القدس- واثق نيوز-محمد زحايكة-يشدنا عالم التاريخ والآثار المقدسي د. نظمي الجعبة وهو يتحدث من القلب عن مدينته القدس القديمة التي ولد وترعرع فيها ولعب بين أزقتها وحاراتها وفي باحات المسجد الاقصى المبارك أيام الطفولة والشقاوة. ويتذكر بدموع العين ووجع القلب حارة الشرف والمغاربة اللتان تم مصادرتهما وتدمير حارة المغاربة وتسويتهما بالأرض إثر عدوان عام 1967 والحديث يطول .
البدايات ..
ويستذكر د. الجعبة وهو يستعرض شريط حياته بداياته الأولى ووعيه الأول على حقيقة مدينة القدس الأجمل في العالم " كان الإعجاب بالزخارف في المباني المختلفة في المسجد الاقصى وفي كل مصاطبه ومصلياته وبوائكه وأبوابه وجدرانه وشبابيكه يمثل بالنسبة لي روح المدينة التي تعتبر مهمة لأكثر من نصف سكان الكرة الأرضية" .
ويضيف "ظهر اهتمامي بدراسة التاريخ متأخرا وبعد عدة تجارب علمية أخرى، حتى شدني التاريخ والآثار، وأنا محظوظ بهذا التخصص الذي يعبر عن وجداني ويوفر لي فرصة ثمينة للمساهمة في حماية القدس من المخاطر والتحديات الجسيمة التي تواجهها القدس على صعيد الرواية التاريخية بصورة مباشرة.
حرب الروايات ..
وهنا صرت مهتما بالتحديات التي تواجه رواية تاريخ القدس المديد والاهتمام بتاريخها العريق الضارب في أعماق الأرض، وهو تاريخ مثير للغاية، ويختزن جزءا رئيسا من تاريخ البشرية جمعاء.
وأوضح الجعبة الشغوف بعالم القدس المثير والمتعدد الأبعاد: " يمكن قضاء العمر كله في البحث والتنقيب في تاريخ القدس التي هي من أجمل مدن العالم، ولقد لعبنا وجرينا فوق أسطح المدينة المطلة على جبال القدس المحيطة بكل هيبة وعنفوان ووقار ومن ثم التمشي في طرقاتها وأزقتها الملتوية والمتعرجة بطريقة فاتنة وساحرة، وبعد ذلك النزول إلى عمق الأنفاق تحت أرضها المقدسة الطاهرة، وهذا قبل سقوط القدس تحت نير الاحتلال؟!
تغير الأمكنة..
ويشير د. الجعبة الى انتقال العائلة في مرحلة ما قبل عام 1967، في تلك الظروف الصعبة، إلى وادي حلوة نواحي سلوان والبيت يقع على بعد 200م هوائي عن المسجد الأقصى، ومروره اليومي من باب المغاربة (باب المدينة) مرورا بحارة المغاربة ومن ثم إلى المسجد الأقصى عبر باب المغاربة (باب المسجد الأقصى)، أو عن طريق باب السلسلة، حيث دكان والده، ومن ثم إلى المدرسة العمرية التي تعلم فيها مرحلته الدراسية الأولى.
وفي تلك الفترة عاش د. الجعبة تفاصيل حارة المغاربة التى دخلت في وجدان روحه وحياته بالإضافة إلى حارة الشرف. وفي حزيران عام 1967، ولم يمض عدة أيام على الاحتلال حتى اختفت بأنياب الجرافات الإسرائيلية حارة المغاربة العتيقة التي تعود إلى الفترة الأيوبية. وبعد إزالتها وقبل ان يتم تسوية الأرض فوق أطلالها، انفتح أمامه تماما مشهد رهيب ودامي وهو طمر جزء أساس من ذكرياته تحت الركام فيما كان يرقص فوقه جنرالات الموت والحرب وحاخامات بلباس أسود. كما اختفت شجرة التين لعائلة المصلوحي التي طالما تذوق جناها الشهي والرمانة التي كانت مزروعة كحبة القلب اختفت في حارة المغاربة وباتت الحارة كومة من الرماد تتقطع لها نياط القلب، ولم يعرف في حينه مصير الأصدقاء والمعارف من سكان الحارة ..؟!
دموع .. وآلام ..
ويواصل د. الجعبة الذي عمل كذلك مديرا لمؤسسة "رواق" مركز المعمار الشعبي الاصيل، سرد ومضات من سيرته المجبولة بأوجاع وآلام القدس "عملت كذلك مديرا للمتحف الإسلامي في المسجد الأقصى مما أتاح لي فرصة الاهتمام بالعمارة والقطع الأثرية الإسلامية وأرشفة هذه القطع وتعلمت من المتحف الكثير. وقد ساعدتني وخدمتني الظروف وبدون عناء يذكر للدراسة في ألمانيا الغربية (في حينها). وكنت أنا ابن القدس ابن الحضارة العالمية الشاملة، لذلك لم تواجهني لا صدمة حضارية ولا دينية. وهنا انتهزت الفرصة ونظرت إلى قضيتي من الخارج وبعيون نقدية وباستخدام المنهج النقدي في محاكمة وقائع التاريخ وآثاره وشواهده. وتسألونني عن أحب كتبي إلى نفسي، فكل كتاب هو كمن يخلف ولدا. أي ان جميع الأولاد محبوبون، لكن أصغرهم أي أحدثهم سنا يحتل مكانة خاصة في القلب. حتى الآن أنجزت 20 كتابا معظمها حول القدس وهناك فقط كتابان عن الخليل والآخر عن كنيسة المهد في بيت لحم، علاوة على كتاب حول رام الله وآخر حول قرية لفتا.
أما اخر كتاب فهو القدس في العصر المملوكي: تاريخ وعمارة، حاولت من خلاله إعادة تقييم جزء من تاريخ المدينة وتحليل الانقلاب الذي حصل في مظهرها الحضاري في العصر المملوكي، وأنا فخور بهذا الكتاب الذي ساهم في إعادة رسم هوية القدس العربية الإسلامية بعد أن هيمن عليها الطابع الروماني ثم الصليبي، طبعا ما عدا المسجد الأقصى الذي حافظ على هويته منذ الفترة الأموية وحتى اليوم. وسيصدر قريبا كتاب عن قصر هشام والتاريخ الحضاري لفلسطين خلال الفترة الأموية، كما وانتهيت من تأليف كتاب عن كنيسة القيامة باللغة العربية قد يكون الأول من نوعه بلغة الضاد، حيث تفتقد المكتبة العربية لمثل هذا الكتاب. وكنت قد نشرت كتابا عن حارة المغاربة وحارة اليهود، حاولت فيه إعادة تركيب تاريخ الحارة حفظا للحقيقة التاريخية، وحقيقة حارة اليهود "المختلقة" في قلب المدينة المنتهكة والمعرضة للطمس وتزوير تاريخها الأصيل، وقصدي هو حماية المدينة والرد على الآخر المدعي ورفض روايته، آملا ان يمنحني الخالق مزيدا من العمر لإعداد وإتمام المزيد من الدراسات حول القدس، وفي الذهن الكثير من الأفكار. ومهما فعلنا نبقى مقصرين أمام عظمة هذه المدينة.



