الكاتب : سامي البريم
في السابع من أكتوبر، مثل عادة أي يوم، كنت مستعداً للذهاب إلى عملي، حيث أنني استيقظت في الساعة السادسة صباحاً، لأتفاجأ بفتح نافذة منزلي! وإذ بكم هائل من الصواريخ التي تنطلق من كل إتجاه.
مع هذا العدد الهائل من الصواريخ ! قلت ربما أنها بداية لحرب طويلة! ومع ذلك لم أجعل هذا الأمر يتوقف عند هذه النقطة، حضرت نفسي جيداً، وذهبت إلى مدرستي التي أعمل فيها كمرشد نفسي، وإذ بعدد قليل من المعلمين الحاضرين برفقة مدير المدرسة، حيث يخبرني مدير المدرسة أنه لا عمل اليوم.
خارج أسوار المدرسة كان هناك عدد كبير من السيارات التي من نوع تويوتا، ويبدو أن مقاتلي حماس كانوا يستعدون للدخول إلى الشريط الحدودي واجتيازه. مسرعاً حاولت العودة إلى المنزل، مع جرس الهاتف الذي لم يكن يتوقف، وإذ بأمي تخبرني بأن إسرائيل تتعرض لهجمة من قبل حماس، وأنه خوفاً علي يجب أن أتواجد في المنزل مسرعاً.
فتحت شاشة الأخبار، وجهزت قهوتي، وأشعلت سيجارتي، بينما أتابع بقلق وتوتر عما يحدث حولي، وإذ بعدد كبير من الناس يخترقون السياج الحدودي بعد أن قام مقاتلوا حماس بإختراقه.
في هذا الوقت لم أكن راضيا تماماً عمل يحصل! وأدركت جيداً بأن هذا سوف تقابله إسرائيل بأضعاف مما سوف تفعله حماس.
من نتاج تجربتي الشخصية والسيكولوجية، كان لدي ذاكرة مختلفة مع كل عدوان كنا نتعرض له، أما مع هذه الإبادة التي كانت تلتهم كل شيء، كان الأمر أكثر خوفاً ورعباً من ذي قبل.
بدأت أسمع وأرى بأن إسرائيل جهزت نفسها لحرب طويلة في غزة، وأنها بدأت في تغيير أسلوبها وتكتيكها القتالي عن الحروب التي كانت تشنها سابقاً على غزة، وأنها كانت تروج لقتل أكثر من خمسين ألف إنسان.
بدأ الأمر باستهداف البنى التحتية، والمقار الحكومية، والجامعات، والمدارس، والمستشفيات، والمتاحف، والأماكن السياحية.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد! بل أن إسرائيل شرعت في إستهداف المدنيين بشكل متعمد من النساء والأطفال وكبار السن والأطباء والعلماء والصحفيين، وهدم البيوت على ساكنيها، دون أي إشارة بالإخلاء أو سابق إنذار.
جلست في منزلي لأيام مع شعور ممتلئ بالخوف والريبة من كل ما يحدث حولي، ومع توقفي عن العمل بسبب الإبادة بدأ القلق يتسلل إلى داخلي، وإذ في منتصف شهر أكتوبر بدأت الأونروا تفتح مقارها للنازحين الفارين من شبح الموت، اتصلت بمشرفي في العمل، وأخبرته بأنه لدي نية في العمل لتقديم المشورة النفسية والعلاج النفسي للنازحين بمراكز الإيواء التي تخضع لإشراف الاونروا.
في كل يوم كان علي أن أغادر منزلي في ساعة مبكرة من الصباح للذهاب للعمل، وكان علي العودة أيضاً في ساعة متأخرة من الليل للمنزل، مع إرتداء سترة الأمم المتحدة التي كنت أعتقد بأنها سوف توفر لي الحماية، لكنني كنت مخطئ تماماً.
أستمر الأمر لأيام حتى باتت إسرائيل تستهدف زملاءنا في العمل وتقتلهم بصورة مباشرة، مع ترويج إشاعاتها حول مؤسسة الأونروا وعلاقتها بالإرهاب.
عملت مع هذه المؤسسة لمدة 589 يوما، وقد توقف عملي مع الأونروا مع إنتهاء عقدي في ديسمبر من عام 2024. كنت محظوظاً أنها إتيحت لي الفرصة بأنني قد قدمت خدمات الصحة النفسية لعشرات الآلاف من النازحين.
أثناء عملي كان علي أن أتنقل بين مركز إيواء وآخر تحت نيران القصف العشوائي، وكنت أعتبر نفسي بطلاً لأنني شاهداً على حقيقة ما يحصل حولي، كنت أيضاً أعتبر نفسي بطلاً حقيقياً لأن تضحيتي كان تدفعني بأن أساعد الناس في ظل الإبادة التي يتعرضون لها.
في الرابع من ديسمبر من عام 2023 نزحت عائلتي من منزلنا واضطررت إلى النزوح باتجاه مدينة رفح، بينما أنا وشقيقي حوصرنا في منزلنا رافضين الخروج.
أتذكر أننا في هذه الليلة قد نجونا بإعجوبة حيث كانت تحيط بنا الأحزمة النارية من كل مكان، ومع تقدم الجيش بدباباته وطائراته كان قريب جدا من منزلنا، تسنت لنا الفرصة بأن نخرج أحياء، وأن تمنحنا الحياة فرصة جديدة، حيث في ذلك الوقت كانت المدفعية تسقط قذائفها بالقرب منا بشكل عشوائي.
أما في الخامس من ديسمبر من عام 2023، تسنت لي الفرصة من النوم في مكتبي، مودعاً منزلي الذي تم تدميره بالكامل.
في صباح السادس من ديسمبر من عام 2023، قامت المدفعية الإسرائيلية باستهداف المنشأة التي كنت أعمل بها، مما قتل طفلاً رضيعاً، وأصيب عشرات النازحين، حوصرنا لساعات في ذلك الوقت، حتى بدأ الجيش بتهديدنا عبر الهاتف، بضرورة الإخلاء، ومغادرة مدينة خان يونس، والتوجه إلى مدينة رفح، مسرعاً أجبرنا النازحين على ضرورة إخلاء مركز الإيواء والتوجه إلى مدينة رفح، وفي هذه اللحظات، كان علي أن اتفقد كل الغرف، للتأكد من خروج النازحين جميعهم ضمن إجراءات السلامة والطوارئ.
على الجانب الآخر، وعلى مقربة من مكان عملي، أتى لي أحد الناجين بخبر مقتل عمي وإبنه، حيث أن عمي المقعد وإبنه كانوا في لحظة ما، يحاولون الإستعداد للفرار من منزلهم، لكن تم إستهدافهم بواسطة صاروخ من قبل طائرة مسيرة، ولم يتمكنا من النجاة أو حتى وصول عربات الإسعاف لنجدتهم.
كان السادس من ديسمبر آخر صورة أحملها في ذاكرتي لمدينتي، مدينة خان يونس التي دمرت بالكامل من قبل الجيش الإسرائيلي، حاملاً حقيبة النزوح متردداً في مغادرتها.
استقبلتنا مدينة رفح، وهي المدينة الصغيرة التي لم تكن تتسع لأكثر من مليون ونصف إنسان، حيث عملت هناك حتى منتصف شهر يونيو، ثم بعد ذلك الوقت تم إخلاء المدينة من السكان، وتدميرها بالكامل.
عدنا إلى منزلنا المدمر في مدينة خان يونس، ونصبنا خيامنا فوق أنقاضه، لإعلان الحياة من جديد، لم يطول لعودتنا أشهر قليلة، حتى بدأ الجيش عملية جديدة في مدينة خان يونس، بعد أن قام بتدميرها بالكامل.
في كل مرة كان يتعمد الجيش الإسرائيلي تهجيرنا قسرياً، ويجبرنا على النزوح، لأنه يرى بأن النزوح القسري للسكان هي إستمرار للمعاناة والألم، ويرى ان بقاءنا في أرضنا هو أسلوب تحدي للحياة والكفاح، وأن تهجيرنا هو إستمرار لمزيد من المعاناة والألم.
أما الآن فقد دمرت مدينة خان يونس ورفح بالكامل، وقد مسحت كل المعالم الجغرافية لكلا المدينتين .