الكاتب : محمد عبد السلام البريم
بينما يتركز اهتمام العالم على القنابل والصواريخ التي تدمّر قطاع غزة تدير إسرائيل حربًا أخرى لا تقل شراسة على جبهة مختلفة تماما: حرب الروايات.
في هذه المعركة لا تُستخدم الأسلحة التقليدية بل تُستخدم أدوات ناعمة تهدف إلى تشكيل الرأي العام وتبرير العمليات العسكرية وتشويه الصورة الفلسطينية.
لقد أثبتت إسرائيل على مر السنين براعتها في استخدام هذه الأدوات التي تمتد من وسائل الإعلام التقليدية إلى منصات التواصل الاجتماعي المتطورة. في قلب هذه الاستراتيجية تكمن جهود حثيثة للتحكم في السردية وتوجيهها لخدمة أهدافها السياسية والعسكرية.
الدبلوماسية العامة (Hasbara): سلاح إسرائيل غير المرئي :
أحد أبرز هذه الأدوات هو ما يُعرف بـ "الدبلوماسية العامة" أو "Hasbara" وهو مصطلح عبري يعني الشرح أو التوضيح.
لكن في الواقع هو منظومة متكاملة من الجهود الدعائية التي تهدف إلى تحسين صورة إسرائيل في الخارج ومواجهة الانتقادات الموجهة إليها.
من خلال هذه المنظومة تُصدر وزارة الخارجية الإسرائيلية ومؤسسات أخرى بيانات شبه يومية باللغات المختلفة وتستضيف صحفيين ومؤثرين من جميع انحاء العالم في جولات منظمة لإطلاعهم على الوضع من منظور إسرائيلي.
تُصوّر هذه الجولات إسرائيل على أنها ضحية للإرهاب وأن عملياتها العسكرية هي إجراءات دفاعية ضرورية لحماية مواطنيها.
السيطرة على الفضاء الرقمي :
في العصر الرقمي انتقلت هذه الجهود إلى منصات التواصل الاجتماعي حيث أصبحت القصة المرئية أداة قوية.
الجيش الإسرائيلي على سبيل المثال يمتلك حسابات نشطة على كل من X (تويتر سابقًا) وفيسبوك وإنستغرام ينشر من خلالها مقاطع فيديو مصمّمة بعناية وصورًا تهدف إلى إظهار "دقة" الضربات الجوية مع التركيز على تجنّب الخسائر المدنية حتى في ظل الأرقام الهائلة للضحايا الفلسطينيين.
كما تُستخدم هذه المنصات لإلقاء اللوم على الفلسطيني في كل شيء من استخدام المدنيين كدروع بشرية إلى إعاقة وصول المساعدات الإنسانية. هذه الروايات رغم أنها غالبًا ما تكون غير مدعومة بأدلة مستقلة تجد طريقها إلى الجمهور العالمي عبر جيوش من الحسابات المؤيدة لإسرائيل.
الدروع البشرية والرد الدفاعي: مصطلحات لتبرير الأفعال :
من بين التكتيكات اللغوية التي تستخدمها إسرائيل هي استخدام مصطلحات بعينها لتبرير أفعالها. مصطلح "الدروع البشرية" على سبيل المثال أصبح يُستخدم بشكل روتيني لتبرير قصف المناطق المأهولة بالسكان.
أما وصف العمليات العسكرية بأنها ردود دفاعية أو عمليات وقائية فيهدف إلى نزع صفة العدوان عنها وتحويلها إلى أفعال اضطرارية.
في المقابل يتم تهميش معاناة المدنيين الفلسطينيين بشكل منهجي وتُصوّر على أنها نتيجة لأفعال فلسطينية وليس للقصف الإسرائيلي. هذه الحرب اللفظية تنجح في تزييف الحقائق وتجعل من الصعب على الجمهور العادي تمييز الواقع.
هل تنجح الأدوات الناعمة دائمًا؟
رغم الجهود الهائلة التي تبذلها إسرائيل في حرب الروايات إلا أن هذه الأدوات الناعمة لم تمنع تشكّل رأي عام عالمي مناهض للحرب خاصة مع انتشار صور وفيديوهات من غزة تُظهر حجم الدمار والمعاناة. منصات مثل تيك توك التي يصعب السيطرة عليها بنفس درجة السيطرة على المنصات الأخرى سمحت لأصوات الفلسطينيين بالوصول إلى العالم بشكل مباشر ما أدى إلى تزايد التعاطف مع قضيتهم.
في النهاية تظل حرب الروايات جزءًا لا يتجزأ من الصراع.
وبينما تستمر الأدوات الناعمة في عملها لتشكيل الرأي العام يبقى صوت الواقع أقوى سلاح خاصةً عندما تُروى القصص الإنسانية من قلب المعاناة.



