الكاتبة : د. سناء شحادة
لم تعد البيوت كما كانت من قبل … لم تعد الأسرار تُحفظ داخل الجدران، ولم تعد الخصوصية حُرمة تُصان. أصبح كل شيء معروضًا على الشاشات: الطعام والشراب، النوم والاستيقاظ، الخلافات والمصالحات، وحتى تفاصيل كان يُستحى أن تُذكر، باتت اليوم مادة "ترند" يتسابق أصحابها لنشرها على الملأ.
لقد تحول الحياء –الذي كان زينة الإنسان– إلى عملة نادرة، حتى أصبح من يتحلى به يُتهم بأنه "معقد" أو "متخلف"، بينما من يكشف خصوصياته ويعرض أدق تفاصيل حياته يُوصف بأنه "منفتح" و"متطور". هكذا انقلبت الموازين، فأصبح العيب بطولة، والمباح فضيحة، والحلال استهزاء، والحرام حرية.
مجتمعات بلا خصوصية :
من يتأمل المشهد يرى أننا بتنا نعيش في زمن "اللا خصوصية". فما كان بالأمس من أسرار البيوت صار اليوم مشاعًا للغريب قبل القريب. الأكل يُصوَّر قبل أن يُؤكل، اللحظة العائلية تُبث قبل أن تُعاش، والمشاعر تُكتب على الجدران الافتراضية بدل أن تُقال لأصحابها.
الأدهى أن تقليد الغرب أصبح هوسًا يسيطر على الكثيرين. لا نُقلدهم في إنجازاتهم العلمية أو اختراعاتهم، بل في صورهم الفاضحة، وأفكارهم التي تتعارض مع ديننا وعاداتنا. والغريب أن ما كان يُعتبر عيبًا أو حرامًا أصبح عند البعض أمرًا طبيعيًا، بل وأحيانًا مصدر فخر!
حين يختفي الحياء :
قال النبي ﷺ: "الحياء شعبة من الإيمان"، والحياء اليوم يكاد يغيب من حياة كثيرين. يُقال إن من فقد حياءه فقد كل شيء، وهذا ما نراه واضحًا في عصر "التصوير والنشر"، حيث تُمحى الحدود بين العام والخاص، بين ما يليق وما لا يليق.
جيل كامل ينشأ اليوم على أن المجاهرة قوة، وأن كل ما يجلب المشاهدات مسموح، حتى لو كان على حساب القيم والأخلاق. لكن الحقيقة المؤلمة أن فقدان الحياء هو بداية الانهيار، وأن المجتمع الذي يستهين بستر نفسه، سيجد نفسه عاجزًا عن حماية كرامته وهويته.
رسالتي إليك وإلينا جميعًا :
وسائل التواصل الاجتماعي لم تُخلق لتكون منصات للفضائح أو مسارح للعرض اليومي، بل خُلقت للتواصل والتعلم ونشر الخير. نحن بحاجة أن نعيد النظر في استخدامنا لها، وأن نفرّق بين ما يجوز أن يُنشر وما يجب أن يبقى سرًّا في حياتنا.
لنحفظ بيوتنا من الانكشاف، ولنحفظ أبناءنا من أن يتربوا على ثقافة "كل شيء يُعرض"، فالحياة ليست بثًا مباشرًا، والكرامة لا تُقاس بعدد الإعجابات، والسعادة ليست في عدد المتابعين.
الخلاصة:
إذا فقدنا الحياء، فقدنا أجمل ما يميزنا. وإذا ذابت خصوصياتنا في عالم افتراضي، سنستيقظ يومًا فلا نجد لأنفسنا حرمة ولا احترامًا. الحرية ليست أن نكشف كل شيء… بل أن نحيا بوعي، نختار ما نُظهر وما نخفي، نحافظ على قيمنا، ونُربي جيلًا يفهم أن الحياء لم يكن يومًا ضعفًا، بل هو قمة القوة والكرامة.
الحياء لا يُقيَّد بالتقاليد… بل هو صمام الأمان للأخلاق والإنسانية.
نداء أخير…
قف لحظة قبل أن تضغط على زر "نشر".
اسأل نفسك: هل ما ستعرضه يرفع قدرك أم ينقصه؟ هل يُرضي الله أم يُغضبه؟ هل يُظهر حياءك أم يفضحك؟
تذكّر… ما تنشره اليوم قد يطاردك غدًا.
فإما أن تكتب تاريخك بكرامة، أو أن تترك خلفك أثرًا من الفضائح.
الاختيار بيدك: أن تكون إنسانًا يستر نفسه، أو أن تكون مشهدًا عابرًا في زمن بلا حياء.
* أخصائية ومرشدة نفسية وتربوية – جامعة القدس المفتوحة



