسم الاعياد اليهودية

66 مشاهدة قراءة 12 دقيقة

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير 
لم يعد المشهد الفلسطيني في مواسم الأعياد اليهودية يقتصر على إجراءات أمنية عابرة أو قيود مؤقتة على الحركة. فما جرى في القدس والضفة الغربية خلال أيام عيد الغفران اليهودي، ولا سيما في المسجد الأقصى ومحيط رام الله، يعيد طرح السؤال التالي: كيف تحولت مناسبة دينية إسرائيلية إلى موسم تتضاعف خلاله القيود المفروضة على الفلسطينيين، وتتقلص فيه مساحات حركتهم، بينما تتصاعد في الوقت ذاته الاقتحامات والطقوس الدينية داخل أحد أقدس الأماكن الإسلامية؟ وهو المسجد الاقصى المبارك الذي استباحه اليوم اكثر من 1400 مستوطن وحاخام على مرأى الجيش والشرطة وبحمايتهم . 

في المسجد الأقصى، حمل عيد الغفران هذا العام تصعيداً لافتاً،فقد وثقت محافظة القدس اقتحام 1678 مستوطناً للمسجد خلال يومي 20 و21 أيلول/سبتمبر الجاري؛ بينهم 992 في اليوم السابق للعيد، و686 في يوم الغفران نفسه، وهي أعلى حصيلة تسجلها المحافظة لهذه المناسبة منذ بدء رصدها. وتخللت الاقتحامات طقوس وصلوات توراتية علنية وجماعية، في ظل حماية الشرطة الإسرائيلية، ومشاركة مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية في بعض هذه الممارسات.  

وفي اليوم التالي، لم تتوقف الاقتحامات،فقد اقتحم 80 مستوطناً المسجد الأقصى صباح الثلاثاء 22 أيلول/سبتمبر، وفق محافظة القدس، وأدوا طقوساً دينية داخل باحاته، في استمرار لسلسلة الاقتحامات التي بدأت مع موسم العيد.  

وهنا تكمن المفارقة، ففي الوقت الذي كان فيه الإسرائيليون يعيشون أجواء عيدهم الديني، كانت القدس بالنسبة إلى الفلسطينيين مدينة مغلقة ومشددة الحواجز، وكانت حرية الوصول إلى المسجد الأقصى تخضع لقيود إضافية. وأفادت محافظة القدس بأن السلطات الإسرائيلية فرضت قيوداً على الحركة والنقل والعمل، وأغلقت مؤسسات ومتاجر، وشددت إجراءات الوصول إلى البلدة القديمة، بالتزامن مع القيود المفروضة على وصول المصلين المسلمين إلى المسجد المبارك .

المشكلة هنا لا تتعلق بالعيد اليهودي باعتباره مناسبة دينية؛ فلكل جماعة حقها في ممارسة شعائرها الدينية. لكن جوهر القضية الفلسطينية يكمن في كيفية إدارة سلطات الاحتلال لهذه المناسبات عندما تتقاطع مع الأماكن المقدسة وحرية الفلسطينيين في الحركة والعبادة والحياة اليومية.

فعندما تتحول المناسبة الدينية إلى ذريعة لإغلاق الطرق والحواجز، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أعمالهم ومنازلهم، وتقييد وصول المصلين إلى مقدساتهم، بينما تترافق الإجراءات نفسها مع اقتحامات منظمة للمسجد الأقصى وطقوس دينية يؤديها المستوطنون داخله، يصبح الحديث عن مجرد "إجراءات أمنية مرتبطة بالعيد" غير كافٍ لتفسير الصورة كاملة.

وقد ربطت محافظة القدس بين التصعيد خلال عيد الغفران وبين محاولات فرض ممارسات جديدة داخل المسجد الأقصى، مشيرة إلى إدخال كتب وأدوات وملابس دينية، وإلى أداء طقوس وصلوات بصورة علنية وجماعية.  

وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر إذا وضعت في سياق أوسع؛ إذ وثقت وزارة الأوقاف الفلسطينية خلال شهر آب/أغسطس الماضي وحده 26 اقتحاماً للمسجد الأقصى، تخلل بعضها أداء طقوس وصلوات جماعية علنية.  

لكن الاعتداء على الحياة الفلسطينية لا يتوقف عند أبواب الأقصى. ففي الضفة الغربية، ولا سيما في محيط رام الله والبيرة، تحولت الطرق والحواجز العسكرية إلى أدوات تضييق يومية على حياة عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

في 20 و21 أيلول/سبتمبر الجاري، أغلقت القوات الإسرائيلية مداخل وطرقاً عدة حول رام الله؛ بينها مداخل عين سينيا وترمسعيا والنبي صالح، وأقيمت حواجز عسكرية على مداخل بلدات وقرى، ما أدى إلى تعطيل حركة المركبات والفلسطينيين.  

ولم يكن الأمر مجرد تأخير عابر في حركة السير،فإغلاق الطرق الرئيسة يدفع الفلسطينيين إلى البحث عن مسارات بديلة، كثير منها طرق فرعية ضيقة أو وعرة، في رحلة قد تستغرق أضعاف الزمن الطبيعي للوصول إلى العمل أو الجامعة أو المستشفى أو المنزل.

وتزداد الأزمة حدة عندما تطال الإجراءات المحاور التي تربط المدن والبلدات بعضها ببعض،فقد أفادت تقارير صحفية باستمرار إغلاق عدد كبير من البوابات والحواجز المحيطة بمحافظة رام الله والبيرة، وبقاء حاجزي عطارة وعين سينيا مغلقين، إلى جانب تشديد الإجراءات على طرق أخرى، الأمر الذي تسبب بتكدس أعداد كبيرة من المركبات وتعطيل حركة السكان.  

أما حاجز قلنديا، الذي يمثل محوراً بالغ الأهمية لحركة الفلسطينيين بين رام الله والقدس ومحيطهما، فقد شهد بدوره تشديداً للإجراءات واختناقات مرورية حادة، إلى جانب حاجز جبع ومداخل أخرى شمال القدس . 

وفي 27 أيلول/سبتمبر الحالي، أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية"وفا" بأن إغلاق وتشديد الإجراءات عند عدد من الحواجز والطرق المحيطة برام الله والضواحي الشمالية للقدس أدى إلى بقاء آلاف المركبات عالقة، مع صعوبة شديدة في الدخول إلى رام الله والخروج منها، ومن بين النقاط المتأثرة قلنديا وجبع وحزما وعين سينيا وعطارة وغيرها. 

ويجدر القول في هذا السياق ، ان الحاجز العسكري في الحياة الفلسطينية ليس مجرد نقطة تفتيش على الطريق. بل هو موعد عمل يتغير، وطريق مدرسة يصبح أطول، ومريض يتأخر عن موعده، وموظف لا يعرف إن كان سيتمكن من العودة إلى منزله، وتاجر تتعطل تجارته، وطالب جامعي يضطر إلى الانطلاق قبل ساعات من موعد محاضرته.

وعندما تُغلق الطرق الرئيسة، لا يختفي الطريق البديل، لكنه يتحول إلى طريق أكثر كلفة وخطورة وإرهاقاً، حيث يصبح على الفلسطيني أن يختار بين الانتظار لساعات عند حاجز مغلق، أو سلوك طرق التفافية تزيد المسافة والوقت وتستهلك المركبة والوقود والأعصاب، وربما المرور بقرى ومناطق لا يعرف مدى إمكانية عبورها في اللحظة التالية... وهكذا تتحول الجغرافيا الفلسطينية نفسها إلى شبكة من الممرات التي يمكن إغلاقها أو فتحها بقرار عسكري.

ان المشهد الراهن لا يقتصر على عيد الغفران. ففي 27 أيلول/سبتمبر، أعلنت السلطات الإسرائيلية إغلاقاً شاملاً في الضفة الغربية والمعابر حتى 3 تشرين الأول/أكتوبر، بذريعة عيد العرش اليهودي.وهذا التسلسل يطرح مسألة تتجاوز المناسبة الدينية نفسها: ماذا يعني أن يصبح التقويم الإسرائيلي مصدراً لتغيير إيقاع الحياة الفلسطينية؟

فعندما يأتي كل عيد يهودي محملاً بإغلاق للطرق، وتشديد للحواجز، وتقييد للحركة، وإجراءات خاصة في القدس والخليل، تصبح حياة الفلسطينيين مرتبطة عملياً بمواعيد الأعياد الإسرائيلية. وفي كل مرة يدفع المواطنون ثمن هذه الإجراءات من وقتهم وأعمالهم ودراستهم وتنقلهم ووصولهم إلى الخدمات.

وفي الوقت ذاته، تتزامن هذه القيود في القدس مع إجراءات تحد من وصول المسلمين إلى المسجد الأقصى المبارك، بينما تسجل داخل ساحاته اقتحامات لمستوطنين يؤدون طقوساً دينية تحت حماية الشرطة.

قد تبدو صورة المسجد الأقصى منفصلة عن صورة حاجز قلنديا أو بوابات رام الله، لكن الرابط بين المشهدين واضح في أثرهما على الحياة الفلسطينية من حيث تقييد المكان والحركة، وإعادة رسم حدود الوصول.

وبين الحاجز والبوابة العسكرية والاقتحام، تصبح حرية الحركة والعبادة والعمل امتيازاً قابلاً للمنح والمنع، لا حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان. والأخطر أن تكرار هذه الإجراءات يجعل الاستثنائي اعتيادياً ، فما كان يوماً إجراءً طارئاً يصبح ممارسة مألوفة؛ وما كان يوماً اقتحاماً استثنائياً يصبح مشهداً متكرراً في مواسم الأعياد.

هنا نقول : ليس المطلوب من العالم أن يعترض على عيد ديني أو على ممارسة شعائر دينية وانما المطلوب هو التمييز بين حرية العبادة وبين استخدام القوة والسيطرة على الأرض والمقدسات والطرق لفرض واقع على جماعة أخرى. فحرية اليهود في الاحتفال بأعيادهم لا ينبغي أن تعني حرمان الفلسطينيين من حرية الوصول إلى أعمالهم وبيوتهم وطرقهم ومقدساتهم. وممارسة الشعائر الدينية لا ينبغي أن تتحول إلى مدخل لفرض طقوس جديدة داخل مكان مقدس يخضع وضعه التاريخي والقانوني لترتيبات قائمة منذ فجر التاريخ .

إن ما جرى في عيد الغفران هذا العام، من اقتحامات قياسية للأقصى إلى إغلاق طرق رام الله وتشديد الخناق على حركة الفلسطينيين، يضع أمام المجتمع الدولي والمؤسسات المعنية سؤالاً بسيطاً مفاده : هل يمكن أن تكون حرية طرف دينية مبرراً لتقييد حرية طرف آخر في العبادة والحركة والحياة؟ .. سؤال برسم الاجابة المؤجلة لعل المجتمع الدولي يقول كلمته يوما في وجه دولة الاحتلال .