الكاتب : أحمد دخيل
مرة أخرى، تغلق اليد الأمريكية الباب في وجه فلسطين. ليس فقط في وجه الرئيس محمود عباس كشخص، بل في وجه تاريخ كامل، في وجه منظمة التحرير الفلسطينية بكل ما حملته من ذاكرة ودماء وأحلام منذ أكثر من سبعين عاماً. يمنعون الرئيس من دخول نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكأنهم يتوهمون أن ختماً على جواز سفر يمكنه شطب قرار الأمم المتحدة عام 1974، الذي اعترف بالمنظمة كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني.
لكنهم ينسون أو ربما يتجاهلون عمداً أن القدس لا تنتظر ختم قنصلية، وأن غزة تعرف طريقها إلى البحر دون استئذان أحد، و أن المخيمات في الشتات تحفظ العناوين حتى لو محيت المدن من الخرائط . يتخيلون أن إغلاق باب الأمم المتحدة سيمنع فلسطين من الجلوس إلى الطاولة، لكن الحقيقة أن فلسطين كانت هناك منذ الانتفاضة الأولى، منذ أول حجر رمي على دبابة، منذ أول شهيد كتب اسمه بدمه على تراب الأرض المحتلة. وفي هذا السياق، دعونا نفكر تحليلياً: هذا القرار الأمريكي ليس مجرد إجراء إداري، بل جزء من استراتيجية أوسع لعزل السلطة الفلسطينية، خاصة في ظل إدارة ترامب الثانية التي أعادت تعيين ماركو روبيو سكرتيراً للدولة، والذي يعرف بدعمه الشديد لإسرائيل.
هذا يعكس تأثير اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، حيث يتم استخدام التأشيرات كأداة سياسية لإضعاف أي محاولة فلسطينية للحصول على اعتراف دولي أكبر، خاصة بعد التصعيد في غزة و الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة.
المشهد ليس جديداً، نعرفه جيداً. أتذكر عام 1988، حين أغلق الباب في وجه ياسر عرفات لأنه أعلن دولة فلسطين، وكانت الانتفاضة روحاً لا تقهر. وقتها، لم تسكت الأمم المتحدة، بل نقلت اجتماعها إلى جنيف لتؤكد أن الكلمة لا تنفى والقضية لا تقصى، حتى لو أبعدت عن نيويورك. اليوم، يتكرر المشهد مع عباس، وكأن الزمن يدور في دائرة مغلقة. لكن، إذا نظرنا تحليلياً، هناك فرق: في 1988 كان العالم في عصر الحرب الباردة، أما اليوم في 2025، فإن الرفض يأتي وسط انتقادات دولية متزايدة، حيث دعت دول و على رأسها السعودية إلى إعادة النظر في القرار، معتبرة إياه انتهاكاً للاتفاقات الدولية. هذا يظهر كيف أن التاريخ لا يتقدم فقط فوق الركام، بل يتأثر أيضاً بالتحالفات الجيوسياسية المتغيرة، مثل دعم أوروبا المتزايد للدولة الفلسطينية.
المشكلة ليست في منع شخص واحد، بل في محاولة جعل فلسطين تختفي من المشهد الدولي. والمفارقة يا لها من سخرية مرة أن بعض الأصوات الفلسطينية والعربية تشمت، كأن الاستهداف يطال السلطة وحدها. هؤلاء، سواء بوعي أو بدون، يقفون في نفس الصف مع نتنياهو أو من يدعمه. فمن يبرر طرد فلسطين من المنابر الدولية، يمنح الاحتلال فرصة ليتحدث باسمها، ويقدم له على طبق من ذهب ما يحلم به: شعب بلا صوت، بلا عنوان، بلا شرعية. وهنا يأتي البعد التحليلي الأعمق: هذا الشمتان الداخلي يعكس الانقسامات الفلسطينية، حيث يرى البعض في رفض التأشيرة فرصة لإضعاف عباس، لكنه في الواقع يضعف الجميع، لأن الولايات المتحدة رفضت التأشيرات لأكثر من 80 مسؤولاً فلسطينياً، بما في ذلك من يمثلون فصائل مختلفة.
إذا استمر هذا، قد يؤدي إلى تعزيز العزلة الفلسطينية، مما يجعل المفاوضات أكثر صعوبة ويفتح الباب لمزيد من التصعيد.
لكن فلسطين ليست رجلاً واحداً، و ليست مجرد مقعد في قاعة أممية. فلسطين هي الإصرار الذي لا ينكسر، حتى لو سدت كل الطرق. هي القدرة على تحويل المنفى إلى وطن مؤقت، والشتات إلى خريطة جديدة لا يمحوها الاحتلال. هي ما قاله درويش ذات يوم: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". وهي ما كتبته رضوى عاشور وهي تفتح سجل الشهداء كأنه دفتر عائلة. وهي ما رواه يحيى يخلف حين جعل المخيم رواية، والرواية وطن مصغر . أما أدباؤها وفنانوها، فقد حملوا فلسطين إلى العالم بالكلمة و اللون والصوت، فصارت الثقافة جواز سفر آخر لشعب يبحث عن حريته. وفي رأيي الشخصي، هذا الجانب الثقافي هو السلاح الأقوى، لأنه يتجاوز السياسة؛ تخيل لو أن كتاباً مثل "رجال في الشمس" لكنفاني يصل إلى قارئ أمريكي عادي، فهو يغير الرأي العام أكثر من أي خطاب في الأمم المتحدة.
فليمنعوا الرئيس، وليغلقوا أبواب نيويورك . فلسطين لا تنتظر تأشيرة دخول. هي موجودة في قلب كل أم تنظر إلى صورة ابنها الشهيد، في يد طفل يرسم اسم مدينته على جدار المخيم، في حجر يرفع في وجه دبابة، وفي قصيدة تكتب رغم الحصار. أحياناً أفكر، كيف يمكن أن يستمر هذا الصمود؟ الإجابة في التحليل: إنه ليس رومانسية فحسب، بل استراتيجية بقاء، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة لنقل الصورة الفلسطينية مباشرة إلى العالم، متجاوزة الحواجز الرسمية.
إنهم يخشون اعتراف العالم بدولتنا. لكن العالم يعترف بنا كل يوم، بطريقة لا ينتبهون إليها: حين يرى الدمعة على وجه أم فلسطينية، أو يسمع حكاية لاجئ في مخيم، أو يشاهد شجرة زيتون تقتلع ثم تعود لتزرع من جديد. وتحليلياً، هذا الاعتراف اليومي يتراكم؛ مع تزايد الدعم في أوروبا وأمريكا اللاتينية، قد يؤدي رفض التأشيرة إلى عكس النتيجة المرجوة، بتعزيز الضغط الدولي على واشنطن لتغيير موقفها.
فلسطين ليست في نيويورك. هي في القلب، في الذاكرة، في الطريق إلى الغد. وإذا كان حضورنا يزعجهم إلى هذا الحد، فهذا دليل كافٍ على أننا ما زلنا أحياء، و ما زلنا نصر على أن نكون رغم كل شيء، وسنكون.



