الكاتب : أحمد دخيل
في حي الزيتون، أول صباحات غزة لأنه شرقها، رحل الكفيف أحمد طافش.
لم يرَ النور يوماً، لكنه ترك وراءه نوراً آخر: صوته.
قالها ببساطة تشبه عناده:
"بدي روبوت يفجرني.. مش طالع من الحارة."
من يجرؤ على قولها في زمن صار فيه البقاء نفسه معركة؟
في يوليو 2025. وزارة الصحة الفلسطينية أعلنت أن عشرات المدنيين يُقتلون يومياً.
أطفال كانوا يركضون خلف طائرة ورقية، وشيوخ جلسوا ينتظرون دورهم في طابور الخبز.
بيوت تتهاوى، دور عبادة تُنسف، مستشفيات تُمحى، خيام تتحول إلى رماد.
أليس هذا تكراراً للفاجعة نفسها، لكن بأشد صورها قسوة؟
أعود بذاكرتي إلى سبتمبر 2001. يوم انهار برجا التجارة في نيويورك، بكى العالم، و أُعلنت حالة حداد كونية.
صارت صور الضحايا رمزاً للإنسانية الجريحة.
أما في غزة؟ يُدفن المئات في يوم واحد، وتُمحى عائلات كاملة، لكن العالم لا يهتز بالقدر نفسه.
لماذا؟ أي دماء هذه التي تُوزن بالذهب، و أي دماء أخرى تُسجّل على الهامش؟
وكالة الأونروا كتبت في تقريرها في 15 يونيو 2025 أن القصف دمّر بنية تحتية أساسية: المياه، الكهرباء، الطرق، و حتى مراكز توزيع المساعدات.
كأن المقصود ليس "حرباً على مسلحين"، بل إفراغ مدينة من الحياة.
و مع ذلك، تصف بعض وسائل الإعلام الغربية هذا كله بأنه "أضرار جانبية".
عجيب! نفس الصحف حين تغطي مأساة في الغرب، تقول إنها "كارثة إنسانية".
أيعقل أن يكون موقع الضحية على الخريطة هو ما يحدد قيمتها؟
السياسة لا تتردّد في قول ما يتجنبه الضمير.
الولايات المتحدة، بدعمها العسكري والسياسي لإسرائيل، ربطت مصير أكثر من مليوني إنسان بمفاوضات الرهائن.
قال مسؤول أمريكي ذلك صراحة في مؤتمر صحفي بتاريخ 20 أغسطس 2025.
هل يجوز أن يُختصر شعب كامل في بند تفاوضي؟
الأمم المتحدة وثّقت في 10 أغسطس 2025 احتجاز آلاف الفلسطينيين و تهجير عشرات الآلاف.
ومع ذلك، لم يتحرك العالم كما فعل عندما خُطف إسرائيلي واحد.
الرسالة واضحة: حياة الفلسطيني أقل وزناً في ميزان السياسة الدولية.
لكن غزة لا تعرف الاستسلام.
الصبر هنا ليس شعاراً دينياً، و لا مجرد حكمة شعبية او خيار.
هو أسلوب حياة. ضرورة يومية.
في الحارة التي غاب عنها أحمد طافش، لعب الأطفال بعلب فارغة قبل أن يدوّي انفجار قريب.
صرخوا، ارتجفوا، لكنهم لم يغادروا.
"مش طالعين"، كما قال أحمد.
الصبر في غزة ليس خضوعاً، بل إعلان وجود.
هو ثورة تقول للعالم: الحياة، مهما حوصرت، تستحق أن تُعاش بكرامة.
إذا كان سقوط برجين في نيويورك قد غيّر وجه العالم، فلماذا لا تغيّر أنقاض غزة ضمير العالم؟
الصمت هنا ليس حياداً، إنه خيانة.
و صوت أحمد طافش سيظل يتردّد بين جدران الحارة: "اللي بيطلع من داره بيقل مقداره."
ليثبت أن الكرامة لا تُقاس بمعايير التفاوض، و أن إنسانية غزة لا تختصر في أرقام.



