تل ابيب-كتب عاموس هرئيل في صحيفة "هآرتس" : الأزمة بين نتنياهو وأيال زامير حول استمرار الحرب في قطاع غزة أخطر حتى مما ظهرت في هذا الأسبوع في وسائل الإعلام. والأصعب معرفة توجه نتنياهو – في هذه المرحلة، يبقي جميع الاحتمالات مفتوحة، بل لا يستبعد أي شيء – لكن التوتر بينهما أصيل، ربما يكون لرئيس الحكومة أهداف أخرى (إرضاء الجناح اليميني – المسيحاني في الائتلاف وردع حماس). لكنه يركز الآن على حث الجيش على الاستعداد للاحتلال الكامل أو شبه الكامل للقطاع. ففي فجر الجمعة، صادق الكابنت في نهاية جلسة ماراثونية على خطة نتنياهو الاستعداد للسيطرة على مدينة غزة. يعتقد رئيس الأركان أن الأمر يتعلق بكارثة. لا يمكن استبعاد احتمالية دفع زامير للاستقالة أو أنه سيقال عقب هذا الخلاف، وأن هذه العملية ستستدعي سلسلة هزات أرضية ثانوية شديدة في الجيش الإسرائيلي.. الخلاف ينبع بشكل مباشر من الجمود الذي وصلت إليه المعركة. مؤيدو نتنياهو قالوا طوال الحرب الأطول في تاريخ إسرائيل، بأنه يعمل استناداً إلى استراتيجية منظمة، ووصل إلى إنجازات كبيرة (إيران، لبنان، سوريا وضرب حماس) رغم العقبات. عملياً، رئيس الحكومة أوصل إسرائيل إلى ضائقة شديدة. خلال الأشهر من أيار وحتى تموز، كانت فرص لعقد صفقة تبادل جزئية مع حماس، ولكن التصميم على توسيع الحرب بعملية “عربات جدعون” في أيار، بعد خرق وقف إطلاق النار من قبل إسرائيل، لم يثمر النتائج التي تحدث عنها نتنياهو والجيش.
هنا بدأ أيضاً الفشل الذريع حول توفير المساعدات. كما كان واضحاً، فإن الصندوق الإنساني الأمريكي لم يحقق الأهداف الطموحة التي حددت لتوزيع الطعام على السكان، وإبعاد حماس عن السيطرة على المساعدات لم يجعلها تستسلم. بالعكس، فقد تطورت في القطاع كارثة إنسانية أكبر من سابقاتها. مكانة إسرائيل في العالم واصلت الانحدار، والإدارة الأمريكية ضغطت – قبل أسبوعين اضطر نتنياهو إلى فتح أبواب القطاع لإيصال البضائع، خلافاً لتصريحاته السابقة. ولكن الأضرار التي لحقت بالسكان كبيرة جداً، إلى درجة تحتاج إلى وقت كبير لإصلاحها. لا نريد التحدث عن نظرة المجتمع الدولي لإسرائيل، أما التجارب التي مر بها السياح الإسرائيليون في اليونان، فهي البداية. عدد التحذيرات من عمليات ضد إسرائيليين ويهود في الخارج في تزايد كبير. هذا الأسبوع، تبين أن سموتريتش الذي حاول قبل شهرين نفي نقل حوالي 700 مليون شيكل لتمويل تأمين التوزيع، يخصص الآن بدون أي تردد حتى 3 مليارات شيكل لهذا المشروع. “الفلسطينيون ليسوا هم الذين يهمونني، بل تدمير حماس”، أوضح. وفي مراكز التوزيع القليلة، يستمر مسلسل موت الغزيين بالرصاص أو سحقهم حتى الموت أثناء محاولاتهم الحصول على الطعام لأبناء عائلاتهم.. في منتصف تموز، قبل أزمة الجوع، كان يبدو أن الصفقة المؤقتة تقترب. إسرائيل فعلت ضجة كبيرة من احتلال محورين في منطقة موراغ جنوبي القطاع، وعملياً، استعدت للتنازل عنهما في المفاوضات. وأظهرت القيادة العليا الأمنية تفاؤلاً ما، وكأن الستين يوماً من الهدوء أثناء وقف إطلاق النار الأول ستمكن هذه المرة من الانزلاق إلى خطة أكبر لإنهاء الحرب. ولكن حماس كانت أول من لاحظت الظروف الجديدة، ومنذ ذلك الحين أضافت طلبين: تحرير سجناء النخبة، وتأجيل تحرير المخطوف الأخير إلى أن يبنى البيت الأول في القطاع، أي الانتقال من التحرير إلى إعادة الإعمار. بدأت حماس في التأكيد على إعادة إعمار القطاع كرسالة على نيتها البقاء شريكة في الحكم. هذه هي الطلبات التي أغضبت نتنياهو والأمريكيين وأدت إلى تجميد المفاوضات.. عملياً، الحرب عالقة، والمحادثات توقفت، والبعثة الإسرائيلية عادت من قطر، والقتال في القطاع أصبح أكثر ثباتاً من أي وقت مضى، إزاء عاصفة المساعدات الإنسانية وغياب قرار في مسألة إلى أين سيسير الجيش. إذا أخطأنا حتى لو للحظة في وصف صورة رياضية، يفضل نتنياهو اللعب على عرض الملعب بدلاً من اللعب على طوله. فهو لا يسعى إلى اتخاذ قرار سريع، بل يترك أكبر عدد من البدائل مفتوحة لكسب الوقت وتجنب أي خطر على الائتلاف.. في ظل عدم وجود تقدم يمكن هندسة أزمة مع القيادة الأمنية العليا لإضعاف الجيش والتنكيل برئيس الأركان. ومثلما في قضية “المدينة الإنسانية” غير الموجودة، أو في خطة التهجير التي تراوح مكانها، فإن هذه الأزمة تعطي لوسائل الإعلام شيئاً جديداً تنشغل به. إن مشاهدة الجلسات الحاسمة وتسريباتها توفر القليل من حرف الانتباه عن إخفاقات الحكومة: إطالة الحرب بدون هدف، صرخات عائلات المخطوفين، فضيحة قانون الإعفاء من الخدمة وأداء الوزراء الفاشل. في هذه الأثناء، الوقت يمر، والحكومة ما زالت قائمة. إضافة إلى ذلك، وضع الحرب الخالدة قد يخدم نتنياهو حتى في تحقيق هدفه الثاني: ضمان الفوز في الانتخابات القادمة رغم نسبة قوى الاستطلاعات ضده. هذا الفوز سيتحقق بواسطة مس ممنهج بالعملية الديمقراطية برعاية الحرب واحتياجاتها. أما الجنرال زامير فلا يملك حلولاً جيدة للوضع القائم. عملية “عربات جدعون” لم تحقق أهدافها لأنه، وفق رأيه، لم يتم أي استغلال سياسي لإنجازاتها. الآن، في ظل غياب القدرة على إجبار حماس التوقيع على الصفقة، يرتجلون حلولاً بديلة. رئيس الأركان بالذات استغل خفوت المعارك لتخفيف القوات في القطاع، ووعد الجيش في الوقت نفسه بتقليل العبء على رجال الاحتياط هذه السنة، وأوقف سياسة التمديد التلقائي للخدمة النظامية بواسطة الأمر الإداري. المواجهة مع نتنياهو اشتدت. أسباب إحباط زامير مفهومة: الكابنت لا ينعقد؛ ولا تجري أي لقاءات شخصية بينه وبين رئيس الحكومة؛ الحرب تجري بدون تحديد سياسة واضحة. في هذه الأثناء، بدأت عائلة نتنياهو في الانقضاض على زامير. الأب بدأ يرفع صوته في الغرف المغلقة، والابن والأم يعملان بطريقتهما، فضلاً عما ينشر في الشبكات الاجتماعية والتسريب لوسائل الإعلام. يائير نتنياهو غرد ضده ووجه له اتهامات لا أساس لها بشأن التخطيط لانقلاب عسكري، وتنصل من مسؤولية والده عن تعيين زامير. أما سارة نتنياهو فقد حذرت زوجها من تعيين زامير لأنه لن يصمد أمام ضغط وسائل الإعلام. ونشرت الصحافة مثلما في جمهورية الموز، بأن نتنياهو الأب في الواقع أراد زامير، لكن الأم والابن كانا يدفعان نحو تعيين الجنرال دافيد زينيه، الذي تم تعيينه بشكل مثير للقلق في منصب رئيس “الشاباك”.. بطريقة مثيرة للشك فيما يتعلق بدرجة جدية النقاش، حصل هذا الأسبوع مراسلون سياسيون على تسريبات مفصلة بشأن الخطط التي يريدها نتنياهو: احتلال مدينة غزة ومخيمات وسط القطاع واثنين من الجيوب الثلاثة التي دفع إليها الجيش السكان الفلسطينيين، التي يتم فيها احتجاز المخطوفين الإسرائيليين (الجيب الثالث هو منطقة المواصي على شاطئ القطاع الجنوبي). كبار قادة الجيش الإسرائيلي حذروا من أن هذه العملية ستحتاج إلى عملية برية لعدة أشهر وعمليات تمشيط وتطهير للمنطقة من المسلحين تستمر سنتين. هذا الأمر يحتاج 4 – 6 فرق، أي إلى عدد خيالي من أيام الاحتياط الإضافية. القصد هو استمرار دفع السكان بالقوة إلى جنوب القطاع، مع محاولة إجبارهم على الهجرة. زامير في المقابل، اقترح تطويق الجيوب القائمة واستخدام الضغط العسكري عليها من الخارج ومحاولة إنهاك حماس، بدون تعريض حياة المخطوفين للخطر. ولكن هذا لا يظهر كحل معقول.
{{ترامب أعطى نتنياهو الضوء الأخضر لتوسيع العملية في القطاع، شريطة استخدام القوة بسرعة وبدون تباطؤ زائد. في الوقت نفسه، أجبر رئيس الحكومة على السماح بإدخال المساعدات. نتنياهو، في هذه الأثناء بمساعدة دعم ترامب، يسعى إلى عملية كبيرة في غزة رغم الأخطار.}}ويصدق فرضيات غير مسؤولة تسمع من محيطه، التي يمكن بحسبها توزيع المساعدات في مدينة غزة بواسطة العشائر المحلية بعد احتلالها.. مع ذلك، هناك مخرج واحد: إذا امتنع رئيس الحكومة عن عرض جدول زمني متشدد، دائمًا يمكن إبطاء وتيرة التنفيذ على أمل ظهور حل آخر في هذه الأثناء، بمساعدة التهديد العسكري. في هذه الأثناء، ينشغل من يخدمون نتنياهو، الوزراء وأعضاء الكنيست، في تطبيع الحرب والضحايا، وإعداد الجمهور للتخلي عن المخطوفين وتركهم ليموتوا. يبدأ هذا بادعاء أن المدنيين الذين اختطفوا من بيوتهم ومن حفلة “نوفا” هم أسرى، وينتهي بإسكات عائلات المخطوفين في الكنيست.
لزامير أفضلية واحدة: الجيش ما زال خلفه. الأغلبية الساحقة من الضباط تثق به وباعتباراته. نتنياهو، الذي يتسلى محيطه بسيناريوهات الإقالة والاستبدال، يجب أن يأخذ ذلك في الحسبان. دمج الخطر على حياة الجنود والمخطوفين والمواجهة العلنية بين رئيس الحكومة ورئيس الأركان ربما ترجح الرأي العام بصورة حادة ضد نتنياهو. إذا فعل زامير مثلما فعل ايلي جيفع، قائد اللواء 211 في حرب لبنان الأولى، الذي استقال قبل الدخول إلى غرب بيروت، فسندخل إلى منطقة مجهولة. من المرجح حدوث ظواهر أوسع من الرفض، بالأساس في وحدات الاحتياط، وستظهر أخيراً حركة “أربع أمهات” جديدة، أكثر نجاعة وأعلى صوتاً.. الوضع الحقيقي للجيش الذي يحارب في القطاع منذ 22 شهراً، كان يمكن أن نعرف عنه هذا الأسبوع من منشور للرائد قائد القوة الهندسية. “في الأسابيع الثلاثة الأخيرة، شاهدت عمق المشكلة من قرب. عدم التنظيم، عدم اليقين، وغياب هدف عملياتي واضح – مشاعر تتكرر في كل إطار. النتيجة على الأرض: قوات تتحرك بدون سياق، بدون تواصل وبدون هدف واضح. الجنود يشعرون بذلك جيداً، ليس بالعبء فحسب، بل شعور بالإهمال العملياتي المطلق”. كتب. كم تنشغل وسائل الإعلام في طمس ما يحدث في غزة تحت غطاء ثقيل من الوطنية وحب المقاتلين.
اسرائيليات



