الرباط - واثق نيوز- غيّب الموت، اليوم الجمعة، المناضل والحقوقي المغربي من أصول يهودية سيون أسيدون بإحدى مصحات الدار البيضاء، دون أن يسعفه القدر في رؤية أمنية حياته النضالية بنهاية دولة الاحتلال الإسرائيلي، واستعادة الشعب الفلسطيني حقوقه. وكان أسيدون قد أدخل إلى إحدى المصحات الخاصة في مدينة المحمدية غرب الدار البيضاء في حالة غيبوبة إثر حادث سقوطه داخل منزله في أغسطس/ آب الماضي، قبل أن يُنقل إلى مستشفى جامعي بالدار البيضاء حيث كان يخضع للعلاج، في حين فتحت النيابة العامة تحقيقاً في الحادث.
أبصر أسيدون النور في عام 1948 بمدينة أغادير المغربية لعائلة يهودية أمازيغية، قبل أن ينتقل في محطة أولى إلى الدار البيضاء بعد الزلزال الذي ضرب أغادير في 29 فبراير/ شباط 1960، وفي محطة ثانية إلى باريس أين تابع دراسته الجامعية في تخصص الرياضيات. وشكلت العاصمة الفرنسية محطة مهمة في مسيرة الراحل السياسية والنضالية، حيث تشبّع هناك بالفكر اليساري وبالأفكار الثورية والنضالية. وشارك في انتفاضة مايو/ أيار 1968 إلى جانب مجموعة ثورية فرنسية، قبل أن يقرر العودة إلى المغرب عام 1967 ليواصل دراسته في كلية العلوم بجامعة محمد الخامس بالرباط، بالموازاة مع عمله أستاذاً للرياضيات لإعالة عائلته.
وتمتد سيرة أسيدون السياسية طويلاً في الزمن، بدأها مبكرا في العام 1970، حين أسهم في تأسيس منظمة "23 مارس" الماركسية ــ اللينينية، إحدى أهم حركات اليسار الجديد المغربي آنذاك، قبل أن يعيش في فبراير/ شباط 1972 محنة الاعتقال السياسي في المعتقل السري "دار المقري"، ويكتوي بنار ما يعرف في أدبيات السياسة المغربية بـ"سنوات الجمر والرصاص"، بعد الحكم عليه بالسجن 15 سنة بعدما لوحق بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم والقيام بأعمال عنف.
ويبقى تاريخ أغسطس/ آب 1984 من أبرز المحطات في مسار سيون أسيدون السياسي، بعد أن عانق مع عدد من رفاقه في منظمتي "إلى الأمام" و"23 مارس" ومنظمة "لنخدم الشعب" الحرية في إطار عفو أصدره الملك الراحل الحسن الثاني بمناسبة ذكرى "ثورة الملك والشعب"، بعد أن أمضى أكثر من 12 سنة في غياهب سجن القنيطرة غرب الرباط.
ورغم معانقته الحرية، إلا أن الراحل عاش لحظات محنة جديدة بعد أن حرم من جواز سفره مدة ثماني سنوات عقب مغادرته السجن، دون أن يمنعه ذلك من مواصلة مساره النضالي والحقوقي بالانخراط في مكافحة الرشوة والفساد عبر منظمة "ترانسبرانسي المغرب"، التي كان من مؤسسيها وأول كاتب عام لها، وهي مؤسسة غير حكومية تتبنى مبادئ منظمة الشفافية الدولية.
برحيل أسيدون، اليوم الجمعة، عن عمر ناهز 77عاماً، طُويت صفحة أحد أبرز الحقوقيين المغاربة المدافعين عن الفلسطينيين والمناهضين للصهيونية والتطبيع مع إسرائيل والداعين لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية أو الشركات الداعمة للاحتلال، إذ يعد من أبرز مؤسّسي حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها "BDS" عام 2005. وتعود علاقة سيون أسيدون بفلسطين ونضال الشعب الفلسطيني إلى عام النكسة سنة 1967، حين تعرف حينها الشاب المغربي اليهودي، الذي اختارت عائلته عدم "الهجرة" إلى إسرائيل، على القضية الفلسطينية، واكتشف حقيقة الحركة الصهيونية.
سيون أسيدون الوفي للقضية الفلسطينية
وطيلة مساره، آمن الراحل بأن القضية الفلسطينية جزء لا يتجزأ من نضاله، وهو ما دعاه في عام 1982 إلى أن يبعث بمعية المناضل اليساري المغربي أبراهام السرفاتي من داخل سجن القنيطرة برسالة إلى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، أكدا من خلالها استعدادهما للانضمام إلى المقاومة الفلسطينية عبر مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بالرباط.
وإلى اللحظات الأخيرة من حياته قبل حادث سقوطه في منزله بمدينة المحمدية، ظل الراحل وفياً للنضال ضد الصهيونية ودولة الاحتلال ولدعمه فلسطين، حريصاً على المشاركة في الفعاليات المتضامنة مع غزة والمنددة بالعدوان الإسرائيلي على القطاع، في إطار السكرتارية الوطنية للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، حيث شارك في الاعتصام الشعبي الذي نظم أمام القنصلية الأميركية بالدار البيضاء في الثاني من أغسطس/ آب الماضي، والمسيرة المتجهة نحو ميناء طنجة احتجاجاً على رسو سفن تحمل معدات عسكرية موجهة إلى إسرائيل بعدها بيوم.
لم يكن أسيدون مشغولاً بالشأن الفلسطيني ودعمه غير المشروط للقضية الفلسطينية وللمقاومة فقط، بل كانت أعينه منصبة كذلك على مواجهة الصهيونية باعتبارها حركة استعمارية ومظهراً للميز والاحتلال، ومكافحة تزوير الذاكرة والتاريخ، وكذا سرقة اليهودية وصهينتها، ممنياً النفس باستعادة الشعب الفلسطيني حقوقه، وعودة فلسطين أرضاً للسلام مرة أخرى، يعيش فيها كل الفلسطينيين.



